د. جعفر الهاشمي

قطر والفخ الإيراني

دون الخوض في أسباب مقاطعة الأشقاء، تتمتع قطر بحقّها السيادي لقيام ائتلافات مع من ترغب، شريطة ألا يتعارض ذلك مع التزاماتها الدولية من بينها اتفاقات مجلس التعاون الخليجي وجامعة   الدول العربية، وألا يتم ذلك على حساب الأمن القومي الخليجي والعربي. ومن   بين   هذه   الائتلافات، الائتلاف مع تركيا حليفها الاستراتيجي والذي جاء نتيجة رغبة الجانبين، وائتلافٌ تسعى له إيران لاستغلال   الأزمة وصب النار على الزيت بغية اختطاف الدوحة وجعلها العاصمة الخامسة للعواصم العربية المحتلة من قبل نظام ولاية الفقيه، والسؤال المطروح: هل يدرك القطريون خطورة التقارب مع إيران؟ وماهي   الأسباب التي تجعل إيران غير صالحة أن تكون شريكا مفيداً وموثوقاً للقطرين؟

أولاً: إيران توظف جميع علاقاتها الدولية بما فيها الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والانسانية لصالح مشروعها التوسعي، وقد نص على ذلك دستورها في مقدمته حينما حصر شرعية علاقاته القانونية بالشعوب التي يصفها بالمستضعفة دون إقرار شرعية الأنظمة الحاكمة، وكلّف قواته المسلّحة بنصرة المستضعفين عسكرياً أينما كانوا في العالم.

أما على صعيد خطابها وسلوكها السياسي، فلقد أصبحت مصداقاً بارزاً للآية الكريمة: “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”. فما وضعت قدمها في بلد إلا فتكت بمجتمعه ونظامه، مهما كان محصّناً بالخرسانات الأمنية والاجتماعية والمذهبية، والعراق ولبنان واليمن وسوريا والسودان والمغرب العربي والنيجر، ما هي إلا أمثلة بسيطة على ذلك، وما خفي أوسع وأخطر بكثير، وتعتبر قطر اللقمة السائغة التي أسالت لعاب إيران وفتحت شهيتها على أشدها بما فيها من مغريات كبيرة لم ولن تحلم بها يوما إيران، سيما وأنها ستفتح لها ثغرة أخرى للولوج بالجسم الخليجي المخترق أساساً من قبلها.

ثانياً: تشعر إيران بأن قطر استغلت ضعفها نتيجة العقوبات، فتمادت في غصب حقوقها حينما جنت أكثر من 400 مليار دولار من أكبر حقل للغاز مشترك بينهما طيلة العقود الماضية، مقابل 70 مليارا جنته إيران فقط رغم امتلاكها 40% من مساحته. من هنا فإن إيران تنظر لقطر على أنها مغتصبة ويتوجب عليها رد ما اغتصبته فوراً، ولم ولن تفرّط بأدنى فرصة للاقتصاص منها. وتجربة استيلاء إيران على طائرات العراق بعد إيداعها عندها في التسعينيات ونهبها المستمر لثروات العراق ومن بينها استيلاؤها على حقل الفكة العراقية تحت ذريعة استرداد حقوقها من العراق، ما هي إلا نماذج يسيرة من سلوكها الغادر.

ثالثاً: تعتبر قطر أول دولة مصدِّرة للغاز السائل وثاني دولة مصدّرة للغاز لأوروبا بعد روسيا، وقد سعت جاهدة للاستيلاء على سوق الغاز العالمية عبر انخراطها في مشروع مّد أنبوب “نبوكد” والذي كان من المقرر أن يمر عبر سوريا بعد الإطاحة ببشار الأسد مروراً بتركيا إلى أوروبا، إلا أنه تم إجهاضه من قبل روسيا والتي لا يمكن أن تسمح لأي دولة من الدنو من امبراطوريتها الغازيّة في أسواق أوروبا مهما كلّف الثمن، وبما أن روسيا تشكل الحمى العسكري والشريك الاستراتيجي لإيران، فهل ستفرط الأخيرة بروسيا من أجل قطر؟

رابعاً: تُصنًّف إيران كدولة منتجة وراعية للإرهاب الدولي، وهي مرشحة لمزيد من العقوبات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ودول الائتلاف الإسلامي العربي، ليس بسبب صواريخها البالستية ومشروعها النووي فحسب، بل لعبثها في المنطقة ودعمها للجماعات المصنفة دوليا بأنها إرهابية، لذلك فأي تقرّب قطري من إيران، سيقلل من حظوظها في درء شبهة دعمها للإرهاب، وسيعزز انتساب هذه التهمة لها، ويجعلها ضمن محور قد لا ترغب أن تكون جزءاً منه، مما سيفتح شهية المتربصين بها للاستيلاء على مئات المليارات من أموالها في العالم دون أن تستطيع إيران نجدتها.

خامساً: كانت قطر أول الداعمين للشعب والجماعات السورية المناهضة لنظام الأسد، والتي أُجهض مشروعها بالتدخل السياسي والعسكري الإيراني، فكيف ستستطيع إقناع الشعب السوري وتلك الجماعات بالتخلي عما اقترفته إيران من جرائم ودمار بحق هذا البلد العريق والشعب المنكوب؟ وكيف سيكون موقف ورَدّة فعل الجماعات المتشددة من قطر حينما تصطف مع إيران؟ هل تستطيع ضمان ردود فعلها؟ أم أن موقفها من إيران سيحوّلها إلى مسرح للعمليات الانتحارية للانتقام منها؟

سادساً: رغم القواسم المشتركة فكريا وأيديولوجيا بين نظام ولاية الفقيه وبين مشروع الإخوان المسلمين، إلا أن العلاقة بينهما هي علاقات منفعية هشة لم ترقَ لاستراتيجية عميقة بعد مرور ما يقارب أربعة عقود على هذا النظام، ولا يمكن غضّ الطرف عن كل من مواقف الرئيس مرسي تجاه إيران، وأيضا مواقف حماس منها حينما وقفت بجانب النظام السوري، ومن هنا فالتقارب القطري-الإيراني سيولد شرخا بين صفوف الإخوان المسلمين الذين يعرفون حقيقة مشروع نظام ولاية الفقيه الطائفي والمتناقض جوهريا مع الإسلام السني، مما سيجعل القطريين يخسرون شريحة كبيرة من الإخوان والذي تدفع قطر ثمناً باهظاً من أجل الدفاع عنهم وقد يؤدي ذلك لانقلاب موقفهم عليها.

سابعاً: العبث الإيراني في المجتمعات والدول العربية أنتج وعياً بين هذه المجتمعات، لدرجة جعلها تنظر إليه بعين العدو الأول، وخلق حساسية كبيرة تجاهه تضاهي الحساسية تجاه إسرائيل، إن لم تكن أشد منها، من هنا، فإن توجه قطر تجاه إيران مهما كانت الحجج والذرائع، سيعتبر خطيئة كبيرة لا يمكن للشعوب والحكومات العربية خاصة الأشقاء في الخليج غفرانها، ناهيك عن أنه سيدفع بالخلاف لمزيد من التأزم والتصعيد وهذا ليس بمصلحة الجميع.

وملخص القول، إنه ينبغي على الساسة القطريين ألا يفقدوا تماسكهم نتيجة قساوة إجراءات أشقائهم عليهم وألا ينخدعوا بتلون الحية الرقطاء الإيرانية فتغريهم بجرهم لمنزلقها دون عودة، سيما وأنهم في غنى عن إيران بما لديهم من قاعدة العديد وحلف عسكري مع حليفهم الاستراتيجي التركي واللذان سيكفيانها لحماية نفسها ما إن تعرضت لهجوم عسكري احتمالي يتبدد رويداً رويداً بعد طمأنت الأشقاء بأنهم لا يسعيان للمساس بسيادة قطر وأمنها ولا لتغيير نظامها.

وختاماً، أستذكر في هذا الموضع، ما قاله الشاعر الكبير، محمد مهدي الجواهري، رحمه الله:

حذارِ بني الخليج فثمّ وحشٌ                حديد الناب مفترسٌ حقود

خبيث الكيل في شركٍ خفيٍّ                 يصيد عوالماً فيما يصيد

د. جعفر الهاشمي

باحث في الشؤون شرق الأوسطية

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق