الاستعصاء

هل بدأت الذهنية العراقية الشيعية تنحاز لهاجس الدولة أكثر من فكرة المذهب؟

حادثة عقد صفقة حسن نصر الله مع داعش لفتح ممرات آمنة لمقاتليه مع عوائلهم نحو الحدود العراقية أفرزت إعادة إنتاج جزئية لهويات سوسيوسياسية بشأن البنية الذهنية لفئة واسعة من العراقيين الشيعة.

وهي لأول مرة تخلق هذه الحادثة النزوع نحو عرقنة التشيع مقابل لبننة التشيع وهي تعني أنها بدأت تخلق صراع سياسي جديد على أساس وطني أكثر منه صراعا بين مذاهب متناحرة أو صراع داخل المذهب.

العقلية العراقية الشيعية مصدومة ولأول مرة بعدما استيقظت خارج سبات الهوية الشيعية، ولأول مرة تنجاز هذه الهوية نحو هاجس الدولة، ولكن تظل لحظة صراع نفسي باقية تتزاحم فيها الهويات في العقلية الشيعية العراقية وتحتاج إلى تأمل لكن ما يمر به العراق قد تحسم هذه الذهنية انحيازها للدولة التي هي التي تجلب لها الأمن وليس المذهب الذي يجلب لها الصراع.

يبدو أن العقلية الشيعية العراقية أدركت أن حسن نصر الله الزعيم العربي الروحي التي حاولت إيران إزاحته من طريقها واستبداله بآخر إيراني لكنها فشلت لكن في المقابل يثبت حسن نصر الله بأنه يقدم لإيران خدمات جليلة لم يستطيع أي إيراني تقديمها، بل إن الجنرال قاسم سليماني لا يستطيع القيام بأي عمل إقليمي إلا بعدما يلجأ إلى حسن نصر الله.

 حسن نصر الله بات اليوم مشغولا بترتيب بيته الداخلي حسب موازين القوى الدولية والإقليمية، ربما لم يتنبه أن يضع في حسبانه مشاعر العقلية الشيعية العراقية التي تعيش في بلد له تاريخ عريق، ما جعله يعتبر أن ما قام به حسن نصر الله طعنة في الظهر العراقي، خصوصا وأنه عانى من داعش ما لم يعاني منه حسن نصر الله في لبنان، بل اكتسح داعش أكثر من ثلث مساحة العراق منذ عام 2014 زمن المالكي وأحال معظم سكانه إلى نازحين وحول مدنه إلى رماد.

ما يجعل العقلية الشيعية العراقية تشكك في مسؤولية المالكي وإيران في صناعة داعش بعد الصفقة التي أجراها حسن نصر الله مع داعش بموافقة إيرانية ودفاع مستميت من قبل المالكي بل حاول المالكي أن يبرر هذه الصفقة واعتبر بأن مثل هذه الصفقة حدثت في العراق وهو ما نفاه العبادي.

بعد هذه الصفقة يجري حديث هامس داخل نفسية العقلية الشيعية العراقية حول استمرار الولاء المذهبي المطلق بوصفه هوية سياسية واجتماعية، وتتساءل هل يمكن أن تدوم هذه الذهنية سيكولوجيا بتأثير عملية التطييف السياسي التي ينتج عنها ديناميات التصنيف الاجتماعي.

 ما يعني أن هذا الولاء قابلا للتغير إذا واجهت العقلية الشيعية العربية أزمات تتجاوز كيانها الوجودي، والذي على إثره مراجعة تقديس الزعامات الذي يمكن أن ينقلب إلى تمرد خصوصا بعد الطعنة التي وجهها حسن نصر الله كزعيم روحي للعقلية الشيعية العراقية.

تتزامن هذه الأزمة النفسية مع زيارة مقتدى الصدر للسعودية ثم لدولة الإمارات الذي أثار حفيظة إيران، ما جعلها تضغط على الأعرج وزير الداخلية العراقي الذي هو أيضا زار السعودية بأن السعودية طلبت من العبادي التوسط بينها وبين إيران، لكن نفى الأعرج هذه التصريحات بعد 24 ساعة من تصريحه ثم تبعتها تصريحات سعودية أيضا بالنفي، ما يعني أن هذه التصريحات هي تشويش على زيارة مقتدى الصدر للسعودية ودولة الإمارات.

هذا التشويش يدخل ضمن أسطورة الحوار بين إيران والسعودية التي جاءت بعد مطالبات حثيثة من السعودية بزيارة دبلوماسي المملكة للسفارة والقنصلية وتفقد أحوالهما، واسترداد ملفات وموجودات في المقرين، التي قوبلت بالتسويف، وسبق أن كذبت السعودية في أغسطس 2017 مزاعم إيرانية حول استكمال الإجراءات المتعلقة بالتحقيق في حادثة اقتحام السفارة والقنصلية.

 وسبق أن أعلنت السعودية جاهزية فريقها لزيارة إيران في ديسمبر 2016 ليشارك عند معاينة السلطات الإيرانية لممثليات المملكة في إيران وإطلاعه على نتائج التحقيق، لكن لم تصدر الموافقة إلا في 1 أغسطس 2017.

لا تزال هناك مواقف سلبية من السعودية في إيران وخصوصا من قبل الحرس الثوري الذي سيعرقل أي علاقة بين البلدين، وسبق أن قام بتفجير الخبر عام 1996 بعد زيارة هاشمي رفسنجاني للسعودية، أيضا أتت زيارة أحدي نجاد للسعودية مرتين، في القمة الإسلامية، وكضيف شرف في القمة الخليجية عام 2007، لكن الحرس الثوري لم يقبل بمثل هذا التقارب ورفع بعدها عقيرة المواجهة مع السعودية في أماكن مختلفة عبر وكلائها.

استشعرت إيران الخطر خصوصا بعدما أيقنت أن بوابتها للعراق النجف أصبح عسيرا بعدما رفض مراجعة شيعة النجف الأربعة استقبال مبعوث المرشد أية الله خامنئ، مما اضطر رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام آية الله محمود هاشمي الشهرودي إلى العودة من حيث أتى خاويا بخفي حنين بعدما أقفلوا الأبواب تجاهه، وكيف أن المراجع الشيعية العراقية في النجف أصبحت تتحدى آيات الله في إيران وفي قم وعلى رأسهم المرشد آية الله خامنئ.

 هي رسالة لهم بأن المراجع الشيعية العراقية تحمل المراجع الشيعية الإيرانية مسؤولية ما وصل إليه العراق، ما يعني أنه ليس فقط الذهنية العراقية الشيعية مأزومة، بل حتى المراجع الشيعية استيقظت لهاجس الدولة العراقية، بل وكأنها تحمل المذهب الشيعي مسؤولية ما وصل إليه العراق مما وصل إليه من الانهيار والسماح بتولي طغمة فاسدة في سدة الحكم نهبت ثروات العراق، وانتقلت الدولة العراقية من الدولة الاستبدادية المستقرة زمن صدام حسين إلى زمن دولة الملالي التي دمرت العراق وكأنه انتقام من العراقيين والثأر من الحرب العراقية الإيرانية.

أدركت المراجع الشيعية العراقية بأن ما جاء من أجله الشهرودي إلى النجف هو من أجل أن تتبنى مدارس النجف الفقهية الدعوة إلى ولاية الفقيه التي دأب على رفضها السيستاني، ما يعني أن طهران تريد الاستيلاء على القرار الديني للنجف، بجانب اعتقاد إيران أنها تهيمن على القرار السياسي في بغداد، بعدما تمكنت من تشكيل عدد كبير من المليشيات التي تتبع لها، رغم أنها تشكلت بفتوى من السيستاني، لكن استثمرتها إيران ووظفتها لصالح مشروعها الفارسي.

من جانب آخر تروج إيران للشهرودي بأنه سيكون وريث للسيستاني في حال رحيله باعتباره أن النجف مسقط رأسه، وهو ما أدركته المراجع الشيعية في النجف الرئيسية الأربعة التي رفضت استقباله، خصوصا بعدما أثارت انتقادات الشهرودي المسيئة لدور النجف وقوله أن الحوزة العلمية في النجف تمر بمرحلة صعبة وبأنها قد ماتت، الأمر الذي اعتبر تدخلا غير مسموح في شؤون النجف ومحاولة رسمية لإلحاقه بقم، لكن قم تبقى للنجف فرعا ولا يمكن للفرع أن يكون بديلا عن الأصل، بل كان للنجف دور في اصدار فتوى السيستاتي لقتال داعش، وهو ما يجعل النجف أنه استعاد المبادرة التي تود طهران نزعها منه وجعله مرجعا ميتا.

صفقة الدواعش تصاعدت على إثرها حدة السجال بين طهران وبين النجف ورفض المرجعية العراقية قتال العراقيين في سوريا واعتبار وجودهم هناك مخالف للفتوى التي أصدرها الإمام السيستاني سنة 2014 في الدفاع عن العراق فقط.

مما جعل الشهرودي يظهر تمسك طهران بالورقة الشيعية العراقية من خلال دعوة الأطراف السياسية العراقية الشيعية إلى دخول الانتخابات البرلمانية موحدين ضمن قائمة التحالف الشيعي، وهو ما عجز عن تحقيقه بعد رفض مقتدى الصدر لقاءه، وتمسك عمار الحكيم بخياراته السياسية الجديدة، كما أنه منزعج من العبادي الذي صرح بأن لا مكان لنوري المالكي في التركيبة الجديدة، ولم يخفي الشهرودي من إخفاء امتعاضه من رعاية النجف للتقارب العراقي السعودي الذي بات يقلق طهران.

ما يعني أن هناك هبة شيعية على جميع المستويات من المرجعية والمكونات السياسية والذهنية العراقية الشيعية في رفع البطاقة الحمراء بوجه إيران، وأن الجميع بات جاهزا لمواجهة أي محاولة لاختراق الدولة العراقية شعبا ومرجعية وحكومة.

 لم يجد الشهرودي في العراق سوى نوري المالكي والعديد من المليشيات التي أنشأتها وشكلتها لمثل هذه الظروف، وهي تملك الكثير من أوراق القوة، وتنتظر إيران  في العراق صراع شيعي – شيعي نتيجة قلقها الجيوسياسي من موقع العراق الجغرافي الذي شكل لها تاريخيا عقدة عثمانية واليوم عقدة عربية بقيادة الشعب العراقي الذي قرر العودة إلى محيطه العربي.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق