إرهاب

من استراتيجية الذئاب المنفردة إلى استراتيجية الخيل المسومة

بعد حادث الدهس في إسبانيا في ساحة رمبلاس السياحية ببرشلونة، ما أدى لسقوط 14 قتيلا، أعقبه حادثا طعن، أحدهما في فنلندا، والآخر بألمانيا، أوربا أمام رهانات سياسية، وهناك هلع من عودة المقاتلين من بؤر التوتر، وأصبحت أوربا هي بين التحديات والإمكانات، وهم مطالبون بالإجابة عن الإشكالية الداخلية والخارجية في آن واحد تم طرحها بسبب وجود جهاديين يتحدرون من أصول أوربية.

تنظيم داعش يحاول استهداف الدول المشاركة في التحالف الدولي وتوصيل رسالة لها بأنها ستدفع ثمن حربها على الإرهاب لا سيما أن هذا النوع من الدهس لا يمكن منعه، وهذا الاستهداف يتزامن مع هزائم كبيرة يتلقاها التنظيم في سوريا والعراق من قبل قوات التحالف الدولي والقوات المحلية التي عرت التنظيم من انه تنظيم قوي وأنه من أكثر التنظيمات تأثيرا في العالم.

لذلك داعش يبحث عن استراتيجيات جديدة، وبدأ يوزع مطبوعات يتوعد فيها أوربا بمزيد من عمليات الدهس أربكت الأمن الأوربي، وفي نفس الوقت جعلت الشعوب الأوربية تعيش حالة من التوتر والقلق من أن تكون مستهدفة في أي وقت، خصوصا في مناطق الازدحام والمناطق العامة المتوقع أن يحدث فيها دهس أو طعن أو تفجيرات التي أصبحت التفجيرات محدودة بعد الاستنفار الأمني الذي تعيشه أوربا.

التنظيم يبحث عن تجنيد مزيد من الشباب المتحمس ونشر الإرهاب في دول العالم وليس فقط قصره على أوربا، فاتجه داعش إلى استراتيجية جديدة تحت مسمى الخيل المسومة، رغم أنها استراتيجية لا تختلف عن استراتيجية الذئاب المنفردة التي هي عبارة عن خلايا صغيرة تتصل ببعضها عن طريق موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، وأراد داعش تجديد استراتيجيته بعدما أطلق اسم الذئاب المنفردة عام 2010 لكنه أراد تجديد هذه الاستراتيجية باسم الخيل المسومة، وهي لا تشترط أن ينتمي المجندون الجدد إلى التنظيم بل يكفي أن يكون متعاطفا مع التنظيم، وهو ما يصعب من مهمة قوى الأمن من متابعة الإرهابيين، مثلما حدث مع منفذ الدهس الأخيرة في برشلونة من أنه فقط كان متعاطفا مع التنظيم وليس عنصرا أو مقاتلا رئيسيا في التنظيم.

يكفي أن يقوم هؤلاء الأفراد سواء كانت تسميتهم بالذئاب المنفردة أو الخيل المسومة بهجمات منفردة دون أن تربطهم علاقة بالتنظيم لكنهم هم فقط يؤمنون بأفكار التنظيم، وهذه العمليات الإرهابية تعد الأصعب والأكثر تعقيدا في العالم، وإمكانية منعها تكاد تكون ضئيلة مقارنة بالعمليات الإرهابية الأخرى التي تتم عبر الوسائل التقليدية سواء كانت متفجرات أو بأسلحة آلية.

 وستكون تطوير استراتيجيات لمواجهة هذا النوع من الإرهاب الشغل الشاغل لدوائر صنع القرار في الدول الأوربية التي تعاني من موجة الإرهاب غير التقليدي وهي تكتفي في الوقت الحاضر في منع إقامة حفلات مثل إلغاء هولندا إقامة حفلا موسيقيا في روتردام بعد ورود احتمال ارتكاب أعمال إرهابية بعد اعتقال اسبانيا بحوزته اسطوانتي غاز في سيارة فان بينما كان يقود سيارته على مقربة من حفل موسيقي.

هناك خشية من عودة الجهاديين إلى أوربا هذا إلى جانب استعادة التجنيد لصالح داعش، حيث الدعاية ضد الغرب وخصوصا ضد فرنسا هي أقوى من أي وقت آخر، مع الأخذ بالاعتبار أن انخفاض عدد المقاتلين في الشرق الأوسط قد يعني زيادتهم في بلدانهم الأصلية في أوربا.

لذلك تستخدم فرنسا طائرات مراقبة من دون طيار، وتتدخل في التقاط المحادثات عبر الراديو، الأمر الذي أمن للجيش الفرنسي لائحة بالمقاتلين لا تتناول الفرنسيين وحسب، بل والناطقين باللغة الفرنسية، والذين يصار للبحث عن كيفية تصفيتهم، تسمى بلغة الحرب التي تجعل من الصورة القضائية مهتزة لا تراعي القانون الدولي، لأن القائمين بهذه الحروب لا يدخلون في المقولات الكلاسيكية للصراع بين دول محددة هوياتها.

هناك بالمقابل موجة وحشية من العداء ضد الإسلام بحسب استيبان إيبارا رئيس مبادرة حركة ضد التعصب وفق ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية بعد تعرض مساجد في مدن غرناطة وفوينلابرادا ولوجرونو وإشبيلية للتدنيس، وفي إشبيلية جنوب اسبانيا شوه مخربون مسجدا عبر كتابة عبارات مثل أوقفوا الإسلام وعبارة أيها القتلة ستدفعون الثمن، كما تردد أن عشرة عناصر من جماعة يمينية قد هاجموا مسجدا في غرناطة بقنابل دخان، كما تزايدت بشكل ملحوظ الجرائم ضد الأفراد.

في المقابل الحرب على داعش في منطقة الشرق الأوسط بعد استعادة الموصل واستعادة مناطق واسعة في سوريا حطمت أحلام داعش وزوال الخلافة الذي له أثر كبير جدا داخل منظومة الأنصار والمتعاطفين التي تتجاوز الكوادر التنظيمية والمقاتلين على الجبهات.

يمثل شغل فرنسا الرتبة الأولى في العالم الغربي، يمثل ذلك موضوع نقاش مكثفا حول فشل نموذج المجتمع الذي أتاح وجود مثل هذه الظاهرة، لأن جغرافيا الإرهاب الفوضوي الجديد لا يعتمد في استقطابه للأفراد على القناعات الدينية، وإنما على العكس يستقطب الأفراد الذين يعانون من قلق الهوية داخل فضاء مجتمعات مغايرة في فرنسا وغيرها من الدول الأوربية التي لم تنجح الجهود الأوربية بالتنسيق مع جهود المراكز الإسلامية في تشجيع هذه الأجيال على الاندماج في المجتمعات الجديدة حتى لا تترك تلك الأجيال الشابة فريسة للجماعات الجهادية التي تتلاعب بخطاب قلق الهوية التي تعاني منه هذه الأجيال وإقناعها بالتحول إلى دوافع مقدسة.

قلق الهوية تعاني منه أيضا أعداد كبيرة فارة من جحيم داعش قررت العودة ولكنها مطاردة من الجميع، فأصبحت محملة بفجائع متعددة لأن من فر هو لا يؤمن بأيديولوجية داعش، لأن من يؤمن بأيديولوجية داعش بقي في أرض المعركة للمواجهة، لكن من لم يؤمن بتلك الأيديولوجية هو ممن تم تجنيده ليس نتيجة قناعات دينية، وإنما نتيجة تعاطف مع أيديولوجية داعش تم تضليله عبر صور يرسلها داعش عبر أدوات التواصل الاجتماعي، لكنه يعاني في الأصل من أزمة هوية.

لذلك المعالجة لن تتوقف عن المناصرين لقراءة أيديولوجية الجماعات المتطرفة على غرار تحليلات جيل كيبيل الذي يعتبر أن الأرضية السلفية تقدم الخلفية الثقافية للجماعات الجهادية، لكن أولفيه روي يدافع عن فكرة أسلمة النزعة التطرفية لأنه يعتبر أن هناك تمر من جيل إلى جيل ويعتبر أن هناك فرقا كاملة من الجماعات الإسلامية في فرنسا وفي الغرب عامة بل وفي كل العالم الإسلامي يرفضون شرعنة العنف، لكنه يرى أن ما يحدث متعلق بالكبت الذي يلاحظ وسط فئة لا يمكن تجاهلها وسط الشبيبة الإسلامية المعاصرة.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق