%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b5%d9%84

هل هو صراع أمريكي-روسي في الموصل لتعقيد مهمة روسيا في سورية؟

الولايات المتحدة منشغلة بالانتخابات الرئاسية، ولا تريد أن تدخل في صراعات تعكر صفو هذه الانتخابات التي تسير نحو وصول كلينتون نحو البيت الأبيض، لذلك هي حسمت أمرها في أن تبقى الضغوط سياسية وليست عسكرية، وحتى هذه الضغوط تم نقلها إلى القمة الرباعية التي عقدت في برلين في 19/10/2016 بزعامة المستشارة ميركل وضمت القمة زعماء روسيا وفرنسا وأوكرانيا وكانت أولوية هذه القمة بحث الصراع المسلح في الشرق الأوكراني.

 ما جعل بوتين يتنازل في أوكرانيا ويتمسك بموقفه في سوريا، واكتفت ميركل هي وهولاند بأنهما أجريا مباحثات شديدة الصراحة والقسوة مع بوتين، وبدا على ميركل الإحساس بالمرارة وهي تتحدث عن قصف نظام الأسد وروسيا للسكان في سوريا ووصفته بأنه نشاط إجرامي واعتداء على مدنيين عزل لم يسبق أن سمعه بوتين من زعماء سابقين صراحة مثلما سمعه من المستشارة ميركل رغم أن تلك التصريحات هي ضغوط سياسية لكنها محرجة بالنسبة لروسيا وتعري موقفها السياسي أمام العالم لكن السؤال هل سيغير بوتين مواقفه؟.

عندما ألح بوتين على لقاء المستشارة ميركل ضمن مجموعة رباعية نورماندي التي تأسست عام 2014 كآلية لحل الأزمة الأوكرانية، لكن الموقف الذي يحسب للمستشارة الألمانية ميركل أنها اشترطت لقاء بوتين قبله الحديث عن حول الأزمة السورية، رغم ذلك فشلت مباحثات ميركل وهولاند مع بويتن خصوصا بعدما رد بوتين علي ميركل وهولاند بقوله سنفعل في حلب ما فعلناه في غروزني، رد عليه هولاند بأن روسيا تقوم بجرائم حرب.

 كانت نتائج عقد تلك القمة متوقعة، لكنها حققت هدفا واحدا وهو محاصرة روسيا سياسيا، وعزلها عالميا، خصوصا بعدما وصف الأمين العام للأمم المتحدة الذي وصف المشاركة الحربية الروسية في سوريا بالبربرية.

يواجه بوتين مهمة صعبة في خلق واقع على الأرض يصب في صالحه وصالح نظام بشار الأسد من خلال جرائم الحرب والقصف الجوي، خصوصا بعدما فشلت آمال الكرملين التي علقتها على لقاء لوزان، وفشل نهج متعدد الأطراف التي سعت له واشنطن.

يبدو أن توتر العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة حول الأزمة السورية وحول العديد من الملفات في المنطقة والثنائية، خصوصا بعدما أصبحت جيبوتي ساحة للتنافس الياباني الصيني على النفوذ في أفريقيا، بجانب القاعدة الأمريكية في المطار الدولي.

 فاليابان أنشأت قاعدة عسكرية بجوار القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، وانطلاق تمرين تعايش الاستكشاف بين القوات السعودية والجيش الصيني، اتجهت أمريكا مؤخرا إلى أن أطلقت يد الحليفين السعودي والتركي وهو ما أزعج كلا من إيران وروسيا.

 وبشكل خاص بعدما تم تهميش دور إيران في مؤتمر لوزان، ومن اجتماع دولي تستضيفه باريس لبحث مستقبل الموصل بعد تحريرها، جعل بوتين يتجه إلى الرد بمناورات مكشوفة التي عرضها بوتين عن وقف النار في حلب لمدة ثماني ساعات لقيت استهجان واسع في الأمم المتحدة، رغم هذا الاستهجان رد بوتين بعنجهية وقال أنه يمتلك بدائل من الدبلوماسية مع واشنطن، بعدما أصبح بوتين منزعج من تحويل الولايات المتحدة اللقاءات الثنائية إلى لقاءات متعددة الأطراف شعر بأنها بدأت تحاصره، وتؤتي أكلها نتيجة اصطفافات دولية، ونبرة عالية تجاهها.

 فقال بوتين أنه يستطيع أن يحرك تلك الدبلوماسية فورا، وبطريقة ترضي الإيرانيين حلفاءه المتضجرين منه في سوريا، ووجد أن هذه البدائل هي إيصال صواريخ إيرانية التي أطلقت فجأة على السفن الأميركية عند شواطئ باب المندب، حيث وجد مرتزقة طهران أنها في خدمة الأجندة الروسية، لكن فوجئت إيران التي تريد إبعاد واشنطن عن الصراع اليمني، ورغبتها في ترسيخ صلاحيتها كشريك إقليمي، التي دائما ما كانت تدعو إليه السعودية إلى أن إيران ليس لديها صلاحية كشريك إقليمي، ولا تريد إيران مواجهة مكشوفة مع واشنطن تصب في صالح السعودية التي تقود دول التحالف ضد وكلائها الحوثيين في اليمن.

ربما تصرف الحوثيون دون موافقة إيران، خصوصا إذا ما أدركنا أن علاقة الحوثيين تشبه علاقة حماس بإيران، وهي علاقة مساعدات فقط ،وليست العلاقة مثل علاقة حزب الله بإيران علاقة عضوية، وأكبر مثال على ذلك حينما طلبت إيران من الحوثيين ضبط النفس قبل احتلال صنعاء، لكن فوجئت إيران بقدرة الحوثيين على احتلال صنعاء.

 ما يعني هناك سهولة في شراء الولاءات داخل اليمن، وهي نفس الورقة التي تستخدمها دول التحالف لتحقيق أهدافها في تثبيت الشرعية في اليمن، ولكنها لن تتحقق إذا لم يتم تسليم السلاح الثقيل حتى لا يعود الانقلاب مرة أخرى ويعود إلى شراء تلك الولاءات القبلية.

حتى تركيا بدأت تحقق مطالبها، وهناك تأييد أميركي لمشاركة تركيا في حرب داعش دون رسالة واضحة بشأن الموصل، وحتى بوتين طلب من أردوغان وساطته لإخراج النصرة من حلب، وتركيا حققت لأمريكا بغيتها حيث بحثت تركيا وإسرائيل إمكانية إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز إلى أوربا، خصوصا في ظل الرفض الشعبي في الأردن عن قبول الغاز الإسرائيلي، بل إن تركيا تلمح إلى البديل الروسي عن علاقتها المتوترة مع أوربا.

هناك تنافس وصراعات للهيمنة على قرار شيعة العراق، لذلك حسم الأتراك والسعودية أمرهم وأصبحوا أكثر استعدادا لإنجاز تقارب تحفظ لكل طرف خصوصياته، وأطلقا صفارة الإنذار، وحذروا كل الأطراف المشاركة في تحرير الموصل من مغبة اللعب بالتوازن السكاني للمدينة وما حولها.

 والسعودية وتركيا  حذرتان من خديعة تحرير الموصل من داعش، وما هي إلا من أجل بسط هيمنة تتحقق من خلال تغيير ديموغرافي، والتحذير من الحشد الشعبي الذي مارس جرائم حرب في الفلوجة وغيرها من مدن أخرى تم تحريرها من داعش، وهما لا يريدان تكرار ما حصل في الفلوجة، وهما مدركان أن ظهور داعش نتيجة للسياسات الطائفية التي مارسها المالكي ضد مكونات الشعب العراقي، وتم تشكيل المليشيات الطائفية بفتوى السيستاني لمواجهة داعش، لكن اختطفت إيران هذه الفتوى وشكلت هذه المليشيات خارج إطار الدولة ما يربو على 50 مليشية حتى يصعب القضاء عليها.

الذاكرة التركية حاضرة عندما مارست الرد السريع في القرن السادس عشر على الالتفاف الصفوي المتحالف مع البرتغاليين، ( بينما اليوم تتحالف إيران مع روسيا ) في الوصول إلى اليمن والحجاز، والاستعانة بالمماليك للحصول على موطئ قدم في بلاد الشام، وبدأت باحتلال بغداد سنة 1508، لكن هذا الالتفاف وهذا التمدد فرض على الدولة العثمانية معركة حاسمة مع الدولة الصفوية في جالديران في عام 1514، وتلتها معركة مرج دابق بعدها بعامين 1516 مع مماليك مصر، وشكل انتصار العثمانيين في كلتا المعركتين نهاية طموحات الدولة الصفوية في المنطقة العربية.

فلا زالت تركيا عقدة إيران رغم التقارب الاقتصادي بينهما، وتعود الكرة مرة أخرى، لذلك سيكون التحالف التركي السعودي حاضرا وبقوة، خصوصا بعدما أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بأن بلاده ستقدم المزيد من السلاح للمعارضة السورية لفك حصار حلب والدفاع عن أنفسهم ولن يتم دون المشاركة التركية، للوقوف أمام هذه الهيمنة بل وتفكيكها، بعدما أصبحت عملية درع الفرات والانتشار في قاعدة بعشيقة تحظيان بدعم إقليمي ودولي، خصوصا بعدما سعت السعودية وتركيا إلى الاستعداد لمعركة كسر العظم بتوحيد فصائل المعارضة تحت قيادة عسكرية موحدة لرد هذا العدوان الهمجي المبرمج.

 ويشكل هذا التحالف نقطة تحول تؤسس لمرحلة جديدة نحو تفاهمات استراتيجية الحد الأدنى ولكنه تحالف طويل المدى،  باعتبار البلدين يشكلان جدارا منيعا أمام مشاريع تفكيك المنطقة، خصوصا وأن الموصل وحلب مجال حيوي لتركيا، وكذلك يعتبر اليمن وبقية دول الخليج مناطق حيوية للسعودية، بينما سوريا والعراق فهما مناطق حيوية لكلا البلدين، وهما يشكلان جزء من الأمن القومي العربي، أي أن المرحلة تعيش إعادة تأسيس للعلاقات التركية- الخليجية.

 ريثما تجهز دولة مصر التي لم تحسم أمرها بسبب العديد من الهواجس التي تعاني منها مصر، والتي لم تتمكن من تجاوزها بعد ثورة يوليو بدعم دول الخليج التي هي لديها أزمات عديدة أهمها وأكبرها انخفاض أسعار النفط، وهم يعيشون مرحلة إعادة هيكلة لاقتصاداتهم التي تتطلب خفض النفقات، ويواجهون العديد من التحديات التي بحاجة إلى إنفاق ضخم.

تبقى الموصل صراع ميداني أميركي روسي وأدواته الحشد الشعبي في تلعفر بالاتفاق مع طهران، ما جعل بوتين يتوسل ويبلغ العبادي رفضه عبور داعش إلى سوريا رغم أن القرار ليس بيد العبادي، وإنما بيد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والتي تعتبر داعش ورقة مثلما تعتبر طهران داعش ورقة شكلت المليشيات الشيعية التابعة لها في العراق لإضعاف الجيش العراقي أو حتى يفوق قدرا ت الجيش العراقي ليبقى العراق تحت الهيمنة الإيرانية.

الاستراتيجية الأميركية ستحاصر روسيا في سوريا بالمعارضة التي يتم تزويدهم بالسلاح عن طريق الدول الإقليمية السعودية وتركيا، وعن طريق طرد مقاتلي داعش عبر فضاء مفتوح نحو الحدود العراقية السورية، في وقت تعارض فيه روسيا هذه الاستراتيجية، وتطالب بقتلهم في الأراضي العراقية.

 ما تعتبره روسيا يعقد مهمتها في سوريا، وهو ما يجعلها تدعم الحشد الشعبي من خلال توجهها إلى تلعفر حيث تسكن أغلبية تركمانية شيعية، لذلك فإن الإيرانيين والحشد الشعبي يعتزمون السيطرة على تلعفر بسبب أهميتها للشيعة واستخدام ذلك كوسيلة للدخول إلى الموصل، ومن أجل تطويق المنطقة، واستخدامها كوسيلة للتأثير على القتال في سوريا، ومنع توجه مقاتلي داعش إلى جهة البعاج، ومن ثم يتمكنون من الخروج إلى الحدود العراقية السورية للالتحاق بجيش دابق.

 وهي خطة متفق بموجبها بين بوتين وطهران وهي مخالفة حتى لأوامر العبادي الذي يقول إن كل قادة الحشد يأتمرون بأمره، بينما الأمور على أرض الواقع تجري في سياق آخر، وهو ما يجعل الحشد الشعبي يضغط على العبادي رفض تواجد الجيش التركي في بعشيقة.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق