الاستعصاء

في استعصاء المسألة السورية: ثورات أم حروب دينية؟

ما تزال عديد من المقاربات تضع المسألة السورية في إطار ثوري كانت قد ابتدأته قبل أكثر من ثلاثة أعوام ونصف، في محاولة لإيجاد مخارج ثورية لما استعصى من مآلات ومقترحات وآليات، لم تجد لها سبيلاً للتطبيق الفعلي، عدا عن دورها في رفع مستوى التأزيم في العلائق الداخلية للمسألة السورية.

فالحراك السوري، كسائر الحراكات العربية، قد تجاوز المرحلة الثورية “الربيعية” التي سادت عامي 2011-2012، بفعل كمّ من المتغيرات الداخلية الخاصة بالثورة ذاتها، والمتغيرات الإقليمية والدولية كذلك، وهو ما يُنحِي الصفة الثورية عنها لصالح اشتباك إقليمي-دولي، يعيد ترتيب السياسات العالمية في المنطقة، كمدخل لإعادة ترتيب النظام الدولي بأسره، وذلك بالاستناد إلى منهج الحروب، باعتباره المنهج الأكثر نفوذاً في عمليات تغيير التاريخ البشري.

فعلى المستوى الدولي، أسهمت كل من روسيا والولايات المتحدة في خلق بيئة مناسبة لإعادة تعريف المنطقة العربية، عبر المدخل السوري، وانخرطت كل منها في عملية ضخّ المقومات اللازمة لاستمرارية حالة الاشتباك وتوسيعه، سواء بإسناد أطراف معينة في الحرب الدائرة، أو من خلال مشاركة مباشرة كما حصل مؤخراً عقب انضمام حلف الولايات المتحدة للحرب على تنظيم داعش، إلى داخل المعادلات المشرقية.

ولجعل المسار الناشئ دولياً في سورية، مساراً ممنهجاً في البيئة المحيطة كافة، تمّ إشغال تلك البيئة بذات المعطيات، وإن بدرجات متفاوتة، تبرز شدتها القصوى في سورية والعراق، وتقاربها في ذلك عبر شدة عالية كل من ليبيا وثم اليمن حديثاً، فيما تشهد مصر حالة إشغال منخفضة ومرشحة للتصعيد عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي.

إنّ المنهجة الدولية للعنف والاقتتال ضمن البيئة العربية، أتاحت إحداث سيولة في الحالة الثورية، واستقطابات تعمل على تفتيت مكوناتها الرئيسة، وإن كانت تحتفظ بالحالة المبدئية القيمية التي أشعلتها ضمن إطار بات هشاً. بل لم يعد للفكر الثوري ذات الحواضن الشعبية التي انطلقت في محاولة تأصيله، إذ تمّ اختراق كثير منها هوياتياً وإعادة إنتاجه مصلحياً. وهو ما أفسح المجال أمام القوى الدولية لتكون متحكماً رئيساً، أو حتى المتحكم الرئيس، في معظم المسارات الناشئة عقب الفعل الثوري الأولي، عبر إعادة ضبط خيوط اللعبة بيد تلك القوى، بعد استيعاب الاندفاعة الثورية، ومن ثم إعادة توجيهها.

هذه المنهجة الدولية، دفعت القوى الإقليمية بدورها، إلى الانخراط في المسارات التي ضبطتها القوى الدولية، وخاصة إيران وتركيا، عبر استغلال الدفع الهوياتي الحاصل لدى الحواضن الثورية، والاشتغال على توظيفه مصلحياً عبر توسيع الاختراقات الإقليمية وتعزيز مناطق النفوذ الخاصة بكل طرف، والاشتغال عليه عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، في عملية تمظهرت بالنتيجة على أنّها صراع سني-شيعي، تتصدره تركيا ودول الخليج العربي من جهة وإيران وتابعها العراق من جهة ثانية.

هنا بالتحديد، فقدت الثورة معظم زخمها، عبر تحويلها إلى حرب دينية على غرار الحروب الدينية في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وإن كانت العملية الثورية الأولية نشدت دولة مدنية ديمقراطية لكافة مواطنيها، إلا أنّ الاشتغال الإقليمي قد أجبرها بالمحصلة على الخروج بتلك الصيغة المتطرفة، من خلال إسناد نظام الأسد بداية من قبل إيران، وإظهار هذا الإسناد –وبشكل متعمد- على أنّه إسناد هوياتي مذهبي، قبل أن ينساق الآخرون إلى ذات النهج، وهو ما أنتج بالمحصلة مجموعات مقاتلة تعتقد بصوابية الحرب الدينية التي تخوضها، وأنّها إمّا مجبرة عليها للحفاظ على الذات كما صُوِّر لها (أقلوياً، وبالتحديد علوياً)، أو أنّها الموكلة –ثيوقراطياً- بالتمهيد لإعادة تبيئة حدث الاستخلاف الديني سنياً أو شيعياً.

الفارق الأكبر، كان تصدر تنظيم داعش واجهة الأحداث منذ عام 2014 تحديداً، حيث أكد على المنحى السابق أولاً، وعمل على خلط كافة الأوراق بين القوى الثورية وميليشيات النظامين السوري والعراقي، والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المسألة السورية.

استطاع تنظيم داعش أولاً اختراق المعارضة الثورية السورية وثوار عشائر العراق، عبر استقطاب هويايتي ديني، أو من خلال تصفيات جسدية لقيادات بعينها. وهو ما انعكس كذلك على الحاضن الشعبي في كلا النموذجين، وخاصة مع حالة استيراد كبيرة لمقاتلين عرب وأجانب، استهوتهم الخرافة التي أنشأها التنظيم، والتي تحيل إلى ذات الخرافة الصهيونية التي تأسست عليها إسرائيل، والتي سبق للميليشيات الشيعية أن وظفتها. والخلط بدأ حين استهدف تنظيم داعش القوى الثورية عوضاً عن استهداف ميليشيات النظامين العراقي والسوري، ما جعل الحالة الثورية مستهدفة أكثر من ذي قبل، وأسهم في إجهاض كثير من إنجازاتها العسكرية والإدارية، بل وحتى السياسية، وبالتالي في مفهومها كثورة.

إظهار داعش بتلك الصيغة، والتغاضي عن تمددها لقرابة عام، أوضح بشكل جلي حجم الاشتغال الدولي على دعم المسار الفوضى في المشرق العربي، وضبطه بأدوات عنفية، تسمح بتصفية الجميع، في حرب الجميع. وخاصة بعد هجوم داعش على الأطراف الكردية في العراق وسورية، وإظهاره دولياً كمتغير مستقل متحكم في المتغيرات الأخرى، دون أن يكون كذلك فعلاً.

وإن كان لحدث أن يحتل هذا الصفة (متغير مستقل ضمن الحدث الثوري)، فمن الأجدر أن يكون حدث قصف غوطتي دمشق بالسلاح الكيماوي من قبل ميليشيات الأسد صيف 2013. كما أنّ المجازر التي أحدثها تنظيم داعش بحق الأكراد، لا ترقى إلى ذات الفعل الذي أحدثته مجازر الأسد طيلة أعوام الثورة. لكن كان لابد من تصعيد هوياتي آخر في المنطقة، عبر التركيز على البعد العرقي/القومي الكردي-العربي في المسألة المشرقية، ما يتيح لكافة القوى الخارجية والداخلية اشتغالاً عسكرياً أكبر.

فتشكيل أوباما لحلف دولي لمحاربة تنظيم داعش، بعد رفضه اتخاذ أي إجراء تجاه الحدث الكيماوي، هو مقدمة أخرى، لتفتيت المنطقة جغرافياً على أسس هوياتية، سيستمر تضييقها باتجاه هويات أصغر فأصغر، حتى ضمن الهوية الواحدة، بل ومقدمة لحرب دولية تمتد لسنوات، وتمهد لاحتلال مباشر قادم لا محالة.

فإسقاط داعش، إن كان هو الهدف الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية، لا يحتاج إلى ذات التجييش الدولي الحاصل، وفق موازنة تستنزف الدول الممولة للحرب. فالمطلوب، إشراك الجميع، وإن لم يكن عسكرياً، فعلى الأقل على شكل استنزاف مالي، يسلب هذه الدول ما تبقى لها من مقومات الاستقرار الذي ما تزال تتمتع به.

وربما ما تزال الحرب الدولية الناشئة في المشرق العربي في بدايتها، وقد تستغرق عقداً كاملاً من تاريخ المنطقة، قبل أن يسمح بإيقافها. فما تزال أمام الولايات المتحدة أجندات عدة، تجاوز مسألة داعش والأسد، إلى استحداث كيان سياسي-عسكري قادر على أن يكون وكيلاً للمصالح الغربية في المنطقة، عقب الاشتغال على تأهليه سواء داخل الولايات المتحدة أو في دول المنطقة، بعد فقدان الكيانات السابقة –ومنها نظام الأسد- كل الأدوار المناطة بها خارجياً نتيجة الفعل الثوري، وهو ما يحتاج إلى سنوات من العمل لإتمامه.

كما أنّ الصراع بين داعش والولايات المتحدة، لا يمكن أن يحسم بالمحصلة عبر القصف الجوي، فعملية تصادم بري في المنطقة ما بين العراق سورية، تبدو ضرورية في مرحلة متقدمة من هذه الحرب، بل حتى إنّ الإنهاكات التي ستلحق بالتنظيم ستدفعه إلى عمليات اقتتال داخلي بين قواه، وتحديداً بعد أن يُمنى بجملة خسائر استراتيجية بالنسبة للتنظيم، على المستوى القيادي والجغرافي.

ولن تُنتِج سلسلة الحروب تلك، ذات الجغرافية التي عهدتها المنطقة طيلة قرن من الزمان، ولن يعود بالإمكان الحديث عن دولة سورية أو عراقية بكيانها المعهود، بل حتى إنّ الخارطة الإقليمية بأسرها سيُعاد إنتاجها هوياتياً، وبالأصح دينياً. بل وربما سيُشكل العامل الديني محدّداً قيمياً رئيساً في سلوك السياسة الدولية بأسرها في المنظور المتوسط، في عملية انقلاب قيمي عالمي شامل.

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق