حلب

فوضى استراتيجية بدلاً من التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب

بعد انهيار جدار برلين عام 1989 تسلمت الولايات المتحدة زمام العالم وأصبحت توصف بالأحادية الأمريكية، لكن تعثرت الولايات المتحدة في الحفاظ على هذه الزعامة التي أعقبت زلزال 2001، والتي انتهت باحتلال أفغانستان والعراق، لكن كانت تكاليفها باهظة على الولايات المتحدة، ولم تحقق عوائد هذين الاحتلالين، اعتبرها البعض مقدمة للأزمة المالية عام 2008، أدركت الولايات المتحدة أنها غير قادرة على الاحتفاظ بالأحادية الأمريكية وفضلت أن يتجه العالم نحو فوضى استراتيجية بدلا من التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب.

بعد تصدع العولمة التي بشرت بها الولايات المتحدة ولم تتمكن من التراجع عنها التي أصبحت عالمية استثمرتها دول صاعدة خصوصا الصين والهند التي في طريقها لاحتلال موقعا على الخارطة التكنولوجية العالمية قد يكو نعلى المدى المتوسط والبعيد.

 وهناك تخوف أن تعود الولايات المتحدة في عهد ترامب نحو الحمائية والعزلة لكنها لا تتوافق مع حرص ترامب على استعادة عظمة أمريكا والتي تختلف كلية عن استعادة الأحادية الأمريكية التي انتهت بلا رجعة.

ما يحدث في العالم هو تغيرات عميقة بسبب أن الولايات المتحدة لا تعترف بأن العالم يتجه نحو عالم متعدد الأقطاب، وهي ترفض حتى الآن تحقق مثل هذا التحول، لذلك هي تستبدله بعالم متحول في خضم الاهتزازات التي يمر بها الشرق الأوسط، وبالسماح لصعود الهويات التي هي نتيجة طبيعية لهذا الصراع، سمحت لإيران أن تقود مثل تلك التغيرات واستثمار تلك الاهتزازات من خلال إحياء الصراع الطائفي والقومي.

 تدشن إيران لمرحلة صعود القوميات والهويات، كشرعنة العراق ميليشيات الحشد مع حقها في الاحتفاظ بهويتها، وهي إحدى ثمرات صناعة داعش من قبل الاستخبارات، حيث هاجم ثامر السبهان وزير شؤون الخليج بالخارجية السعودية المالكي، مؤكدا أنه سبب الدمار الذي حل بالعراق، ومتهما إياه بتسليم البلد لتنظيم الدولة الإسلامية وتكريس الطائفية.

 وخلال مقابلة مع قناة ( أم بي سي ) اتهم السبهان المالكي بأنه دمر الشيعة ودمر السنة وحارب الأكراد، وقال للأسف أنه بين يوم وليلة وجدنا عربات بسيطة من داعش تهاجم العراق وتحتل 70 من أراضيه، وهناك علامة استفهام حول الانسحاب الذي تم للجيش وبأمر من؟ ومن مكن الدواعش من محاربتنا في السعودية وبقية الدول العربية؟، وأشار الوزير السبهان بقوله هناك دولة عميقة في العراق تتبع نوري المالكي ومن ورائه إيران تساهم في محاربة الحكومة العراقية الحالية واحتماليات التقارب العربي معها.

 وأصبحت هناك غالبية طائفية بدلا من غالبية سياسية وتعزيز مشروع عابر للطائفية الذي ينقل مدنية العراق هذا البلد العظيم إلى بلد فاشل تابع لإيران يعتمد لي الأذرع وفرض الأمر الواقع الطائفي أي تقسيم العراق، وتهديد كيانه في ظل وجود مشهد مرتبك متكون من مؤسسات أمنية عراقية رسمية وأخرى موازية تتمتع بنفس حقوق القوات الرسمية ولكن مهامها تتجاوز مهام المؤسسة الرسمية نظرا لأنها تتبع صوريا العراق ولكنها تتحرك بتوجهات إيرانية.

حيث أعلنت مليشيات الحشد الشعبي عزمها على التوجه نحو الرقة بعد معركة الموصل، ولا يستبعد المراقبون أن يلتحق هؤلاء بصنعاء لمعاضدة الحوثيين الموالين لطهران في اليمن، وكأن إيران شرعت للحشد الشعبي مقابل القوات الإسلامية التي شكلتها المملكة العربية السعودية لمحاربة الإرهاب، وسبق أن أعلنت السعودية أنها مستعدة لدخول تلك القوات سواء في سوريا أو في العراق لمقاتلة داعش بموافقة العراق والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا.

الاصطفاف الطائفي الذي هو كسر إرادات يتمكن من أن يأخذ الحكم ولكنه لن يستطيع حكم البلد، ولن تتحقق التسوية التاريخية التي كانت تتخوف منها إيران التي تقف أمام تحقق مشروعها الإقليمي.

وكما حققت موسكو حلمها في الوصول إلى المياه الدفيئة إلى مياه البحر المتوسط وتحقيق إقامة قواعد تكون قد حققت أكثر من الحلم الذي كانت تطمح له نتيجة أفول الأحادية الأمريكية بعدما أصبحت المنطقة تعيش فوضى استراتيجية، فإن طهران كذلك تحلم هي الأخرى في إقامة قواعد عسكرية في سوريا واليمن، وإيجاد أسطول بحري في المحيط الهندي على غرار بحر عمان بهدف الحضور في البحار البعيدة.

 حيث تعتقد إيران أنها أصبحت قوة عسكرية عظمى نتيجة الفوضى الاستراتيجية خصوصا وأنها ترى أنها امتلكت قدرات تخصيب تصل إلى 95 في المائة دفعت القوى الكبرى للجلوس على طاولة المفاوضات مع طهران، وهذا يعني أنها لن توقف الحرب المفتوحة في سوريا واليمن عبر وكلائها، ولدى إيران هواجس امبراطوريتها التي يرفضها الواقع مثلها مثل موسكو لكن الفوضى الاستراتيجية التي خلفتها الولايات المتحدة أو قبلت بها مكنت موسكو وطهران من العبث بالأمن الإقليمي والعالمي، وهو ما يفرض على الدول الإقليمية تحمل مسؤوليتها، لكن يبدو أن الورقة الإخوانية لا زالت هواجسها حاضرة بين دول المنطقة ولم تتمكن من تجاوزها رغم أن دولة مصر بدأت تأخذ منحا توافقيا بعدما أبطل القضاء المصري إعدام الرئيس المقال محمد مرسي والمرشد، وكذلك إبطال السجن المؤبد.

 وهي الورقة التي انزعجت منها مصر بعدما تحولت لدى السعودية إلى أولوية ثانية بعدما كانت أولوية أولى زمن الملك عبد الله، حيث كانت الظروف تقتضي ذلك، بينما في الوقت الحاضر السعودية هي بحاجة إلى الدور التركي لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، وبالفعل دخلت تركيا في العراق في بعشيقة لتحييد الحشد الشعبي المدعوم إيرانيا، قد يكون هناك ترتيب لأوراق المنطقة مستقبلا لتجاوز الانقسام العربي الذي تستثمره إيران.

هذه الفوضى الاستراتيجية التي ضربت المنطقة العربية جعلت مصر تصوت لصالح قرار روسي في مجلس الأمن، بينما كان العراق الدولة الوحيدة التي صوتت على قرار القمة العربية الأفريقية التي عقدت في كينيا بإدانة قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب ( جاستا ) الذي اقترحته السعودية وكانت دولة العراق الوحيدة التي تحفظت على إدانة هذا القانون، وهو ما يؤكد حقيقة انصهار حكومة الائتلاف الشيعي العراقية في المشروع الإيراني في المنطقة وتوجهها للانسلاخ به عن محيطه العربي والالتحاق بمحور شيعي يتشكل في المنطقة على قاعدة استعداده لخوض حرب على السعودية مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك.

يبدو أن إيران ترسم نفوذها على الفوضى الاستراتيجية وهي منزعج من الدور السعودي وكيفية تمكنها من الوقوف أمام تحقيق إيران أحلامها الامبراطورية، وكيف أنها تحقق نقاط مقابل خسارتها لنقاط عديدة تحققها السعودية كنقاط حققتها السعودية في لبنان بعد القضاء على الفراغ الرئاسي الذي خلقه حزب الله، ما جعل سعد الحريري يصرح بقوله نجحنا بتجنب المخاطر لأننا تيار جامعات لا تيار مليشيات ولا نستخدم السلاح أو نعلي مرجعية غير مرجعية الوطن، وجدد الحريري التأكيد على أن الشرعية في لبنان هي شرعية اتفاق الطائف والمؤسسات الدستورية التي تنبثق من إرادة الشعب والإجماع الوطني، لا من إرادة أولياء الأمور والوصايات الخارجية.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق