international order

لعبة أمم جديدة تنذر بمعادلة جديدة

عاشت إيران وحزب الله وقاسم سليماني زعيم فيلق القدس مرحلة ذهبية في عصر أوباما التي تركت فراغا أمريكيا حاولت العديد من الدول ملئ هذا الفراغ على رأسها روسيا التي تمتلك قوة ضاربة لتغيير المعادلة التي كانت تميل لصالح المعارضة المدعومة من تركيا والممولة من دول الخليج، إلى جانب روسيا قادت السعودية هي الأخرى عاصفة الحزم في اليمن بالتزامن مع قيادة التمسك بحصص سوق النفط الذي ساهم في انخفاض أسعار النفط إلى مستويات متدنية وصلت إلى 27 دولار للبرميل أثرت على اقتصاد روسيا بشكل خاص، بينما اعتمدت السعودية على فوائضها النفطية فرضت على روسيا التعاون الثنائي مع السعودية لقيادة خفض الإنتاج بعدما كانت ترفض التعاون مع دول أوبك.

كما فرض الواقع الجيوستراتيجي أن تتعاون روسيا مع تركيا التي لفظتها أوربا بإقامة تعاون اقتصادي وإقامة خطوط عبر تركيا لنقل الغاز الروسي إلى أوربا إلى جانب احتواء إيران التي كانت الأداة هي ومليشياتها على الأرض لتعديل الميزان لصالح النظام السوري بغطاء روسي، وهو ما جعل روسيا تفرض على إيران قبول الاتفاق الروسي التركي والتوقف عن ضرب المعارضة التي تم ترحيلها قسريا من حلب إلى إدلب وحضور الآستانة لوقف إطلاق النار، حيث  تدرك روسيا أن تلك مرحلة انتقالية في زمن الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تزامنت أيضا مع تسلم ترامب الرئاسة ولكنه لم يتم تعيين كادره الرئاسي.

الآن تريد أن تستعيد الولايات المتحدة الفراغ الذي تركه أوباما لصالح روسيا وإيران، لذلك الآستانة 2 لم تخرج ببيان يتم الاتفاق عليه حيث رفضت تركيا التوقيع عليه الذي أتى بعد جولة أردوغان إلى دول الخليج التي بدأها بالبحرين وهي رسالة مزدوجة لإيران بأن أمن البحرين من أمن تركيا والرسالة الأخرى للسعودية بأن تركيا حليف استراتيجي وليس تكتيكيا، ثم زار السعودية من أجل أن تتكفل دول الخليج بالإنفاق على المناطق الآمنة التي تريد تركيا إقامتها بعدما بدأت أميركا تستبعد دعم أكراد سوريا في تحرير الرقة.

 لذلك رفضت تركيا التوقيع على البيان حيث طالبت روسيا باعتبار المليشيات الشيعية في سوريا لا تقل درجة عن جبهة النصرة ويجب إخراجهما من سوريا الذي يعتبر مطلبا سعوديا، لكن روسيا لا تستطيع خسارة إيران، أي أن تركيا بدأت مرحلة الابتعاد قليلا عن روسيا خلافا للاتفاق الثنائي الذي وقع بينهما بعد معركة حلب.

 إدارة أوباما كانت تريد توريط روسيا في سوريا وأرادت روسيا باتفاق الآستانة الخروج من المستنقع السوري، لكن بعد مجيء ترامب غير من المعادلة التي تدركها تركيا وهي الآن تريد تحقيق مطالب السعودية التي تتوافق مع التغيرات الأميركية الجديدة، حيث ألقى الجعفري وإيران مسؤولية الفشل على الفصائل، رغم ذلك هناك وعود روسية للمعارضة السورية، حتى المعارضة اعتبرت موسكو تقفز فوق جنيف، أي أن الخلاف بين الرعاة الذي خيم على آستانة 2 أثر على مشاركة المعارضة بوفد صغير برئاسة القيادي في جيش الإسلام محمد علوش.

ويؤكد أردوغان بأن الهدف النهائي لدرع الفرات هو المنطقة الآمنة، حيث بدأت موسكو تشعر بالقلق من تقارب أنقرة مع الإدارة الأمريكية الجديدة وقد تقف أمام رغبة تركيا في تحقيق المنطقة الآمنة، لأن تركيا تعتبر وجود الوحدات الكردية في الرقة بعد تحريرها سيهدد أمن تركيا.

خصوصا وأن الإطاحة بفلين تعيد أجواء ووترجيت إلى أمريكا حيث كان العزل المفاجئ لفلين بعد 24 يوما من تولي المنصب الرئيس في البيت البيض، كثف التركيز على علاقات إدارة ترامب مع روسيا، وجعل من المستحيل إقناع المتشككين من أن كل شيء يجري على نحو سلس، داخل الجناح الغربي في البيت الأبيض، حيث حذرت البيت الأبيض قبل أسابيع من أن هذا يجعل فلين عرضة للابتزاز من قبل روسيا.

 اعتبر الروس أن خروج فلين لا يبشر بالخير، فيما يتعلق بالتحول الجذري في العلاقات الثنائية التي تأملها روسيا، حيث قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ كونستانتين حتى الاستعداد لإجراء حوار مع الروس ينظر إليه بأنه جريمة من قبل المتشددين في واشنطن.

 لذلك فإن علاقات ترامب مع روسيا هي موضوع تحقيقات منفصلة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي ولجنتي الاستخبارات في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وهي تسلط ضوء على غير مرحب به على علاقة ترامب مع روسيا، رغبة ترامب في إعادة تشكيل العلاقة مع موسكو تصطدم بحواجز ضخمة داخل إدارته ومراكز صناعة القرار الأمريكي.

 وجاء اجتماع بروكسل لوزراء الدفاع ضد داعش بحضور وزير الدفاع الأميركي الجديد جيمس ماتيس في 15/2/2017 الذي اتفق على تأسيس مركز الجنوب لتنسيق المعلومات عن الإرهاب وأشار الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ إلى الجهود المبذولة منذ سنوات لتعزيز قوة الأطلسي العسكرية لمواجهة التهديدات شرقا أي التمدد الروسي وجنوبا أي الإرهاب، وأشار بمشاركة دول عربية في التحالف بوفود رفيعة المستوى بصفة مراقب من السعودية والبحرين.

ترامب أمام خيار الحرب البرية في سوريا رغم نفي البنتاغون، يبدو هذا الخيار إذا كثفت روسيا ضرباتها الجوية في سوريا لكننا نجد أن تركيا والمعارضة قادرة على إدارة المعركة في سوريا حيث توصلت هيئة تحرير الشام إلى اتفاق مع جند الأقصى إلى الخروج من ريفي حماة وإدلب إلى الرقة بعد اشتباكات مكثفة.

السعودية لا تريد مواجهة مع إيران بل حاولت إرسال وزير خارجية الكويت إلى إيران التي التقطت إيران تلك الإشارة خصوصا وأنها لا تريد استثارة الإدارة الجديدة لذلك ردت إيران على تصريحات ترامب ونتنياهو بأن إيران لديها مساعي لحيازة أسلحة نووية فرد المتحدث بإسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي لا مكان للسلاح الذري في عقيدتنا العسكرية.

كما تخشى إيران من تسخين ملف الأحواز التي بدأت تنشط فيها حركات المقاومة من قطع أنابيب النفط واغتيال مسؤول إيراني رفيع وبدأت في القيام بمظاهرات تطالب باستعادة حقوقها، وهناك مطالبات شعبية في الشارع الإيراني برفع الإقامة الجبرية عن موسوي وكروبي، بجانب دعوة روحاني وخاتمي للمصالحة تثير جدلا في إيران، ويرفض خامنئي دعوات المصالحة ويعتبر دعوة روحاني باستبعاد أي حرب بأنها دعوة كاذبة.

لذلك أبدت طهران بعد زيارة روحاني لسلطنة عمان والكويت باستعدادها لبحث آليات تساهم في استقرار المنطقة حتى أن طهران دعت دول الخليج إلى تثمين فرصة زيارة روحاني، لكن إيران تدرك مطالب السعودية بكل وضوح وهي وقف التغول في المنطقة العربية ووقف دعم مليشيات حزب الله والحوثي وبقية المليشيات في المنقطة، ولن تقتنع بالتصريحات الإيرانية بأن التقارب مع عمان والكويت مؤشر على عودة العلاقات الإقليمية الودية، رغم أن الكويت اعتبرت الزيارة إيجابية وهي لغة دبلوماسية لا تقبل بها السعودية، بينما تريد إجراءات عملية وهي تستثمر الضغوط الواقعة على إيران الدولية وخاصة من قبل الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة.

خصوصا وأن إيران وحزب الله مرتبكين بعد تحريك الجبهة الجنوبية في سوريا وهي على غرار الجبهة الشمالية التي أصابت التفاهم الأردني الروسي ما أصاب التفاهم التركي الروسي في شمال سوريا، بعد مجيء الإدارة الأميركية الجديدة حيث بدأت المعارضة بعد تجميد تحركاتها في الجنوب نتيجة ضغوط دولية وسيطرتها على مناطق جديدة في حي المنشية في درعا حتى لا يتكرر سيناريو حلب وتتحاشى محاصرة النظام وحزب الله وهي تحقق تقدما ميدانيا رغم الضربات الجوية الروسية.

هي تقوم بمعركة استباقية للرد على ما يجري من تداوله عن توافقات إقليمية مع روسيا افضى بفتح معبر نصيب وهو المعبر الرئيسي على الحدود مع الأردن وإعادته إلى النظام وهي رسالة تفيد بأن الضغوط التي كانت تمارس على المعارضة تراجعت إلى حد كبير خصوصا وأنهم يعتبرون أن الروس ماضون في مراوغتهم في تثبيت وقف إطلاق النار، وستشهد الأيام القادمة اشتعال جبهات جديدة.

هناك ضغط على حزب الله الذي عزز من قواته في حي المنشية بمدينة درعا ودفع بمزيد من العناصر لمساندة قوات النظام، وهي مرحلة استعداد لإنشاء مناطق آمنة في الجنوب السوري لأن بادية الشام باتت مصدر التهديد الأول للأردن بعد انتكاسات داعش في مناطق الشمال السوري والرقة وشمال غربي العراق، حيث مصالح الأردن الأمنية تفرض تخطي الوسادة الأمنية واحتمالات الانخراط المباشر تتصاعد لمحاصرة داعش.

هناك ضغوط على حزب الله حيث اعتبر وزير الدولة لشؤون النازحين بأن أسرع طريقة لعودة السوريين هي خروج حزب الله من سوريا ليعود المهجرون إلى مناطقهم التي يسيطر عليها، فيما يطالب حزب الله الحكومة اللبنانية بالتنسيق مع دمشق لإعادة النازحين إلى مناطقهم بعدما باتت كساحات كبيرة في سوريا آمنة وهادئة كما يدعي كمخرج له من المأزق الذي يعيشه، بعد الضغوط الموجه من قبل الحريري الذي قال لا مساومة على السلاح غير الشرعي وتورط حزب الله في سوريا.

أي أن الضغوط على حزب الله خارجية وداخلية ودولية، خصوصا وأن حزب الله يخشى من الزيارة التي قام بها عون إلى الأردن وهما يطالبان بتثبيت وقف النار في سوريا واتفقا على أهمية تكثيف الجهود إقليميا ودوليا لمحاربة الإرهاب ضمن استراتيجية شاملة لكون خطره يستهدف أمن العالم واستقراره، وضرورة تنسيق وتوحيد المواقف حيال هذه الأزمة، وناقشا سبل تعزيز قدرات الجيش اللبناني.

ويواجه حزب الله ضغوطا ومواجهة دولية من قبل الولايات المتحدة خصوصا بعد التقرير الأخير الذي نشرته وزارة الخزانة الأمريكية يتهم فيها حزب الله بأن لديه شبكة علاقات دولية مع نائب الرئيس الفنزويلي طارق العيسمي الذي تتهمه واشنطن بدعم تجارة المخدرات ويمتلك كارتيلات تهريبيه عبر أمريكا اللاتينية والإرهاب الدولي وتمويل حزب الله اللبناني تحديدا بجانب الاتجار بالجوازات والتأشيرات لتسهيل حركة تنقل الإرهابيين عبر دول أمريكا اللاتينية ودول العالم وتأمين الحماية لتجار المخدرات ومساندة إرهاب حزب الله حيث نجح حزب الله بفعل شبكة علاقات في أمريكا اللاتينية في تتبع تبيض أموال ما يتراوح 600 و 700 مليون دولار بين عامي 2012 و 2016 في مصارف وبنوك في دول أمريكا اللاتينية.

التعقب يشمل المنابع وكذلك المصبات لأن هذه الأموال تبدأ من أمريكا اللاتينية وتنتهي في ضواحي بيروت التابعة لحزب الله، وهذه الاستراتيجية ليست سياسة ردعية وشكلية بل هي من باب إقامة الحجر والاستمرار في نهج اعتبار حزب الله منظمة إرهابية عالمية بل تعتبره من أخطر المنظمات الإرهابية في العالم، وهذه الاستراتيجية تربط مباشرة ما يقوم به حزب الله من التوسع الإيراني سواء من اختبار أسلحة جديدة أو العمل السياسي.

هذه السياسة الجديدة حيث هناك اقتراح قانون في مجلس الشيوخ الأمريكي وضع الطيران المدني الإيراني تحت العقوبات لأنه يستخدم لأغراض أخرى، وحتى وضع الجنرال قاسم سليماني الذي يخرق العقوبات بزيارته موسكو الأخيرة.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق