قمة البحر الميت

قمة عمان: قمة تصالحية استعادت قرار الثقل العربي والنفوذ

تأسست الجامعة العربية عام 1945 برغبة بريطانية تحت رعاية انتوني أيدن وزير خارجية بريطانيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية والحرب العالمية الثانية بعدما تحطمت الآمال العربية على صخرة الخيار البريطاني الذي تم بموجبه تقسيم العالم العربي إلى كيانات هزيلة وفق اتفاقية سايكس بيكو، بينما يطالب العرب اليوم الحفاظ على هذه الكيانات الهزيلة والتي سميت فيما بعد بالدولة الوطنية لأن البدائل ستكون التفتيت إلى طوائف.

تفتقر آليات الجامعة العربية في حل النزاعات العربية، وإن وجدت فهي تفتقر إلى آليات تنفيذ قراراتها التي تتوصل إليها، حيث أن الميثاق الذي وضع عام 1945 لا يرقى إلى تلبية آمال الأمة العربية وتحقيق طموحاتها، رغم ذلك تدخلت الجامعة العربية في حدود صلاحياتها في حل عدد من النزاعات العربية بين سوريا ولبنان عام 1948، والنزاع المصري السوداني عام 1958، والنزاع العراقي الكويتي عام 1961، والحرب بين المغرب والجزائر عام 1963، وأزمة الحدود بين اليمنين عام 1972، لكن حرب الخليج الثانية 1991 وضعت الجامعة العربية أمام اختبار أصيب العمل العربي المشترك بضربة قاصمة.

لم يتبق من الجامعة العربية سوى أطلال ذكريات التضامن التي رسمت أسمى صورها في حرب أكتوبر 1973، لذلك تظل الجامعة الإطار الشرعي، مع النظر في ميثاق الجامعة الذي أصابه الشيخوخة، والذي سمح لأحداث سياسية في إفراغ الجامعة العربية من مضمونها لا سيما في حرب الخليج الثانية وتداعيات أحداث 11 سبتمبر، ولم تتمكن من تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، بينما استطاعت الدول الأوربية تحقيق معادلة التماسك بين أقطاب متضادة، بما لديه العالم العربي من مقومات الوحدة لم يتمكن من تحقيق طموحات شعوبه، بسبب أن الجامعة العربية ليس لديها جهاز إعلامي، وليس لديها صحيفة من أجل إجماع فكري وشرح القضايا العربية والحصول على مساندة الرأي العام العربي، بسبب أنها لا تعمل للجماهير العربية بل هي جامعة حكومات، لذلك يجب التعاون مع المؤسسات غير الحكومية ومع مراكز الأبحاث التي تضغط على حكوماتها بجانب تفعيل الحد الأدنى من الإجماع العربي الذي أقرته.

أي أن الجامعة العربية بحاجة إلى صياغة استراتيجية قومية مشتركة جديدة واضحة المعالم تستند إلى خطط علمية مدروسة بأخذ إعادة بناء النفس وفق رؤية شاملة، حيث أن الجامعة بوضعها الحالي مقيدة بإرادات متفرقة.

إن انعقاد عمل الجامعة العربية لا يمكن أن يكون مدعاة للحديث عن تفكك أطر العمل العربي المشترك في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم الكبيرة والصغيرة نحو التكتل والدخول في تجمعات إقليمية يعضد من قوتها ويزيد من فاعليتها على الساحة الدولية حيث لا يزال التبادل التجاري العربي عند 8 في المائة من حجم التجارة الدولية فيما أن التكامل العربي هو أول صور الوحدة والتضامن.

الجميع يدرك ويعرف أن قيادة الجامعة العربية منذ هزيمة عام 1967 كانت تقاد وتدار بقيادات رمزية وكثيرا ما كانت توحدها الأزمة الفلسطينية إلا أن العالم العربي كان منقسما أيديولوجيا وفكريا موزعا بين الأجنحة المتصارعة في ذلك الوقت أي أن الجامعة العربية لم توحدها استراتيجية موحدة وإنما وحدتها رموز وشخصيات مثل الملك فيصل بن عبد العزيز وجمال عبد الناصر والقضية الفلسطينية حتى مجيء اتفاقية كامب ديفيد التي زادت من فرقة العرب وإضعاف جهود الجامعة العربية.

وفي رئاسة حسني مبارك كانت الجامعة العربية عبارة عن كيان شكلي غير قابل لتحقيق قوة عربية أو حل قضايا عربية مستجدة خصوصا بعدما مكنت أمريكا إيران بعد احتلالها للعراق أن تتمدد في الجسم العربي المشرقي والتمدد نحو المغرب العربي لتفتيته وأقامت إيران تحالفا استراتيجيا مع سوريا وكونت لها أذرع داخل المنطقة العربية تحت ستار المقاومة، ولم تستطع الجامعة العربية من مقاومة هذا التمدد.

 بينما واجهت السعودية بمفردها التحذير من هذا التمدد وواجهت في حينه معارضات من دول عربية عدة منها دول خليجية وسكوت دول أخرى ووقوفها على الحياد حتى جاء تحذير ملك الأردن الملك عبد الله الثاني من هلال شيعي، وبدأت مصر تدرك مدى خطورة هذا الهلال الشيعي على أراضيها ووحدتها خصوصا بعدما تمكنت إيران من اختراق حماس المجاورة لها في غزة بل واستطاعت إيران من اختراق بعض جماعات الإخوان في مصر عندها أدركت الدول الخليجية والعربية الأخرى صحة تحذير السعودية المبكر لمثل هذا الخطر المحدق بالبلاد العربية تحت ستار المقاومة والتقريب بين المذاهب ووحدة الأمة الإسلامية لكن الأجندة الحقيقية  هي أجندة قومية وليست إسلامية.

قمة عربية تثير قضايا كبرى مع آمال محدودة بحصول اختراقات، تتصدرها ملفات ساخنة كالنزعات في سوريا والعراق وليبيا واليمن والتصدي للإرهاب والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وعلى الرغم من التحديات التي تمثلها هذه الملفات، لا يتوقع صدور قرارات استثنائية عن القادة المنقسمين حول العديد من القضايا، يمكن أن تعقد القمة في مناخات شبه تصالحية لكن من غير المتوقع أن يكون هناك أي اختراق، ولا يكفي أن يؤكد القادة التزامهم الكامل بالوقوف إلى جانب تطلعات الشعب السوري في الحرية والعدالة والمساواة وحقه الثابت في اختيار نظام الحكم الذي يحقق آماله ويلبي طموحاته في إرساء الأمن والسلم في مختلف أرجاء سوريا، رغم أن أبو الغيط أمين الجامعة العربية شدد أنه لا يصح أن يبقى النظام العربي بعيدا عن الأزمة السورية تديرها الأطراف الدولية والإقليمية كيفما شاءوا ويتحكمون بخيوطها وفق مصالحهم لكنه لم يقدم بديل يقره القادة.

والغريب أن غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة يطالب العرب بالتوحد لمواجهة الإرهاب وأزمات المنطقة، مضيفا كلما كانت هذه الدول متفرقة سمحت للآخرين بالتدخل والتلاعب بالأوضاع وخلق عدم الاستقرار وتغذية النزاعات وسهلت حياة المنظمات الإرهابية.

حيث من النادر أن يجمع العرب على قضاياهم مثلما يجمعون على القضية الفلسطينية وهي من المواضيع النادرة التي يجمعون عليها، وحتى مشروع قرار يدين تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول العربية كثيرا ما يواجه بعض الاعتراضات.

والغريب أن خيارات العرب أصبحت تقبل بوجود روسي وأمريكي فقط من أجل إنهاء الهيمنة الإيرانية، ويبدو أن العراق اليوم ستكون خياراته الوحيدة في إنهاء الهيمنة الإيرانية التي أنشأت مليشيات تابعة لها في العراق التي تعتبرها ركيزة أساسية لمشروعها لا يمكن التفريط بها بأي حال من الأحوال لأنها ترى أنها الوحيدة من خلالها تستحوذ على العراق خصوصا وأن إيران ترى في تلك المليشيات الدرع الذي يمكن أن يتلقى الضربات نيابة عنها ويتصدى لتهديدات مستقبلية قد تطالها من دول المنطقة أو من المجتمع الدولي مثلما تتلقى مليشيات الحوثي في اليمن ضرباته من التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن، وليس كل قادة الحشد الشعبي يدين لإيران قد يدين لها مصلحيا لكن لا يدين لها قوميا لذلك خياراته لإنهاء الهيمنة الإيرانية بقبول وجود قواعد أمريكية.

يبدو أن إدارة ترامب عازمة وبقوة على الوقوف بوجه الطموح الإيراني في المنطقة وإضعاف سيطرتها خاصة على العراق لذلك هي تنسق مع حلفائها في المنطقة ما يجعل الجامعة العربية تتبنى مشروع قرار وقف التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية وهو يدعم استكمال مسيرة عاصفة الحزم التي بدأتها السعودية وعودة التلاحم العربي مع العراق وتقوية الحكومة العراقية وعلى رأسها العبادي تمثل ذلك في حفاوة استقباله الذي حظي به في واشنطن رغم أنه لا يمكن تجاوز الخطوط الحمراء في التعامل مع إيران وما يؤكد توجهات التحالف الوطني هذه الهجمة القوية التي يتعرض لها العبادي بعد عودته من زيارة واشنطن وعلى يد ساسة وبرلمانيين ينتمون لأحزاب تنضوي تحت مسمى التحالف الوطني.

لذلك دعمت بريطانيا إنشاء الجامعة العربية لوقف التمدد التركي في المنطقة العربية واليوم أمريكا تدعم الجامعة العربية لوقف التمدد الإيراني فيما تبقى إسرائيل أزمة عربية.

واختتمت القمة في 29/3/2017 ببيان ختامي لم يختلف عن القمم السابقة بتمسك العرب بحل الدولتين لكنهم أجمعوا على وقف التدخلات الإيرانية وحق الإمارات في السيادة على جزرها ودعم التحالف العربي تزامن مع البيان الختامي انتهاء التردد الأمريكي حول اعتبار الأسد عقبة أمام إنهاء الصراع في سوريا، وعلى هامش انعقاد القمة استعادت العلاقات السعودية المصرية زخمها بعد فتور وهما يمثلان قرار الثقل العربي والنفوذ وما أنتجته القمة خطاب جديد إلى أمريكا.

أي يمكن تسمية القمة بقمة تصالحية لاستعادة قرار الثقل العربي والنفوذ رعته دولة الحكمة الأردن يدعم مواصلة المشروع الخليجي بقيادة السعودية في مواجهة مشروع ولاية الفقيه الذي يقوده الحرس الثوري.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق