الحزم

عاصفة الحزم تؤسس لفجر عربي جديد

عقد أول اجتماع للقمة العربية (مؤتمر أنشاص ) عام 1946 بدعوة من ملك مصر الملك فاروق، وحضرته الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية – مصر، والسعودية، والعراق، واليمن، وسوريا، ولبنان، وشرق الأردن، كان القرار الأول لقادة الدول هو مساعدة الشعوب العربية المستعمرة على نيل استقلالها، كما طالبت هذه الدول بالوقوف أمام الصهيونية، والدفاع عن كيان فلسطين.

منذ ذلك الوقت كانت السعودية رافعة العمل العربي وقائدة أهم المبادرات، وبعد أربع سنوات عجاف من الثورات العربية الزائفة في غالبها، رغم أن الحكم على التاريخ لا يتم في فترات زمنية محدودة، لكن الثورات تحولت إلى جزء من معادلات التفكيك وبيئة خصبة لمؤامرات دولية.

قبل انعقاد قمة شرم الشيخ، ومثلها بقية المؤتمرات السابقة، يدور نقاش حول أهمية استمرار تلك القمم نتيجة لما ألم بها من حالة من الضعف والانكسار، لكن عاصفة الحزم التي قادتها السعودية قبل انعقاد مؤتمر شرم الشيخ، فرضت أمرا واقعا على المؤتمر، لأن المؤتمر عقد وسط أجواء مهددة وبعنف للأمن القومي العربي دفعت إلى حتمية الحاجة إلى الطرح المصري الذي اقترحه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة لمواجهة المحن والنوازل تعمل على الردع في الحال أحيت مكانة العرب كأمة مرة أخرى.

 لولا عاصفة الحزم لما وافق العرب على اقتراح الرئيس السيسي أو على الأقل يمكن أن يشوب تشكيلها صعوبات، لكن عاصفة الحزم يسرت الموافقة على تشكيل تلك القوة المشتركة اختياريا للدول التي ترغب في الانضمام إلى تلك القوة التي يمكن أن تتحقق في حدود أربعة أشهر.

 تتكون القوة العربية المشتركة من أربعين ألف من العسكريين النخبة تشكل قوة ردع سريعة بطلب من الشرعية في أي دولة تعاني من أي اعتداء سواء داخلي أو خارجي، وهي رسالة للأسد ولبقية المليشيات التي تشكلت في المنطقة سواء داعش أو غيرها التي تخرج على الشرعية، أو تشكل دولة موازية للدولة الشرعية بما فيه حزب الله في لبنان.

عاصفة الحزم جعلت قمة شرم الشيخ قمة استثنائية حقيقية، تحولت إلى قمة حزم وحسم، أكدت على وحدة الصف العربي بعيدا عن الاستقطابات والتجاذبات التي كانت تسود في القمم العربية السابقة، وكانت تحيل كافة القضايا إلى الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، يمكن أن يصبح العرب أقرب من أي وقت مضى من تحقيق حلم خلق قوة عسكرية مشتركة، أي أن السعودية تبقى صانعة الدور العربي.

أدرك العرب أنهم يعيشون لحظة مفصلية بسبب أن هناك مخاطر تهدد الدولة والهوية الوطنية التي بدورها تهدد السلم الاجتماعي، أثرت على الخريطة السياسية في الشرق الأوسط التي بدت تتغير بسرعة كبيرة.

 وحال توصل الأميركيين والإيرانيين إلى اتفاقية بشأن البرنامج النووي، يمكن أن يتشكل حلف أميركي إيراني، لكن عندما أصبح اليمن المهدد الإستراتيجي للسعودية من أجل اقتسام السيادة بين إيران وتل أبيب وأميركا أجبرت السعودية على التصميم بقيادة عاصفة الحزم لقلب المعادلة وتحقيق تحالف سعودي أميركي جديد.

 أصبحت عاصفة الحزم لحظة تاريخية مفصلية يستعيد العرب تقرير مصيرهم، واستعادة التوازن الإستراتيجي مع إيران، وملئ الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة نتيجة عمى إستراتيجي.

 ترك الشرق الأوسط للمحللين والمخططين الأمريكيين الذين سعوا لتقسيم العالم العربي لكن خلت تحليلاتهم ومخططاتهم عن فهم الواقع ودور الدين والتاريخ في الوقوف أمام تحقيق تلك التقسيمات التي يدعمونها ويدعون لها.

كانت عاصفة الحزم عصا غليظة للأطراف العربية التي تقيم علاقات بإيران، وتسببت في التباين العربي، كما استطاعت السعودية تحييد دول عربية كبرى مثل الجزائر التي تعارض مثل تلك العاصفة، وتدعو إلى الحوار رغم أنها تدعي أنها تدعم الشرعية.

 العاصفة كانت ردعا لمن انقلب على الحوار وعلى السياسة، وهدف تلك العاصفة أن تقود جميع الأطراف لاستكمال الحوار السلمي، وتفرض على المليشيات أيا كانت تسليم الأسلحة التي استولوا عليها وتسليمها للدولة، ولن تقبل السعودية وجود حزب الله يمني بجوارها.

عاصفة الحزم بدأت في استعادة الحزام الأمني الذي يحيط بها، والذي بدأ يتآكل خلال السنوات الأربع الماضية بعد قيام الثورات العربية، خصوصا وأنها لن تقبل أن يستكمل الحوثيون المشروع الإيراني المضاد للسلام في خاصرة السعودية.

 كان لابد للسعودية من المبادرة لكسر طوق المشروع الإيراني، ومن قبل غزو أمريكا للعراق عام 2003، وإنهاء المخاطر الجيوسياسية التي تهدد المنطقة، ومنذ عام 2007 الأمن السعودي يتصدى للإتحاد الثلاثي المتمثل في القاعدة والحوثيين وإيران، لأن منهج السياسة الخارجية لطهران يقوم على إحياء النزعة الفارسية المعادية للعرب من أجل تحقيق حلم الإمبراطورية الفارسية من الصفوية إلى روحاني.

تاريخيا هناك تصريح لرئيس الوزراء حلنجي ميرزا عام 1822 عندما قال إن الشعور السائد لدى جميع الحكومات الفارسية المتعاقبة، أن الخليج العربي الفارسي من بداية شط العرب إلى مسقط، بجميع جزائره وموانئه بدون استثناء ينتهي إلى فارس، بدليل أنه خليج فارسي وليس عربيا.

رغم أن إيران تملك مشروعا عالميا تبشيريا، إلا أن أهدافها تنصب على قلب الجغرافيا الإسلامية المتمثل في الجزيرة العربية التي تحتضن دول الخليج، لذلك ابتدعت فكرة ولاية الفقيه ووظفتها في بناء سلطتين متوازيتين في حكم البلاد، هما سلطة الثورة وسلطة الدولة، واستنسخت إرث الدولة الصفوية فكريا ومؤسسيا، هذا ما جعلها تعلن أن بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية أثار حفيظة العرب سنة وشيعة ما جعل الرئيس العراقي فؤاد معصوم يرفض مثل تلك المقولة، جعلت جميع العرب والدول الإسلامية يدعمون عاصفة الحزم التي قادتها السعودية، وجاءت في وقت حاسم جدا، بل أعلنت دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها تأييدها لعاصفة الحزم وجاهزة لتقديم المساعدة، بينما صرحت ألمانيا بأن عاصفة الحزم متوافقة مع القانون الدلوي وليس لدينا شك في ذلك.

كان القرار السعودي الحاسم مستقلا عندما تدخلت قوات درع الجزيرة عام 2011 في البحرين لإنقاذ هذا البلد الجار من إيران، مثلما وقفت السعودية عندما احتل صدام حسين الكويت عام 1991، وشكلت تحالفا دوليا أخرجت صدام حسين من الكويت، ووقفت بكل ثقلها السياسي مع الشعب والجيش المصري في مواجهة الضغوطات الدولية عقب سقوط نظام الإخوان المسلمين عام 2013.

في السادس والعشرين من مارس يوم الخميس بعدما وضعت السعودية أمام خيار وحيد وهو تولي قيادة المنطقة بشكل أكثر قوة وأكثر حزما في ظل سلبية الإدارة الأمريكية، ولكن وفق الشرعية الأممية والعربية، استمدت قوتها من القاعدة الدينية والعسكرية والدبلوماسية، أثبتت أنها تتمتع بثقل عالمي، وهو توقيت يمنع إيران من التدخل حتى لا يؤثر على مفاوضاتها النووية، وفي نفس الوقت يمنع من وجود أي مقايضة في تلك الاتفاقية، أثبتت السعودية مدى قدرتها على حسم مواقفها، وأثبتت للولايات المتحدة بأن مصالحها الإستراتيجية مع العرب وليس مع إيران.

حسب الوكالات بدأت السعودية والكويت ودولة الإمارات وتركيا ومصر في توحيد الجهود وتكوين التحالف العسكري المشترك في بداية مارس، وهو ينهي جدل من أن دولة مصر غير مطلعة على هذا التحالف، قد تكون انطلاقة عاصفة الحزم مفاجئة للجميع.

 رغم أن برناديت ميهان الناطقة الرسمية باسم مجلس المن القومي الأميركي تؤكد أن السعودية وشركاؤها الخليجيون كانوا على تواصل مستمر مع الولايات المتحدة لأيام قبل بدء الهجوم حيال أنواع الخيارات التي كانت محل اعتبار ومن بينها التدخل العسكري، لكن الجنرال لويد أوستن قائد القيادة المركزية الأميركية في جلسة الاستماع أمام مجلس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي قال بأنه علم بالحملة الجوية قبل ساعة من بدئها.

 هذه المفاجئة في عاصفة الحزم تسببت بعض الحيرة حتى لدى أصدقاء السعودية في الكونغرس منهم جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي عندما صرح للصحافيين بأنه لا يعتقد بوجود أي مساعدات أميركية للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.

قال ماكين  تلك الدول بزعامة السعودية لم يخطرونا ولم ينسقوا معنا أو طلب مساعدتنا في ذلك الأمر، مع ذلك أعلن البيت الأبيض أن عاصفة الحزم جزء من الحرب على الإرهاب، في المقابل أعلن الجبير سفير السعودية في الولايات المتحدة بأننا سعداء بالدعم الأمريكي، حتى أعلنت الولايات المتحدة بأنها ستحارب من يعتدي على السعودية.

 لذلك هناك من يرى في الولايات المتحدة إلى أهمية الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية تتطلب مستوى واسعا من الاستقرار في الخليج وشبه الجزيرة العربية، وأن تعتمد الولايات المتحدة على السعودية بوصفها شريكا استراتيجيا رئيسيا.

 لذلك لابد من بناء شكل من أشكال الردع والاستقرار الإستراتيجي لاحتواء إيران في منطقة الخليج، كما أن أي اتفاق نووي يجب ألا يؤثر على ضرورة التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والسعودية، أي أن الولايات المتحدة عليها إدراك أن تهديدات إيران لأمن المنطقة تساوي مخاطر طموحاتها النووية.

تعزز التحالف قبل الحملة في اجتماع عقد في الرياض لكبار المسؤولين من السعودية والكويت ودولة الإمارات وقطر والبحرين، ولكنه لم يخرج بأي إشارات حول اعتبار استخدام القوة العسكرية، وضعت الولايات المتحدة على خط المواجهة مع إيران، وأسفر عن إرباك واضح في السياسة الأمريكية، ولكنه يفيد الولايات المتحدة أيضا في توقيع أي اتفاق مع إيران بمعزل عن أي مقايضات إقليمية، فهي تدعم إيران في العراق لمحاربة داعش، وتدعم السعودية من خلال تقديم خدمات لوجستية وتقديم معلومات من خلال الأقمار الصناعية وبواسطة الطائرات بدون طيار لمقاتلة الحوثيين في اليمن، ويبدو أن هذا التناقض الواضح للولايات المتحدة يسبب حيرة لإيران وحلفائها في المنطقة.

عاصفة الحزم كانت سرية في التخطيط ودقة في التنفيذ، حتى أن جنرالا متقاعد في الجيش الروسي يتحدث عن عاصفة الحزم في قناة روسيا اليوم يقول بأن الهجوم السعودي مباغت وغير متوقع أبدا وأنه فاجأ الكثيرين، وأنه لا يعلم متى تم التنسيق وتجميع قوات السعودية جوية وبرية وبحرية ضخمة ومعها قوات أخرى ومتى أقلعت المقاتلات وبدأ الضربة، ويعترف بأن عمل بهذه السرية والدقة والضخامة يجبرك على احترام من قام به.

السعودية تسعى بقوة لوقف توسع إيراني شامل في أكثر من دولة عربية لم يحدث منذ قرون، ومحاصرته حتى من الجهة الشرقية، بعدما أصبحت الباكستان في قلب الإستراتيجية السعودية، التي أعلنت إذا تعرضت السعودية لعدوان فسترد هذا العدوان وهي تشارك بقوات في عاصفة الحزم، لأن الباكستان دولة نووية تمتلك قوة الردع الحاسم وأعلنت عن إرسال قوات يتزامن مع تدريبات الصمصام 5 تجري في جبال وعرة.

كما نجح الملك سلمان من خلال تحقيق إستراتيجية التوازن التي اتبعها بعد تجاوز ورقة الإخوان رغم أن إستراتيجية السعودية تجاه الإخوان لم تتغير، واستطاع جذب تركيا والسودان شاركوا في عاصفة الحزم، بل اعتبرت تركيا أن إيران تهدد استقرار المنطقة نتيجة تدخلها في عدد من الدول العربية خصوصا في سوريا ولبنان واليمن، واعتبر أردوغان أن إيران تحارب داعش لتحل محلها، كما صرح الرئيس السوداني بأن الملك سلمان اتخذ القرار الصائب والمناسب لحفظ أمن اليمن.

 واصل الملك سلمان تواصله مع الرئيس التركي وملك المغرب، ومع قادة دول الخليج المشاركين في العاصفة، وكذلك مع عاهل الأردن، والرئيسين المصري والسوداني لمناقشة مجمل الأوضاع الإقليمية والدولية لتعزيز دور التحالف الذي تقوده السعودية.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ في جامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق