جمال عبيدي 2

سياسة اغتصاب الأراضي العربية في الأحواز

تعتبر سياسة سلب واغتصاب الأراضي في الأحواز من أهم السياسات الفارسية الممنهجة منذ تسعة عقود، دشنها رضا شاه البهلوي وتفنن بها نظام الجمهورية الإسلامية. وقد تكون الوثيقة الحكومية التي سربت في عام 2005 والتي عُرِفت في الشارع السياسي الأحوازي بـ وثيقة «أبطحي» نسبة لمحمد علي أبطحي، رئيس مكتب محمد خاتمي، الرئيس الإيراني الأسبق، والتي على إثرها اندلعت الانتفاضة النيسانية، خير دليل على النوايا الفارسية الاحتلالية الاستعمارية الممنهجة لتفريغ الأرض العربية من أصحابها، وهذه الوثيقة واحدة من مئات الوثائق والخطط الإجرامية التي نفذتها السلطات الإيرانية في الأحواز. حيث تؤكد هذه الوثيقة حرفياً على تهجير العرب من أرضهم واستبدالهم بالفرس وغيرهم من المواطنين الإيرانيين ليصل عدد المستوطنين من غير العرب في الأحواز خلال عشرة أعوام ثلاثة أضعاف السكان العرب الأصليين.

وفي واقع الأمر، بدأت هذه السياسات الممنهجة والمخالفة للأعراف والقوانين الدولية في العهد البهلوي الأول، وكان مشروع بناء الدولة والأمة الإيرانيتين -أي دولت/ملت- باكورة هذه السياسات والمشاريع العنصرية تجاه الشعب العربي الأحوازي. إلا أن مشروع الشاه الابن في العهد البهلوي الثاني والذي عرف بـ «ثورة الشاه والشعب» أو «الثورة البيضاء»، يعتبر من أهم المشاريع الفارسية السياسية التي طُبِّقت في تلك الحقبة التاريخية وكان لهذا المشروع تأثيرات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، لاسيما جغرافية بالغة التأثير والسلبية على المواطنين العرب وغيرهم من الشعوب غير الفارسية القاطنة في جغرافيا إيران السياسية.

ولهذا المشروع تسعة عشر مبدأ. ومن هذه المبادئ ما عرف بـمبدأ «إصلاح الأراضي» وكان الهدف الرئيس منه سلب أراضي المواطنين العرب، بحيث، وبناءً على الوثائق الفارسية التي تفيد أن نسبة الأراضي المملوكة للدولة الفارسية في عموم جغرافية إيران السياسة الحديثة كانت 10 بالمئة فقط. وما حصل في الأيام الماضية في محافظة عيلام الأحوازية وتحديداً في منطقة الجليزي الواقعة في شمال غرب الأحواز من اعتراضات واحتجاجات فهو امتداد طبيعي للرفض العربي المستمر منذ احتلال الأحواز في عام 1925 وإسقاط الحكم العربي في هذا القطر العربي الأصيل وليومنا هذا.

وعليه، تشير كافة المعطيات والوقائع الميدانية على أن هذه السياسات الفارسية الممنهجة والهادفة لتفريغ الأراضي الأحوازية من أصحابها العرب اشتدت وتيرتها بعد انتصار الثورة الإسلامية ووصول رجال الدين لسدة الحكم. وبالفعل نفذت السطات الفارسية بعد عام 1979 الكثير من المشاريع الاستعمارية بدءً من سلب واغتصاب الأراضي تحت مسميات عدة منها مشروع آزادكان في مدينة الخفاجية وغيرها من المشاريع الأخرى، وبناء السدود وحرف الأنهار إلى العمق الفارسي وسرقت المياه، مروراً بالمشاريع ذات الطابع الأمني وخاصة تلك التي تهدف لتغيير التركيبة السكانية من خلال جلب المواطنين الفرس وتوطينهم في المدن الأحوازية في مخيمات وأحياء تقام لهذا الغرض. ومن هذه المشاريع الاستيطانية الحديثة وأهمها في آن واحد، مشروع جلب المواطنين اللّر من موطنهم الأصلي في إقليم لرستان المحاذي للأحواز، وتوطينهم في العاصمة الأحوازية وضواحيها بغية تغيير التركيبة السكانية للعاصمة مما لهذه المدينة أهمية بالغة في الحراك سياسي العربي وتأثيره في باقي المدن العربية في الإقليم، ويشرف على هذا المشروع السياسي الضخم أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام اللّري الجنرال محسن رضائي.

إلا أن مشروع هاشمي رفسنجاني أو بالأحرى خطته الأمنية والسياسية لبناء السدود على تخوم الأحواز وحدودها مع بلاد فارس من أهم هذه المشاريع والخطط وأخطرها على الإطلاق على الوجود العربي في إقليم الأحواز مما لهذه السدود من تبعات جغرافية واقتصادية وأمنية وعسكرية خطيرة جداً. حيث كانت تعتقد القيادة العراقية (حزب البعث العربي الاشتراكي) في تلك الفترة على أن الأحواز أرض عربية، ولابد أن ترجع يوماً ما إلى العراق. هذا التوجّه العراقي تجاه الأحواز ولا سيما رغبة أبناء هذا الإقليم بالتخلص من الهيمنة الفارسية، شكّل لقادة الفرس في طهران إشكالية أمنية وسياسية حقيقية، تحتاج إلى حلول لسنوات أو حتى لعقود. ومن هنا، وبسبب الضعف العسكري والعقوبات الدولية المفروضة على طهران في تلك الحقبة التاريخية جاءت فكرة إنشاء سدود ضخمة على تخوم الأحواز وحدودها مع بلاد فارس، وعلى مصب الأنهار وروافدها، لتفتح هذه السدود عند الضرورة. وتمت هذه الخطة وتم بناء أول سد على نهر الكرخة العملاق (900 كيلومتر) وسمي هذا السد في الشارع السياسي الأحوازي بـ «قاتل العرب»، -أي عرب كش-.

وبالفعل، في حال تم تنفيذها -أي فتح هذه السدود الضخمة والواقعة حالياً على مرتفعات الأحواز-، والتي تُعرَف بـ “سلسلة جبال البختيارية -زاغروس، والتي تفصل الأراضي الفارسية (الهضبة الفارسية الحالية) عن الأراضي العربية الأحوازية، وبطول أكثر من 500 كم، وبارتفاع 4409 م، فإنه لا يمكن لأية دولة، ومنها العراق في تلك الحقبة، الهجوم على إيران -أي شمال الأحواز الغني بالنفط والغاز وما يملك هذه الإقليم العربي من موارد طبيعية تشكل 90 بالمئة من ما تملك إيران من ثروات-، وبمجرد أن تُفتَح هذه السدود، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى غرق أراض شاسعة من الأحواز وجنوب العراق بالكامل، وهو ما سيعيق تقدم أية قوات على الأرض. ومن ذلك، تجربة فتح مياه نهر الحميدية، في الأيام الأولى من حرب الثمان سنوات، وتمّ من خلالها إغراق المنطقة، وإيقاف تقدم الجيش العراقي، ومنع دخوله العاصمة الأحواز.

وأما خلاصة القول في هذه الورقة لابد أن نشير إلى أن لهذا المشروع وغيرها من المشاريع الخطط السياسية والأمنية الأخرى التي تعمل عليها تنفيذها السلطات الفارسية منذ تسعة عقود مضاعفات أمنية وبيئية خطيرة جداً على إقليم الأحواز خصوصاً والمنطقة العربية عموماً، بدءً من العراق ومروراً بالكويت وباقي دول الإقليم ومنها الخليج العربي. وما نشاهده اليوم من تلوّث بيئي عمّ إقليم الأحواز برمته فهو نتيجة حتمية ومتوقعة، أدت هذه الخطط والمشاريع الجهنمية لتجفيف معظم الأراضي والأنهار والأهوار والمستنقعات في الأحواز. وقد تؤدي في المستقبل القريب لا محال لهجرة جماعية تنهي الوجود العربي على أرض الأحواز ما لم تتحرك الجماهير العربية في الأحواز للحد من الخطر القادم على وجودها في أرض الأجداد.

جمال عبيدي

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق