ISIS

عقدة الدولة الوطنية لدى المنظمات الإرهابية

منبع جميع الحركات جماعة الإخوان المسلمين الذين سعوا إلى تحقيق الخلافة واختيار طريق السلاح والقتال جهادا للوصول على تلك الغاية، وكثير من التنظيمات التي خرجت من رحم الإخوان أو التي اتبعت نهج الإخوان حتى يتم تغرير شريحة من المجتمعات، وكانت أسرع الطرق إلى ذلك تبني عقيدة تكفير الأنظمة وتكفير ولاة الأمور وما لحق بها من مؤسسات عسكرية.

استهان المسؤولون بالمنظرين لهذه الجماعات أمثال أبي محمد المقدسي صاحب كتاب ملة إبراهيم وكتاب الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية، ومسائل في فقه الجهاد، وهو تلميذ محمد سرور زين العابدين الذي انبثق عن الجماعة الأم الإخوان المسلمين، بينما يعتبر أبو مصعب الزرقاوي تلميذ لأبي محمد المقدسي، ومندوبه في أرض الشام أبو محمد الجولاني الذي كون جبهة النصرة، وجميعها فصائل الحركات الإسلامية التكفيرية التي سلكت مسلك حمل السلاح للإعادة ما يسمى بالخلافة الراشدة.

داعش على شاكلة الخوارج الذين تم ذكرهم في أحاديث عديدة بأنهم قوم سوء وقوم شر يخرجون عندما تضعف الدولة، وقد جاء ذكرهم في أول رجل خرج في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ذو الخويصرة لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما أعترض على النبي صلى الله عليه وسلم في الجعرانة وهو يقسم الغنائم فقال للرسول صلى الله عليه وسلم أعدل يا محمد فإنك لم تعدل قال له الرسول صلى الله عليه وسلم ويحك إن لم أعدل فمن الذي يعدل، ثم أراد الصحابة قتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا وأصحابا له يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصومه مع صومهم ويقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، وفي الصحيحين يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة.

ومن يتهم الإسلام بالإرهاب يجب عليه أن يدرك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سبق أن حذر من تلك الفئة خصوصا عندما تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله سبحانه وتعالى ( وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) قالت السيدة عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين سمى الله فاحذروهم، وأيضا ذكر بن عباس بأنهم يؤمنون بمحكمه ويضلون عن متشابهه.

استدعت حركات الإسلام السياسي والحركات المتطرفة، وعلى رأسها الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية وتنظيم القاعدة وجبهة النصرة وأخيرا تنظيم داعش مفهوم الخلافة للسيطرة على المسلمين من أجل تبرير ما يمارسونه من أفعال وإيجاد أصل ديني، وتأصيل شرعي لإراقة الدماء، وترفع تلك الحركات بجميع فصائلها شعار الخلافة الإسلامية وإعادتها كدولة أيديولوجية، دولة دينية.

يعتقدون أن أي مسمى غير مسمى الخلافة خروج عن الإسلام وتغييب لدولة الإسلام، ويعتقدون أن سبب ضعف العرب والمسلمين بسبب غياب الخلافة الإسلامية، ويعتبرون كل الأنظمة التي أتت بعد اتفاقية سايكس بيكو نظم كافرة، ويعتمدون على أحاديث لم تثبت صحتها كلفظ خلافة على منهاج النبوة بسبب الشك في معرفة حال أحد رواة السند وتفرده بها، لكن حديث ( أنتم في نبوة ورحمة وستكون خلافة ورحمة وتكون ملكا عضوضا ) صحيح بطرقه حيث تشهد له الرواية من حديث حذيفة الجيد الإسناد، وحتى حديث خروج المهدي فحديث قد ضعفه الألباني.

الخلافة مسمى لحالة من حالات أداء مهمة الاستخلاف في الأرض لكافة البشر مؤمنهم وكافرهم ( إني جاعل في الأرض خليفة ) ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) وداود عليه السلام كان نبيا ولم يكن خليفة بل لقبه السياسي ملكا، ومسمى خليفة في الآية هو الاستخلاف في الأرض كما في الآية السابقة ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) وركزت الآية في نظام الحكم على الحكم بالحق أي بالعدل والنهي عن إتباع الهوى، كما في قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) وإن الدولة دولة غير دينية كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( أنتم أدرى بشؤون دنياكم )، فالخلافة نظام حكم من عدة مسميات ذكرها القران الكريم والسنة المطهرة منها الملك وولي الأمر، والأمير، والسلطان، والخليفة، وليست الخلافة هي فقط نظام الإسلام الرشيد.

فأصبح التعامل مع مصطلح الخلافة فقه مدمر، وأصبح أساس فتنة التغرير بالشباب، وحقن ضغائن الكراهية والحقد في نفوسهم، وتشجيعهم على استباحة الدماء مسلمين ومستأمنين، كما تفعله دولة الخلافة داعش، وكأنهم لم يفهموا سماحة هذا الدين ورحمته وعدله وإنصافه لكافة المجتمعات ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر المقاتلين في الحرب من استهداف الآمنين من غير المقاتلين في أرض المعركة، ونهى عن استهداف الدور وأماكن العبادة، وقتل النساء والمسنين، وقطع الأشجار، بينما نحن نلاحظ ذبح كاهن في كنيسة في ألمانيا ودهس مستأمنين في نيس بجنوب فرنسا بأيدي جند الخلافة، فأي أفكار يؤمنون بها سوى الأفكار العدمية، وهم في الأصل أشخاص مأزومين تمت استثارتهم لا يرتبطون بتلك الجماعات بأي اتصال أيديولوجي، فقط هم يبايعون داعش قبل ارتكاب جرائمهم العدمية.

حركات الإسلام السياسي حول العالم لها تاريخ طويل في البحث عن السلطة تحت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية، بنى الإخوان هيكلهم التنظيمي على البيعة، ثم بنى تنظيم الجهاد الذي تأسس في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي الذي خرج من رحم الإخوان، كانت أول محاولة فعلية لتأسيس خلافة يكون مقرها مصر، واعتبر صالح سرية الذي اعتبر أن من موجبات الإيمان وجود خليفة يبايعه الناس، واعتبر غيابة من نواقض الإيمان، وهو الذي حاول الانقلاب على السادات ولكنه فشل، لكنه نجح بالتعاون مع تنظيم الجهاد في تنفيذ اغتيال الرئيس السادات الذي كان مقررا له أن يعقبه انقلاب عسكري ثم إعلان دولة الإسلام، إلا أن قوات الأمن المصرية نجحت في التصدي لهذا المخطط وأفشلته، وهو ما يذكرنا بالانقلاب العسكري التركي الفاشل.

انتقل بعد ذلك الجهاد إلى أفغانستان لمقاومة الاتحاد السوفيتي بدعم أمريكي عربي وبعد القضاء على الاتحاد السوفيتي عام 1988، سعى أسامة بن لادن إلى تأسيس خلافة عالمية نواتها أفغانستان بعدما فشل الإخوان في تأسيس خلافة مركزها مصر، لكن ظهور حركة طالبان في 1994 وسيطرتها على 80 في المائة من الأراضي الأفغانية أفشلت خطط بن لادن واضطر إلى مبايعة الملا محمد عمر وأطلق عليه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ليبايعه جميع المجاهدين من كافة الدول العربية والإسلامية، رغم تلك المبايعة تركزت أعمال طالبان على أفغانستان، لذلك اتجه بن لادن إلى أحداث 11 سبتمبر التي أدخلت المنطقة في صراع جديد مع الولايات المتحدة والغرب.

الخلافة عند تنظيم داعش أخذت بعدا أكثر تشددا ووصفوا رافضي البيعة لأبي بكر البغدادي بالمرتدين والكفار وحاربوا حتى الفصائل الجهادية الأخرى التي تعمل إلى جانبهم في سوريا، واعتبروا أن خلافة البغدادي هي التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان ثم تكون خلافة على منهاج النبوة لتجييش الجهاديين من جميع الدول، بل اعتبرت الخلافة العثمانية كانت خلافة سياسية وليست دينية.

مثل سقوط مدينة الموصل صدمة عربية بسبب هناك صراع وتنسيق بين الولايات المتحدة وإيران، فهو صراع بين أمريكا وإيران في التواجد في العراق، وفي نفس الوقت الواقع يفرض التنسيق بين الجانبين، لذلك يمكن تأكيد أن داعش صنيعة ظروف سياسية إقليمية ودولية، خصوصا في ظل توفر حواضن مجتمعية، وتحولت داعش إلى صناعة مخابراتية لتقسيم المنطقة، التي تتماشى مع مشروع الشرق الأوسط الكبير لبرناد لويس، وهو ما يؤكده خفايا التمويل الذي تحصل عليه داعش، ولديها قدرة مالية هائلة، وخبرة استراتيجية في كيفية إدارة هذه الأموال وتهريبها وتوظيفها.

معرفة الجذور الفكرية والمرجعية الأيديولوجية لتيارات الإسلام السياسي بسبب أنهم يعانون بمختلف تياراتهم من عقدة الدولة الوطنية الحديثة، وأغلب فكرهم بني على وجوب قيام دولة الخلافة وولاء الدولة للدين، فيما أن الأرض محايدة ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ).

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق