Iran_kart

صراع الهويات في إيران: بين الهوية الكلية والهويات الفرعية

مقدمة:

بدء ظهور الدول القومية (الدولة-الأمة)، عقب اتفاق صلح وستفاليا بين القوى الأوروبية المتصارعة عام 1648، والذي تمأسس عليه لاحقاً بناء الدول وفق مرجعيات العامل القومي لإقليم جغرافي محدد، عوضاً عن المرجعية الدينية، رغم استمرار كثير من الدول خارج الإطار الأوروبي في الاعتماد على الدين كمرجعية سياسية في تعبير عن الحق الإلهي غير المباشر في الحكم. هذه كانت سمات دول الحداثة، قبل أن تنتقل البشرية إلى مرحلة ما بعد الحداثة، وتأسيس الدول ذات المواطنية الدستورية خارج الأطر القوموية والدينية، والتي تتمركز حول الفرد المواطن بحد ذاته.

وتكاد لا تخلو دولة من دول العالم المعاصر من مزيج تعددي ثقافي (عرقي أو ديني أو مذهبي)، يُشكِّل في مجموعه هوية وطنية محددة تجاه الذات أولاً، وتجاه الدول الخارجية (الآخر) بشكل ثانٍ. فالهوية هي المحرك للشعور بالذات الإنسانية والدافع نحو الإنجاز البشري الحضاري في تميز متكامل مع الآخرين.

ولا يسوء الهوية الوطنية تنوع الهويات الفرعية المنضوية في إطارها، بل تعتبر في الدول المعاصرة، وخاصة في عصر ما بعد الحداثة (العصر المعلوماتي)، ميزة لتعزيز التنوع الثقافي، الفردي والجمعي، ومنه إغناء الهوية الوطنية الجامعة بروافد حضارية عديدة.

إذ تسمح الليبرالية الوطنية باللجوء إلى الولاءات التقليدية لبناء وطني، ويحول طابعها الليبرالي من وسائل قمع إلى رمز للتسامح حيال الأقليات الثقافية، ولكن قد يبقى هذا التسامح في حدود محاولة تشجيع إثبات الطابع الخاص لهويات الأقليات، ويسمح لها بالتعبير الذي يؤول من باب التعبير الفلكلوري، لا أكثر. لذا تواجه الوطنية الليبرالية كما أشار إلى ذلك دانيل فينشتوك Daniel Weinstock معضلة حقيقية، فإما أن تبحث عن الفعالية عبر صيرورة التوحيد، لكن احتمال أن تكون غير عادلة يبقى إمكاناً وارداً في هذه الحالة، وإما أن تلتزم بحدود العدالة، ولكن مع احتمال أن يكون أداؤها غير فعّال (1).

وبملاحظة التكوين البشري للدول الغربية (العالم الأول)، نجد كماً هائلاً من التعدد الثقافي الديني والعرقي، انخرط في الهوية الوطنية بفعالية عليا، مع محافظة على الخصوصيات الهوياتية الفرعية، دون تناقض أو صراع بين تلك الهويتين، أو بين الهويات الفرعية ذاتها. بل إن ذات التعدد الثقافي ذلك، تمت حمايته وفق أطر دستورية وقانونية تكفل للجميع ذات الحقوق الهوياتية.

ويمكن أن تعرف الأقلية العرقية (أو الدينية) باعتبارها: 1- الجماعة المتدنية عددياً بالنسبة إلى بقية السكان في مجتمع، 2- وهي غير مهيمنة سياسياً، 3- ويعاد إنتاجها كفئة عرقية (أو دينية) أو جماعة. مثل المفاهيم الأخرى المستخدمة في تحليلات العرقية، فإن المفهومين التوأم الأقلية والأكثرية هما نسبيان ومتصلان. توجد الأقلية فقط في العلاقة بالأكثرية والعكس صحيح، وعلاقتهما محتملتان على حدود النظام ذي العلاقة. في العالم المعاصر حدود النسق هذه هي تقريباً حدود الدولة. أي حالما تصبح الأقليات أكثريات بسبب إعادة تعريف نسق الحدود، تظهر أقليات جديدة (2).

أولاً- تشكل الهويات في إيران:

أتى تشَكُّل الدولة الإيرانية الحالية، مع خروج الاحتلال البريطاني منها في النصف الأول من القرن العشرين، تاركاً المجال للسلطات القائمة آنذاك، بالتوسع الجغرافي الاستيلائي، وضم الأقاليم -الشعوب- المجاورة للمركز الفارسي (طهران-أصفهان- قم-يزد)، ضمن فهم قروسطوي لشكل الدولة، مطواع مع البيئة الدولية القائمة حينها.

بعض تلك الأقاليم كان دولاً أو إمارات مستقلاً بحد ذاته (الأحواز مثلاً قبل عام 1925 بقيادة الشيخ خزعل الكعبي)، وبعضها استطاع في فترات تاريخية لاحقة من إنشاء دول لم يكتب لها الدوام (جمهورية مهاباد الكردية عام 1946 بقيادة قاضي محمد علي قاسم، كما أقام الآزر عام 1945 جمهورية خاصة بهم بزعامة سيد جعفر بيشه وري).

هذا التوسع التكويني للدولة الإيرانية-الفارسية، نشأ بداية في ظل هوية قومية لعنصر مهمين سياسياً –العرق الفارسي- على حساب إخضاع الولاءات والهويات الأخرى المُسَيطَر عليها للسلطة المركزية الجامدة، ودمجها قصراً في عملية بناء مملكة شاهنشاهية. ضمن إطار حزبي قومي واحد فقط، عرف بـ (رستاخيز: أي البعث).

وُجِّهت هذه الهوية العرقية الأحادية في اتجاهين معاً، إذ فُرِضَت بقوة الدولة والعنصر المتسيد عليها في كل المناطق التي تمت السيطرة عليها أولاً، ثم تَمَّ تعريف الذات أمام الآخر (العالم الخارجي) وفقاً لذات الهوية العرقية، أي أنّ سياسة تفريس الهوية عملت على بعدين داخلي وخارجي معاً.

وكثير ما يؤدي تكوين الدولة المقتصرة على جنس من الأجناس إلى تفكيك هذا الجنس وخرابه نهائياً وتشتته، أي ليس من الضروري أن تقود الدولة الجنسية (القائمة على جنس أو عرق) إلى بناء أمة، أي أن تحفظ وحدة الشعب الثقافية والجنسية (العرقية). وكثيراً ما يؤدي تكوين دولة قومية، أي معبرة عن مصالح أغلب الفئات الاجتماعية المكونة لها -رغم تمايزها الثقافي- إلى تكوين أمة واحدة، تختلط فيها الأعراق والأجناس والثقافات. وفي الحالة الثانية فقط تتطور الثقافة وتظهر الحضارة (3).

فيما كان للثورة الإسلامية، آليات محدّثة في البحث عن الهوية ومنها عن الشرعية السياسية، فأعادت تعريف الذات مع المحيط الخارجي (العربي تحديداً) وفق هوية دينية مذهبية. فعلى الأقل، هذه الهوية أقل دفعاً نحو الصدام مع الهوية العربية القومية في المشرق والخليج العربيين، مع بروز حزب البعث العربي من جهة في العراق وسورية وسيطرته على الدولة والمجتمع فكرياً وسياسياً، ومع ترسيخ استقلال دول الخليج العربي وتثبيت هوياتها العربية بشكل قومي، وإن كان بطابع ليبرالي يبتعد عن الطابع الراديكالي البعثي.

من ذلك كانت الحاجة المصلحية في الهوية الخارجية الإيرانية تستدعي تغييراً في مرجعيات تلك الهوية، بحثاً عن شرعية سياسية إقليمية وشعبية خارجية، تخدم سياسة “تصدير الثورة”، أو بمعنى آخر، سياسية البعد الامبريالي للدولة الإيرانية الجديدة (الإسلامية).

ذات الخطاب الهوياتي الإسلامي، وظّف على المستوى الداخلي بآليات ومفاهيم مختلفة؛ لاختلاف المصلحة –جزئياً- منه في تشكيل هوية جامعة، في ظل أغلبية شيعية 70-80% من الشعب، مقابل 10-28% سنة، و3% أديان أخرى. لذا تم دمج الهوية الدينية مع سابقتها العرقية، ضمن خطاب فارسي-شيعي هذه المرة، وإن كان عنصر (العرقي-القومي) هو المسيطر سياسياً عليه. فالهوية الإيرانية ما بعد المَلَكِيَّة، هي استمرار للهوية القومية ذاتها، وإن اكتست ببعد إسلامي يشرعن سلطة جديدة، ويبرر انقلابها أو ثورتها على سابقتها لا أكثر. أي أنّ البعد الوظيفي للهوية الدينية-المذهبية داخلياً تمثل في شرعنة نشوء السلالات الحاكمة الجديدة (الملالية) لإيران، وعلى أساسه نُسِجَت أساطير دينية تعلي العنصر القومي في السياسة الإيرانية (يمكن العودة لبحث سابق في ذلك)، عبر استدعاء المظلومية التاريخية للعنصر الشيعي-الفارسي، وإبراز تناقض تميزي تاريخي وحضاري عن المحيط الخارجي.

شكل (1) توزيع السكان في إيران حسب الدين

الدين النسبة المئوية إلى السكان العدد التقريبي
مسلمون شيعة 70-80%
مسلمون سنة 9-28%
الصابئة/ المندائيون أقل من 2%
بهائيون أقل من 1% 300 ألف
المسيحيون أقل من 1% 75 ألف
يهود أقل من 1% 25 ألف
زرادشت أقل من 1% 22 ألف

لعل ذلك هو مبرر غياب الإحصائيات الدقيقة حول التكوينات العرقية والدينية للدولة الإيرانية، وتباين ما هو متاح منها بفروقات ملحوظة. فالنسب تختلف حسب المصدر أولاً، سواء أكانت حكومية أم أقلوية أم خارجية. وحسب الهدف السياسي منها ثانياً، إذ قد تعمد جهة من تلك الجهات إلى التلاعب بالنسب بما يخدم سياساتها في مواجهة الآخرين، لذا تم إيراد تلك النسب وفق تبايناتها. فغالباً ما لجأت السلطات الحكومية -بشكل خاص- إلى تخفيض نسب الأقليات العرقية والدينية وعدم تقديم جهد موثّق بشكل منهجي ذو مصداقية عالية، في تبيان حقيقة مكونات المجتمع الإيراني.  إلا أنها في جميعها تؤكد أن إيران تكتل من أقليات كبرى (عددية لا سياسية)، دون أن يكون لإحداها سيطرة عددية على الدولة ككل. وأبرز تلك النسب المتاحة لأهم التكوينات العرقية في إيران، مع التباينات فيما بينها (4):

شكل (2) توزيع السكان في إيران حسب العرق

العرق

النسبة المئوية إلى السكان

الفرس 30-40%
الأزر 25-30%
العرب 8-10%
الأكراد 8-10%
بلوش 3-4%
لور أقل من 2%
تركمان أقل من 2%
بختياري أقل من 1%
أرمن أقل من 1%

فالهوية الفارسية القائمة هي مزج بين القرابة والدين، بتركيزها أفقياً على صهر الكل بطبقة واحدة تعتمد على الهوية المذهبية، على الكل الخضوع لأساطيرها، واعتمادها في الفهم والهوية. وتركيزها عمودياً على التميز على الأنساق الاجتماعية الأخرى، عبر التركيز على التناقضات العرقية بين الأقاليم الإيرانية، ومنه تُحدّد سياسة المركز تجاهها، باعتبارها ملحقاً بالدولة يخدم وظائفها، لا جزءاً عضوياً منها.

إذ تتوزع الأعراق الإيرانية، حول مركز (فارسي-شيعي) داخلي، مشكلة حزاماً متواصلاً مع بعضها، ومع دول الجوار، وامتداداً عرقياً لتلك الدول. وتتمركز فيها كثير من موارد إيران المائية وموارد الطاقة (النفط والغاز)، وتشكل في مجملها طوقاً جيو-استراتيجي يحيط بالداخل الإيراني.

ثانياً- السياسات الهوياتية الحكومية في إيران:

عملت السياسة الحكومية الإيرانية في ثلاثة اتجاهات متضادة ضمن سياسة متكاملة إزاء الأقاليم العرقية. أولها كان محاولة الدمج القسرية للمحيط العرقي ضمن هوية أحادية فارسية (السحب)، والثاني (النبذ) عبر التهميش لتلك المناطق، أما الثالث (العبث) عبر تفتيت التركيبة الديمغرافية سواء بالتهجير أو استبدال الفرس بالسكان الأصليين. جميع ذلك، جعل خطوط التماس العرقية القائمة تشكل خطوط تصدع عرقي، يدفع نحو تفكيك الدولة في ظروف مستقبلية معينة، منها على سبيل المثال، انحسار سلطة المركز على الأطراف، كما حصل في العراق وسورية، أو انهيار شرعيتها، أو تعزيز المقاومات المسلحة على امتداد تلك الخطوط، بل حتى عبر تدخلات خارجية مصلحية تحت ذرائع حماية الأقليات، أو في حال نقل عدوى التفتيت الأقاليمي من جوارها. وهذه الخطوط هي أشبه بخطوط التصدع العرقي والديني في دولة الاتحاد السوفييتي قبل انهيارها.

وخاصة أن السلطات الإيرانية المتعاقبة منذ إيران الشاهنشاهية، ووصولاً إلى الملالية، لم تر في هذا الطوق، سوى تهديد على وحدة كيان الدولة المستحدثة، واعتبرت سكان تلك الأقاليم “عملاء” للدول المجاورة لهم، أو “متمردين” على السلطة الشرعية. فاعتمدت تجاههم جملة من السياسات التميزية على أساس العرق أولاً، وعلى أساس الدين بشكل لاحق.

إذ يرصد سيف اللهي جملة من تلك السياسيات، لعل من أبرزها: نقص في المياه وسوء الظروف في بلاد واسعة من حيث الرقعة الجغرافية، المركزية الشديدة في الإدارة السياسية، تجاهل مشاركة المجموعات العرقية، تجاهل مطالب واحتياجات الفئات العرقية في أعقاب حركة التحديث، غلبة السياسة العرقية لدى الجماعات العرقية، عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الفئات العرقية، عدم المساواة في التنمية البشرية بين الجماعات العرقية، التنمية غير المتوازنة وغير المتناسبة في مناطق الأقليات العرقية (5).

 كما تتمثل أهم مظالم القوميات في إيران، فيما يلي (6):

الإحساس بالمحرومية: يتخذ الحرمان أشكالاً كثيرة، فهم يُمنعون من حق التعلم بلغتهم أو تدريس تاريخ تلك القوميات في المدارس أو حرمانهم من حقوقهم ومشاركاتهم السياسية في تأسيس الأحزاب والجماعات، وحرمانهم أيضًا من حقوقهم الاقتصادية، ومن أكثرها إيلاماً حرمانهم من المزايا التي تتمتع به القومية الفارسية في سائر البلاد.

سياسة المركزية: اعتمدت إيران على السياسة المركزية سواء قبل الثورة الإسلامية أو بعد الحرب مع العراق. وأدت هذه السياسة المركزية مع مرور الوقت إلى أن يقتصر الازدهار الاقتصادي على بعض المناطق، بينما غاب الرفاه والتمدن عن المناطق البعيدة عن مركز الحكم والقريبة من حدود الدول الأخرى. وكان هذا هو السبب الرئيسي في هجرة سكان المناطق البعيدة وعبر أعداد هائلة باتجاه العاصمة وباتجاه الخارج.

السياسة الأمنية: صاحب التوسع في السياسة المركزية رسم السياسة الأمنية للبلاد من قبل أفراد يتم اختيارهم من قبل الحكومة وكان اختيارهم يعتمد بالدرجة الأولى على قومية معينة ومحددة في حين يتم استبعاد القوميات الأخرى. وقادت هذه السياسة بدورها إلى غياب التناغم والتمازج بين تلك القوميات الإيرانية بل قامت بمحوها من الهوية الإيرانية وأصبحت الهوية الإيرانية ذات طابع سياسي.

حتمية المساءلة: بالنظر إلي هيكل وخصائص التنمية الاجتماعية والمشاركات السياسية لتلك القوميات في المناطق التي تقطنها، فقد بات واضحًا أن الكثير من القوميات كالقومية الآذرية، والكردية، والعربية، والبلوشية كانت تدار مناطقها من قبل إدارات معينة مركزياً، ولا تمت للواقع الأقاليمي بصلة، ذات أداء سيئ، أدى إلى مضاعفة استياء تلك القوميات من اهتمام الحكومة الإيرانية بشكل كبير بالمحافظات المركزية، مثل: أصفهان ويزد وطهران من الناحية العمرانية والتنمية، بينما تتجاهل المناطق التي تسكنها الأقليات كأذربيجان وكردستان والأحواز. ولقد لاحظ بعض الناشطين السياسيين بأنه في خلال الثلاثين سنة الماضية أصبحت تلك المناطق خارج عجلة التنمية للحكومة، والتي ركزت على التنمية في المناطق المركزية متجاهلة بذلك مناطق الأقليات. وتدور المطالب حول الدعوات التي تهدف التعليم بلغات تلك القوميات والحصول على مطالبها فيما يخص الحرية الدينية والسياسية.

ووفقاً لـ ويليام سامي، منسق التحليل الإقليمي في إذاعة أوروبا الحرة/راديو ليبرتي، في صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، فإن سلوك الحكومة الإيرانية تجاه الأقليات كان “مزجاً من القمع وسياسة كبش الفداء”. ففي عام 1981، على سبيل المثال، تم إخماد انتفاضة الآزر في شمال غرب تبريز بعنف شديد، مما أدى إلى إعدام العشرات منهم. كما ألقي اللوم في المظاهرات العربية عام 2005 في إقليم الأحواز على البريطانيين، بسبب وجودهم العسكري عبر الحدود مع العراق والدور التاريخي الذي تلعبه شركات النفط البريطانية مثل “شل” في المنطقة (90% من النفط الإيراني يقع في إقليم الأحواز) (7).

وبالعودة إلى أولوية الهوية العرقية على الدينية في إيران، نستدل على ذلك من وضع العرب سواء في الأحواز أو في الأقاليم الأخرى، ففيما كانت هويتهم الدينية تتفق بنسبة كبيرة مع الهوية الدينية المذهبية للدولة (سابقاً)، إلا أن ذلك لم يشفع لهم أمام سياسات التهميش والنبذ والتفتيت (التي ذكرت سابقاً)، ومحاولات طمس الهوية العربية لهم، ومحاصرة نشاطاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية بغية تجفيفها. أدى ذلك في السنوات الأخيرة إلى رد فعل هوياتي عربي، على المستوى الديني، عبر تحول عديد (من الجيل الشاب بالأكثر) إلى المذهب السني، تعزيزاً للهوية العربية أكثر منه التزاماً دينياً، بل هو تمايز ديني عن السلطة المذهبية ذات السياسات الاستعمارية في إقليمهم.

ليس العرب وحدهم تحت ضغط تلك السياسات المركزية، فبالنظر إلى مؤشرات التنمية البشرية، فإن كافة تلك الأقاليم الأقلوية، تعاني من نسب تنمية ونمو متدنية جداً مقارنة بالمركز الفارسي، عدا عن مؤشرات البطالة والاستثمار والنمو الحضري والتعليم والحقوق المدنية والسياسية والثقافية (سيتم تناول ذلك في أبحاث لاحقة). إذاً هي سياسة مركزية تجاه المحيط ككل، مع تباينات محدودة بين الأقاليم العرقية، إذ قد يشهد إقليم ما بعض التحسن لأسباب سياسية عن سواه من الأقاليم، دون أن يكون هذا التحسن باتجاه المواطنة الكاملة.

على سبيل المثال لا الحصر، فإن إقليم كردستان إيران، ورغم كل التهميش التنموي الذي يعانيه، إلا أنه شهد في فترات سابقة ارتفاع نسبة الحريات في كتابة المقالات والصحف الناطقة باللغة الكردية، بالإضافة إلى رفع حرية الصحافة في المطبوعات الكردية، والسماح لهم بتأسيس جماعات أدبية ومهنية واجتماعية من قبل الدولة الإيرانية، مع زيادة في الأحزاب والمراكز الثقافية الكردية. مما أدى إلى زيادة الولاء الكردي تجاه المركز، وتجميد مطالبتهم بالانفصال عن الدولة. ولكن هذه السياسة لم تستمر في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد؛ مما أدى إلى تقلص مشاركة الأكراد في عمليات الانتخابات، وشجع بدوره عودة مطالبتهم بالاستقلال والانفصال عن الدولة (8).

كما تعتبر محافظتا سيستان وبلوشستان من أكثر المحافظات تدهوراً في البلاد، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية على حد سواء. فنسبة الذين يسكنون تلك المحافظة لا يتجاوز 3.41%. وبالرغم من نمو معدل البنى التحتية في هذه المحافظة وبالأخص خلال السنوات الأخيرة إلا أن 49.62% ما زالوا من دون مكان ولا مأوى. أما معدل البطالة في هذه المحافظة فقد بلغ 37.92% بينها 22.71% مرتبط بالقطاع الصناعي. ولا يقتصر التدهور في هذه المحافظة على هذه المعدلات فقط، بل نلاحظ أن معدل النمو الاقتصادي في هذه المحافظة بلغ 40% وهو الأدنى في البلاد بينما جاوز معدل النمو الاقتصادي في محافظة طهران وهي العاصمة 96.5% وهو الأعلى في إيران (9).

جملة المظالم الواقعة على الأقليات العرقية والدينية في إيران، جعلت تلك الأقليات تتخذ منحيين في نضالها لكسب حقوقها، المنحى الأول كان سلمياً تظاهرياً وتنظيمياً بهدف الضغط على الحكومة المركزية لاكتساب حقوق المواطنة منها، أسوة بالمركز الفارسي-الشيعي، لكن التعامل الحكومي الأمني-القمعي تجاه الحراك السياسي الأقلوي، دفعت بفئات عديدة وفي أقاليم مختلفة لانتهاج المنحى المسلح المضاد في مواجهة القوة الحكومية، رافعين سقف المطالب إلى حد طرح مسألة حق تقرير المصير لكل إقليم بذاته.

إذ تصبح الهوية العرقية مهمة على نحو حاسم، لحظة إدراك وقوعها تحت التهديد أو الخطر. وبما أن العرقية جانب للعلاقة، فقد يقال إذن إن أهمية الحدود تكون مشروطة بالضغط الواقع عليها. من الجانب الآخر، فإن تعبيرات الهوية العرقية قد تعتبر كذلك، ليس كاستجابات سيكولوجية للتهديدات من الخارج أو محاولات لخلق نظام في الكون الاجتماعي فحسب، وإنما كأدوات رمزية في النضالات السياسية كذلك (10).

ثالثاً – تقارير المنظمات غير الحكومية عن الحقوق والحريات في إيران:

صدرت عديد من التقارير ذات المصداقية العالية، عن هذه المنظمات، تدين السلطات الإيرانية بارتكاب جرائم أو انتهاكات بحق الأقليات العرقية والدينية، ومن أحدث ما صدر عنها، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي (11):

  • طالبت منظمة Human Rights Watch بتاريخ 21/8/ 2013 من السلطات الإيرانية سرعة الإفراج ودون قيد أو شرط عن خمسة ناشطين في مجال حقوق الأقليات الإثنية الآزرية، ممكن حكم عليهم بالسجن لمدد طويلة، بسبب عضويتهم في حزب ينشط سلمياً من أجل الحقوق المدنية والثقافية للعرقية الآزرية في البلاد. كما طالبت السلطات باحترام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي تعتبر إيران طرفاً فيه.
  • طالبت منظمة العفو الدولية ومركز توثيق حقوق الإنسان في إيران و”هيومن رايتس ووتش” بتاريخ 26/7/2013 القضاء الإيراني بوقف تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق أربعة رجال ينتمون القومية العربية في الأحواز (باتهامهم “بجرائم” غامضة الصياغة، وهي محاربة الله ورسوله والإفساد في الأرض) بعد أن انتزعت منهم اعترافات بالإكراه. كما حرمتهم السلطات من التواصل مع محام، كما ضيقت على أقاربهم واحتجزت بعضهم. حيث قامت قوات الأمن والمخابرات باستهداف النشطاء العرب منذ أبريل 2005 بعد تقارير تفيد بانعقاد نية الحكومة الإيرانية على تشتيت عرب الأحواز من المنطقة وحملهم على فقدان هويتهم العربية الأحوازية. إذ أعدمت السلطات الإيرانية عشرات الأشخاص منذ انتخابات 2009 الرئاسية، ينتمي كثير منهم إلى أقليات عرقية، لارتباطهم المزعوم بجماعات مسلحة. في أعقاب اضطرابات في الأحواز في أبريل 2011.
  • طالبت “هيومن رايتس ووتش” بتاريخ 25/7/2013 السلطة القضائية في إيرانبإسقاط التهم الموجهة إلى 11 شخصاً من الطائفة الصوفية، وإلغاء الأحكام غير العادلة الصادرة في حقهم والتي تم إعلامهم بها في يوليو 2013. كما طالبت بوجوب إطلاق سراح الأشخاص المحتجزين على الفور ودون شروط. بعد أن تمت إدانتهم ومحاكمتهم بسبب نشاطاتهم السلمية ضمن أكبر طريقة صوفية في إيران أو بسبب مساهماتهم في موقع إخباري يعمل على كشف انتهاكات حقوق الإنسان ضدّ المنتمين إلى هذه الطريقة الصوفية.
  • في تقرير موجز لمنظمة العفو الدولية، بتاريخ 12/6/2013، صرحت المنظمة بأن السلطات الإيرانية قامت بتشديد حملة القمع ضد المعارضين قبل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية في البلاد في 14 يونيو. ويتضمن التقرير الموجز المعنون “إيران: تشديد قمع المعارضة في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية”، توثيقاً لعشرات حالات الاعتقال التعسفي وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الفترة التي تسبق يوم الانتخابات، واستهدفت صحفيين ونشطاء سياسيين ونقابيين وطلبة ودعاة منح المزيد من الحقوق للأقليات الدينية والعرقية في إيران. وقال فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية: “إنّ تصعيد القمع يُعتبر محاولة فاضحة من جانب السلطات الإيرانية لإسكات المعارضين ومنتقدي الحكومة قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية”.

خلاصة:

يمكن تحديد أشكال الهويات في إيران، وفقاً لما يلي:

  • هوية شمولية عرقية ترتكز على العنصر الفارسي، في مواجهة هويات عرقية عديدة.
  • هوية شمولية دينية ترتكز على المذهب الشيعي، في مواجهة هويات أقلية سنية وأقليات دينية صغرى أخرى.
  • هوية سياسية محافظة منغلقة على الذات.
  • التمايزات العددية على المستوى الهوية العرقية، لا تمنح تفوقاً مطلقاً لعرق على سواه.

ويمكن تحديد أشكال الصراعات الهوياتية في إيران، وفقاً لما يلي:

  • صراع بين هوية المركز الفارسي الشمولية وبين الهويات الفرعية في المحيط العرقي.
  • صراع مذهبي أساساً بين هوية الأكثرية الشيعية وهوية الأقلية السنية، وصراع ديني بين هوية الأكثرية الإسلامية وهوية أقلية صغرى من أديان أخرى.
  • صراع التحديث الهوياتي، بين نخب علمانية أو ليبرالية أو حتى متنورة وبين حماة الهوية المركزية الدينية-القومية بشكلها المحافظ والمسيطر على كل مفاصل الدولة سياسياً وثقافياً. أي صراع الهوية السياسية، (وهو ما سيتم التطرف إليه في أبحاث لاحقة).

ويتمثل أفق الصراع في محددات أبرزها:

  • استمرارية تغوّل السلطة المركزية على الهويات الفرعية، لصالح الهوية الجمعية الشمولية، وعليه تنشأ مزيد من الصراعات، والتي يرتبط حجم لجوئها إلى العنف بحجم العنف الأساسي الصادر عن المركز.
  • إعادة صياغة توافقية للهوية الجمعية بهدف تعزيز مفهوم مواطنة عصرية، بعد إجراء تحديث شامل للهوية ومنه للشرعية السياسية، وهو جهد يتطلب انبثاق فكر ثوري ما بعد حداثي للدولة والفكر السياسي فيها ككل، لا فرصة له في الظهور على المستوى المنظور على الأقل.
  • انعكاس الأوضاع الدولية والإقليمية على السلطة المركزية، ومنها الحصار وتراجع المستوى الاقتصادي والانخراط في حروب على جبهات المشرق العربي، مما قد يقود إلى إضعاف السلطة المركزية وفقدانها السيطرة المحكمة على الأقاليم العرقية، ومنه تنشأ وتتعزز حركات التحرر وأنصار حق تقرير المصير، وتظهر بوادر فدرالية أو كونفدرالية أو حتى دولنة تلك الأقاليم.
  • تدخلات خارجية مصلحية، إما تصادمية مباشرة مع السلطة الإيرانية المركزية، أو غير مباشرة لدعم أهداف استقلالية أقوامية في أقاليم بعينها. تؤدي الغرض السابق نفسه.

ويبقى أما الأقاليم الأقوامية العمل على اتجاهات ثلاث:

  • منحى خارجي: تعزيز إبراز عدالة قضاياهم على المستوى الدولي والإعلامي، بغية اكتساب مزيد من المناصرين والداعمين لاكتساب حقوقهم الشرعية.
  • منحي داخلي: يتمثل عبر تنسيق الجهود في الضغط باتجاه المركز سياسياً وسلمياً، لموازنة الضغط المركزي عليهم، بهدف انتزاع الحقوق وتبيئتها في المجتمع الإيراني ككل.
  • منحى بيني: وهو قد يكون الأهم، عبر تنسيق المطالب بين الأقاليم الأقوامية ذاتها، وتنسيق العمل معاً في ذات الاتجاهين السابقين.

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

مراجع:

(1) باتريك سافيدان، الدولة والتعدد الثقافي، ترجمة: المصطفى حسوني (الدار البيضاء: دار توبقال، الطبعة الأولى، 2011)، ص 65.

(2) توماس هايلاندا إريكسن، العرقية والقومية: وجهات نظر أنثروبولوجية، ترجمة: لاهاي عبد الحسين (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة 393، أكتوبر 2012)، ص 186.

(3) برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الثالثة، 2012)، ص 131.

(4) للمزيد حول التوزيع العرقي في إيران، يمكن العودة إلى المصادر التالية:

  • “صراع الفرس مع الأعراق الأخرى على الساحة الإيرانية”، 10/7/2009، في: http://arabic.cnn.com/2009/iran.2009/6/8/iran.ethnic.groups/
  • http://fanack.com/ar/countries/iran-invisible/population/
  • کامران شهسواري، “القوميات في إيران والحقوق السياسية 1″، مركز الجزيرة للدراسات، 9/6/2013، في: http://studies.aljazeera.net/reports/2013/06/201369162845674533.htm
  • Lionel Beehner, Iran’s Ethnic Groups, November 29, 2006, Council on Foreign Relations.

(5) کامران شهسواري، مرجع سابق.

(6) المرجع السابق

(7) Lionel Beehner, Iran’s Ethnic Groups, November 29, 2006, Council on Foreign Relations.

(8)کامران شهسواري، مرجع سابق.

(9) المرجع السابق.

(10) توماس هايلاندا إريكسن، مرجع سابق، ص 121.

(11) للاطلاع على مزيد من تقارير هاتين المنظمتين باللغتين العربية والإنجليزية، انظر: http://www.amnesty.org. وانظر كذلك: http://www.hrw.org.

الوسم : أقلياتإيران

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق