قمة نواكشوط

قمة نواكشوط: المعطيات والتطلعات والمخرجات

قدت القمة العربية متأخرة عن موعدها المتعارف عليه في مارس من كل عام، نتيجة جملة عوامل، دفعت المغرب للاعتذار عن استضافتها كونها الدولة صاحبة الدور في ذلك، لتنتقل لاحقاً إلى موريتانيا، ضمن جملة تطلعات وتحديات تواجهها هذه القمة، وهي ذاتها التي دفعت المغرب إلى الاعتذار عنها. ضمن ما يمكن وصفه بأسوأ المراحل التاريخية للدول العربية، وذلك منذ اندلاع الثورات في العالم العربي وما ترتب عليها من نتائج مدمرة. ولابد في البداية من تحديد المعطيات العربية التي أحاطت بهذه القمة حتى يمكن تحديد أسباب الإشكاليات التي واجهت انعقادها، وستواجه دور موريتانيا العربي طيلة عام رئاستها للقمة. وأبرز تلك المعطيات:

  • توسع الحروب الأهلية والحروب بالوكالة في عدة دول عربية (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق، الصومال). والتهديد عالي الخطورة بتفكيك عدة دول منها.
  • توسع التنظيمات الإرهابية وعملياتها في دول عربية عديدة، واعتمادها منطلقاً لعمليات إرهابية في كثير من أنحاء العالم.
  • توسع التدخلات الخارجية –وخصوصاً العسكرية- في دول المنطقة بشكل غير مسبوق، وتحديداً من قبل (الولايات المتحدة، روسيا، إيران، تركيا)، عدا عن الأدوار الأوروبية المعهودة.
  • فقدان عدد من الدول المركزية لأدوارها القيادية (العراق، سورية)، وتراجع مضطرد للدور المصري، ما ألقى بالعبء كاملاً على القوة المركزية المتبقية (السعودية) وحدها.
  • محدودية دور الجامعة العربية في حل إشكاليات العالم العربي، إذ بقيت كثير من مقرراتها قيد التعليق، ولعل القمة العربية الأبرز كانت عام 1990 إبان احتلال العراق للكويت، والتي شهدت نشاطاً عربياً غير مسبوق، لتعود الجامعة العربية إلى سابق عهدها، رغم حجم الطروحات التي قدمت من خلالها، وهو إخفاق يعود لطبيعة التباينات العربية-العربية من جهة، ولحاجة الجامعة إلى إصلاحات كبرى من جهة أخرى.

تم تحميل هذه المقدمات على كاهل القمة العربية الأخيرة، في حين تشهد موريتانيا معطيات أخرى، شكلت عامل ضغط على إدارتها للقمة، ومن أبرزها:

  • أنها القمة العربية الأولى التي تعقد في موريتانيا منذ إنشاء جامعة الدول العربية، وطالما انتظرتها موريتانيا، لتأكيد دورها في النظام الإقليمي العربي.
  • تبقى موريتانيا دولة طرفية في هذا النظام، ذات أثر وفعالية وقدرة محدودة، ومنه فإن تأثيرها في السياسات الإقليمية العربية يبقى في حدوده الدنيا، أو ضمن الإطار الدبلوماسي والتوسطي أكثر منه قدرة على إدارة هذه الأزمات، في وقت عجزت الدول المحورية عن إدارتها. عدا عن عدم امتلاك موريتانيا قدرة مالية تساعدها على إدارة هذه الملفات بفعالية كبرى، وحاجتها إلى الإسناد والتوافق العربي في ذلك، وهو غير متوفر في ظل ذات الظروف.
  • شهدت هذه القمة تمثيلاً رسمياً عربياً منخفضاً من كثير من الدول، عدا عن توجيه ما يمكن اعتباره مساساً بهيبة موريتانيا كدولة من قبل وزير الخارجية اللبناني. وهو ما أضاف إشكالية أخرى لناحية التعالي العربي عن الحضور إلى نواكشوط.
  • الانقسام العربي-العربي والمُعبَّر عنها بالمحور الخليجي وهو الأنشط في السياسات العربية حالياً، عدا عن دوره في عقد القمة، ومحور تابع لإيران أو محتل منها، ومحور يبقى بين الطرفين في سياساته. ما يتطلب من موريتانيا التوسط بين هذه المحاور للخروج بآليات مواجهة مشتركة، وهو مالا قدرة لموريتانيا عليه منفردة، عدا عن أن حجم الإشكاليات تجاوز الإدارة عبر المحاور، كما كان سائداً في الفترات السابقة لعام 2011.

جميع هذه المعطيات، شكلت عامل ضغط كبير على إدارة موريتانيا لهذه القمة، وبحثاً عن تطلعات لدور موريتنيا في حل الأزمات العربية، سميت القمة بـ “قمة الأمل”، في بحث عن حلول لإشكاليات مستعصية، غير أن تحميل موريتانيا كل تلك المعطيات والإشكاليات، في تجنٍ كبير عليها. في حين حرصت على خروج القمة بأقل حد من التوافق العربي، والذي تمثل في بيان ربما يكون الأضعف في تاريخ القمم العربي السابقة بأسرها، لناحية التوافق على جملة نقاط، أبرزها:

  • التصدي للتهديدات التي تواجه الدول العربية.
  • مركزية القضية الفلسطينية.
  • التصدي للإرهاب.
  • دعوة الليبيين إلى استكمال بناء الدولة.
  • دعوة السوريين إلى الوصول إلى حل سياسي يحافظ على وحدة سورية.
  • دعم العراق في مواجهة الإرهاب.
  • دعم المصالحة في الصومال.
  • دعم شرعية الرئيس عبد ربه منصور، ودعم المفاوضات في اليمن.
  • رفض التدخلات الخارجية، وخصوصاً الإيرانية.
  • صيانة الثقافة واللغة العربية.
  • رعاية العلماء العرب والعمالة العربية.
  • تطوير منظومة العمل العربي المشترك.
  • دعم جهود الإغاثة.
  • الدعوة إلى انضمام إسرائيل إلى معاهدة الانتشار النووي.
  • العمل مع المنظمات والتكتلات الإقليمية والدولية.

غالبية هذه النقاط تم طرحها لسنوات سابقة، دون الوصول إلى حلول لغالبيتها، عدا عن أن مقاربة القمة للإشكاليات العربية ظلت في إطار الخطاب السياسي، مع عدم وضع أطر عمل واضحة قادرة على حلها، نتيجة الخلاف الحاد بين المحاور، وتحديداً بين المحور الخليجي والمحور التابع لإيران، ما يجعل إدارة موريتانيا لهذه الملفات أمراً مستعصياً، كما حصل مع دول أخرى.

ولابد من التنويه إلى أن هذه الإشكاليات لا تمس بأي شكل من الأشكال بمكانة موريتانيا وعمقها العربي، بقدر ما أتت تلك القمة في ظرف استثنائي لا قدرة لها به، وحرصها على الحد الأدنى من العمل العربي المشترك، وعلى أداء الدور والواجب المناط بها. عدا عن أن الوقت الممنوح لها للتحضير لهذه القمة، كان محدوداً جداً بالأساس، وأتى نتيجة اعتذار المغرب، في حين أن التحضير للقمم السابقة كان يتم قبل عام من تاريخها، من قبل الدول المضيفة. وهو عامل ضغط آخر يمكن إضافته لكل ما سبق.

ومما يسجل لموريتانيا في هذه القمة، أنها استطاعت جمع العرب ووضعهم أمام مستحقات الأزمات الكبرى، ويبقى نجاح وفشل مخرجات القمة مرهوناً بكامل دول النظام الإقليمي العربي.

 

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق