جعفر الهاشمي

هل تشيّع “سيلفي”؟

جلب انتباهي إصرار كاتب مسلسل سيلفي على تضمينه حلقات تعكس حضور الخطاب السياسي الشيعي المعاصر، ودوره في المجتمعات الخليجية، الأمر الذي شد انتباه المشاهد لها أكثر من غيرها من الحلقات طيلة الأعوام الأخيرة.

السيناريو وتماشياً مع النهج الليبرالي في الخليج العربي، يحاول رفع منسوب الخطاب السياسي الشيعي لمستوى الفكر والخطاب السياسي السني، ويشرعن حضوره كقسيم وشريك فعلي وفاعل له في مختلف المجالات، دون انتباه منه بأن الخطاب السياسي الشيعي مختطف جملة وتفصيلاً من قبل أشرس وأخطر ديكتاتورية ناعمة ومعاصرة تتمثل بسلطة ولاية الفقيه، وأن التوجه الشيعي الرافض لهذا التأسيس رغم محاولاته وسعيه إلا أنه مازال لا يحظى بمقومات تؤهله لمقارعتها في الوقت الراهن.

والسؤال الذي ينبغي التركيز عليه، هو: هل حقاً خطاب التشيع السياسي الخليجي له حضور بهذا الحجم؟  وهل يشكّل اتباعه تياراً واسعاً ومؤثراً في هذه المجتمعات؟ أم أن ما يتعقبّه المسلسل هو محاولة احتواء الشيعة في الخليج وانتشالهم من مزيد الانزلاق في هاوية الطائفية السياسية؟

لا امتلك إحصاءات حول نسبة الشيعة في الخليج ونسبة من يؤمن منهم بتداخل الدين والدولة، ناهيك عن مؤيدي نظرية ولاية الفقيه، سيما وأن الرواية غير دقيقة ولا تستند إلى إحصاءات موثوقة، وفيها مبالغة كبيرة، إلا أن ما أعرفه من عقلية نظام ولاية الفقيه في تخطيطها لغزو العالم العربي والإسلامي عبر تشييعه، وتركيزه على الخليج ومكة والمدينة بالذات، جعلني أقف ملياً لأتساءل هل استطاع التشيع السياسي في الخليج تحديداً أن يجعل من نفسه قسيماً حقيقياً للإسلام السياسي السني من حيث السعة والتأثير ويصبح واقعاً لا مناص من التعامل معه كندٍ في المجتمعات الخليجية؟

أم أن ما يطرحه البعض مجرد محاولةً منهم لخلق وتضخيم تناقضات وصراعات وهمية والقفز عليها لتقديم خطابهم كحل بديل عن الطائفية والقبلية السياسيتين؟

ما يمكن فهمه من ملامح السلطة في هذه المجتمعات أنها لازالت محاطة وموزعة بين تيارين قويين وفاعلين، هما التيار الديني السني الواسع بكل تشعباته والتيار القبلي العريض، أما التيار التقدمي بكافة اشكاله لازال يشكل هامشاً متواضعاً ولا يمتلك تأثيراً واسعاً في الدولة والمجتمع بل إنه يحابي السلطة أو يعينها في تحديد دور وكبح جماح هذين التيارين في أفضل الاحوال.

أما في خصوص إشكالية الديمقراطية والمجتمعات المتخلفة، قد أتفق مع مقدمات الاستدلال إذ إن الديمقراطية في المجتمعات المتخلفة لا تؤدي إلا لولادة أنظمة ثيوقراطية تفرز مضاعفات تتناقض مع أهدافها وغاياتها الحميدة وتفتك بالمجتمعات وتفسّخها، ومن أبرز تلك المضاعفات توسيع رقعة التخلف والاستبداد غير المباشر ومحاصرة المجتمع بمثلث السلطة وحظوة ومحسوبية مؤسستي المذهب والقبيلة، ما يعني إطالة عمر الأنظمة الثيوقراطية ومزيداً من التخلف والرجوع للقهقري.

لكن اختلف مع هذا الطرح من حيث الاستنتاج، فما أطلق عليه “محمد عبده” و”جمال الدين الافغاني” بنظرية “المستبد العادل” في القرن الـ١٩، رغم أنها لازالت تبدو الوصفة الأقرب لمزاولة السلطة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إلا أنها تتناقض مع نفسها، إذ كيف يمكن الجمع بين الاستبداد والعدل؟ أليس الاستبداد هو الظلم بذاته؟ أليس كل ما تعانيه الأمة من ويلات ما هو إلا نتيجة للاستبداد والاستعباد؟ سيما وأن تجاربنا المعاصرة مع الأنظمة المستبدة تثبت بأن تلك الأنظمة ومهما كانت قوية ومتماسكة إلا أنها في النهاية لم ولن تفرز إلا مجتمعات أكثر تخلفاً وأكثر خنوعاً وذلاً وتفسخاً والأمثلة من حولنا كثيرة.

أما الحل، فيكمن في الإصلاح الشامل والتدريجي للمجتمعات وتأهيلها الفكري والنفسي ودمقرطة المجتمع قبل   السلطة، أجل هناك تنافس وربما صراع غير عادل بين السلطة والمثقف المؤمن المخلص على قيادة المجتمع، إلا أن  ثورة التواصل الاجتماعي قد تتيح هامشاً مناسباً لولادة تيار نخبوي يشكل قاعدة انطلاق لمرجعية متنورة تقوم بتوعية المجتمع، وتحفزّ تطلعاته للعدل والمساواة عبر تعزيز وتفعيل رغبته في الديمقراطية، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من قبل  المثقف الحقيقي المؤمن بمبادئ الديمقراطية، والشجاع في طرحه وتقبّله النقد الموضوعي الواقعي بعيداً عن الانحياز والمحاباة وحتى الطوباوية والمثالية والانفعال.

د. جعفر الهاشمي

 كاتب وباحث في الشؤون شرق الأوسطية

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق