كيري-لافروف

هل تفرز لقاءات كيري-لافروف اتفاقاً على غرار سايكس-بيكو؟

ضريبة فرط أي امتداد امبراطوري الدخول في مرحلة الانكماش، لذلك نجد أن العالم الذي تقوده الولايات المتحدة ومنذ الأزمة المالية التي انطلقت شرارتها من الولايات المتحدة عام 2008 لا يزال الاقتصاد العالمي يسير بعكازين هما الفائدة السلبية والتيسير النقدي، ما يعني أن النظام الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة لم يتعافى بعد حتى الآن.

وعليه فإن الولايات المتحدة تمر بمرحلة تغيرات كثيرة تتصل بالحالة القطبية العالمية، وهي غير قادرة على ممارسة أدوارها السابقة نفسها بوصفها زعيمة منفردة للعالم، ولم يعد العالم ملعبا أميركيا، فقد بات ساحات صراعات للقوى الدولية الذي يعني تغير الأدوار الفاعلة على رقعة شطرنج العالم.

وتعتبر منطقة الشرق الأوسط قلب العالم، وتريد موسكو أن تكون شريكا للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وما لقاءات كيري – لافروف المتعثرة حتى الآن ما هي إلا ملامح لرسم خريطة الشرق الأوسط الجديد على غرار سايكس بيكو، خصوصا وأن الكونغرس الأمريكي ناقش عن إمكانية تقسيم العراق إلى سنة وشيعة، ومشروع بايدن الذي يؤمن بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات أكراد وشيعة وسنة.

لكن السؤال المهم، هل الظروف الحالية هي نفس الظروف التي نشأت فيها اتفاقية سايكس بيكو الأولى، قد تكون الإجابة بلا بسبب أن هناك دولا إقليمية في المنطقة كتركيا والسعودية لم تعد تراهنان لا على أمريكا ولا على واشنطن، رغم أن كلتيهما واشنطن وموسكو يسعيان إلى المزيد من التمكين وبسط هيمنتهما ونفوذهما، ومن أجل تفادي أي صراع بينهما قد يلجآن إلى صيغة توافق جديدة للمنطقة، ولكن ما هي هذه الصيغة الجديدة؟.

يبدو أن العرب ليست لديهم حتى الآن قدرة في التأثير على وقف ملامح رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تبدأ في سوريا، حيث لعبت المحاصصة لتغيير وجه سوريا، باعتبارها وجه منطقة الشرق الأوسط، وصفة للحرب لأطول فترة ممكنة لإدامة الصراع، ومن دونها لا يمكن تغيير خريطة سايكس بيكو، ( التي كان يرفضها الاسلاميون ويريدون أن تحل محلها خلافة إسلامية، وكذلك القوميون الذين يعتبرون بريطانيا غدرت بهم، لكن بعد ما يسمى الربيع العربي هناك حرص على بقاء سايكس – بيكو ) كما تتماشى مع حقيقة أن أصحاب شركات هاتين الدولتين وغيرهما من الدول المتقدمة على الصعيد العالمي ممن يستفيدون من دوران رحاها الطاحنة لن يقر لهم قرار في عالم بلا حروب.

 وقد علمنا التاريخ أن انطفاء الحرب في مكان معين، لا يعني بالضرورة، سوى اشتعال فتيلها في أمكنة أخرى، فويلات الحرب انتقلت من أدغال أفريقيا لتتناثر في رقع شتى من الوطن العربي بدءا من العراق فلبنان مرورا بسوريا وصولا إلى اليمن وليبيا، وهي تستدعي الاستقواء بالخارج من أجل معركة لا رابح فيها سوى حرب استنزاف طويلة الأمد تقضي على ما بقي من وطنية أو شعور بالانتماء عند هذا الطرف أو ذاك.

مشروع التقسيم جاهز حيث في لبنان محاصصة طائفية بينما الوحدة شكلية، والعراق أصعب، وعدوى الانقسام ستطال سوريا إلى شمال ووسط وجنوب، والتقسيم بأداة التطهير المذهبي بقيادة إيران وحزب الله التي تود ربط حي الوعر في ريف دمشق، والقلمون في حمص لكي تتصل بحزب الله في لبنان ترتيب استراتيجي، وهناك تحول في محيط العاصمة السورية لإبعاد المعارضة السورية 15 كيلو مترا غرب دمشق والتوجه نحو تسوية في المعضمية بعد داريا.

الهدف تحويل بقية سوريا إلى مجموعة أقليات، ورمي العرب السنة في القوافي والبوادي، أي حقيقة إيران هو الانتقام من العرب سنة وشيعة، على غرار الحشد الشعبي في العراق الذي أنشأته إيران ويقوده قاسم سليماني من أجل القيام بالتطهير العرقي ضد العرب السنة بذريعة محاربة داعش في الفلوجة وغيرها من المدن التي حررتها من داعش، على غرار حالات التطهير العرقي في بروندي والمذابح الجماعية في راوندا في أفريقيا.

 لكن التطهير العرقي التي تقوم به المليشيات التابعة لإيران في العراق بحجة محاربة داعش حيث كان غطاء لم يتنبه له المجتمع الدولي لمحاسبة الحشد الشعبي بل إن الولايات المتحدة تنسق مع إيران بالسماح للحشد الشعبي بمحاربة داعش ( التطهير العرقي والمذهبي ) ما يعني أن هناك مؤامرة دولية استغلت انهيار مركزية الدولة وحلت محلها دول رخوة.

والتطهير العرقي للعرب امتد إلى محاولة مضايقة السفير السعودي ثامر السبهان منذ مجيئة إلى العراق بعد 25 سنة، ومطالبة المليشيات التابعة لها في العراق أن تهدد ثامر السبهان بالاغتيال على لسان أحد قادة الحشد الشعبي الخفاجي، وبدلا من محاسبة الحكومة العراقية ومحاكمته على تهديده للسفير السعودي وفق الأعراف القانونية والدبلوماسية، إلا أنها طلبت من السعودية أن تستبدله بسبب أنه اعترض على تولي قاسم سليماني في قيادة الحشد الشعبي لمواجهة داعش لإبعاد التواجد السعودي العربي في العراق الذي جعل العرب سنة وشيعة يلتفون حول السفير السعودي باعتبار السعودية العمق العربي والتاريخي مستجيرين به من الوجود الإيراني في العراق، وبعدما أصبح القرار الاستراتيجي بيد إيران لا الحكومة العراقية، حيث أن السياسة الصفوية لا تريد أحد يدافع عن العراقيين حيث سبق أن صرح مستشار خامنئ بأن العراق عاصمة الدولة الساسانية.

فالوحدة التي تدعيها إيران هو التطهير العرقي، والوحدة التي تعنيها تركيا هو عدم قيام شريط كردي بجوار حدودها يفصلها عن العرب وهو مخطط غربي روسي باعتراف رئيس الوزراء التركي يلدريم عندما قال إن واشنطن وموسكو تريدان إقامة دولة كردية، وهي تتقاطع مع التخوفات الإيرانية.

 استغلت إيران مثل تلك الظروف وروجت إلى تفاهم ثلاثي أقرب إلى التحالف من أجل إبعاد الرياض، رغم تباعد الموقف بين هذه الدول الثلاث، فموسكو عينها على واشنطن وعلى وضع سوريا والمنطقة قبل عام 1991.

 بينما إيران تريد سوريا تسير في فلك إيران أعمق من محور الممانعة الذي كان قائما قبل عام 2011، بينما ترفض واشنطن ومعها الأطلسي من موقع المنتصر في الحرب الباردة في العودة إلى زمن الحرب الباردة عالم مكون من قطبين، وتعتقد أن ما يدور حول استدارة تركية، فإن قاعدة إنجرليك جزء من منظومة غربية ثابتة، وأن الدولة التركية أكثر عمقا من الجيش الذي قام بالانقلاب الفاشل.

تتجه المعارضة السورية إلى الاجتماع في الرياض لإعداد مسودة للعملية السياسية بالتزامن مع مناقشة تقرير لجنة التحقيق حول استخدام النظام السوري الكيماوي في مجلس الأمن الذي أكد بأن النظام السوري هو من استخدم الكيماوي، ولكن رفضت موسكو قبول نتائج التحقيق، وهي تستبق اجتماع لندن لأصدقاء سوريا في 7/9/2016 ومن المتوقع إقرار وثيقة المرحلة الانتقالية.

تواكب تلك التحضيرات التغيرات التي طرأت على المشهدين الإقليمي والدولي تجاه الأزمة السورية، وبينها التقارب الروسي – التركي، والمباحثات التركية – الإيرانية، والاجتماعات الأمريكية الروسية على مستوى وزراء الخارجية ما يسمى لقاءات ( كيري – لافروف )وحتى الآن اجتماعات غير مثمرة.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق