eqtesad-iran

دور العامل الاقتصادي في اتفاق جنيف النووي مع إيران

مقدمة:

عمدت القوى الدولية ومجلس الأمن إلى فرض جملة عقوبات واسعة على النظام الإيراني، وخاصة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (تم تناولها بالتفصيل في بحث سابق)، أثبتت نجاعة أسلوب العقوبات كأداة لتغيير سلوك الدول بما يتفق مع القوانين الدولية، لناحية الآثار المرجوة منها وخاصة في البعد الاقتصادي.

حيث استطاعت العقوبات المفروضة على إيران، إحداث أضرار كبيرة في الاقتصاد الإيراني، دفعت النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات، هي في المحصلة تخلٍ عن البرنامج النووي ذي الطبيعة العسكرية، في حال التزام إيران بمضمون الاتفاق، أو إنهاء لعهد العقوبات باتجاه عمل عسكري واسع في حال تهربها من الالتزام ببنوده كاملة.

بل إن البعد الاقتصادي ذاته، هو الدافع الأكبر وراء تبني القيادات الإيرانية منطق التنازلات، في لحظة كان يتم التحضير فيها لجملة جديدة من العقوبات، ربما كانت لتشكل مسبباً لانهيار كامل للاقتصاد الإيراني، وما قد يستتبعه من انهيار في الأبعاد السياسية والاجتماعية والأمنية.

وسيتم تناول أهم الأضرار التي لحقت بمرتكزات الاقتصاد الإيراني، وملامح المخرج الاقتصادي الذي شكله اتفاق جنيف نووي، مع ملاحظة أن العقوبات الدولية لم ترفع بشكل كامل ونهائي، إنما بشكل محدود ولفترة اختبارية (ستة أشهر) لحين التأكد من التزام إيران بما يترتب عليها في هذا الاتفاق، قبل البحث في توسيع تعليق العقوبات أو رفعها، كما أنه لم يصدر قرار من مجلس الأمن بعد يعلق العقوبات التي فرضها على إيران.

 

أولاً- الأثر على القطاع النفطي:

يعتبر قطاع النفط الإيراني، أكبر القطاعات المتضررة من العقوبات الدولية المفروضة على إيران إلى جانب القطاع المصرفي والمالي، إذ أدت العقوبات إلى تدهور كبيرة في الإنتاج تبعه انخفاض كبير في التصدير، ومنه تقلص العائدات المالية الأهم في الدخل القومي الإيراني.

فوفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، تراجعت صادرات النفط الإيرانية إلى أقل من مليون برميل يومياً في يناير 2013 من 2.2 مليون برميل يوميا في أواخر 2011 مما يعني حرمان البلاد من إيرادات تزيد على 40 مليار دولار عن العام الماضي (1).

شكل رقم (1)

مستوى إنتاج النفط الإيراني بين أعوام 1976-2013 (مليون برميل)

naft1976-2012

وكشفت ورقة بحثية أعدها الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مجدي صبحي تحت عنوان “الاقتصاد الإيراني في عشر سنوات” عن زيف الادعاء الإيراني حيث طال تأثير هذه العقوبات أحد أهم القطاعات الحيوية في الدولة وهو قطاع النفط والغاز الذي يسهم بمقدار10-30% من الناتج الإيراني، ويقدم تقريباً 80-85% من جملة الصادرات الإيرانية. ومن المفارقات التي شهدتها إيران كثالث دولة نفطية على مستوى معدلات حجم الاحتياطات النفطية في العالم -يقدر بحوالي 136 مليار برميل- إلاّ أنّ حجم الإنتاج لم يزد خلال فترة ما بعد الثورة عن 4-4.2 مليون برميل يومياً. وهناك مفارقة أخرى بالنسبة لاحتياطي الغاز الذي تحتل إيران المرتبة الثانية عالمياً في مخزوناته، بينما لم تتمكن من زيادة الإنتاج قدماً مكعباً واحداً عن عصر الشاه، بطاقة إنتاجية قدرها 4 مليارات قدم مكعب يومياً. وقد جاءت العقوبات لتضيف تدريجياً المزيد من المشكلات في الدولة، فغلت يدها عن الاستثمار فيه والاستفادة منه، وأوضح الأمثلة على هذا هو عدم تطوير حقل آزربيجان الذي يعد من أكبر الاكتشافات على الإطلاق في عام 1999، ويمكنه إنتاج 62 مليار برميل، يليه حقل جنوب فارس (في مياه إقليم الأحواز) الذي يعد أكبر حقل غير مطور في العالم ويمكنه إنتاج 38 مليار برميل (2).

وتدل تجارب السنوات الأخيرة أن الحصار والمقاطعة النفطية لا يؤديان فقط إلى حرمان الدولة المنتجة من ريع نفطي يقدر بمليارات الدولارات سنوياً، بل الأخطر من ذلك، أنهما يؤديان إلى تدهور الطاقة الإنتاجية النفطية نظراً إلى عدم التمكن من التعاون مع شركات النفط أو شركات الخدمات الهندسية، ومن ثم إهمال الحقول المنتجة وعدم تطوير حقول جديدة. إذ شكلت مجموعة القرارات النفطية والمالية الضربة القاضية للاقتصاد الإيراني، حيث فقدت إيران معظم زبائنها النفطيين، كما كان صعباً تأمين الناقلات المحملة بالنفط الإيراني، ما عرقل الشحن وعطله، والأهم من ذلك، أنه لم تستطع الدول المستوردة الدفع بالدولار، ما أدى إلى عقد سلسلة من المفاوضات لإيجاد البدائل أدت إلى تأخر الدفع، وفي النهاية، اضطرت إيران، على مضض، إلى قبض الروبية الهندية لقاء نفطها. وشهد 2011 و2012 انسحاب الشركات النفطية الأوروبية من مشاريع تطوير الحقول البترولية الإيرانية، ما أدى إلى تأخر مشاريع وإلغاء أخرى وتقليص الزيادة المحتملة في الطاقة الإنتاجية، على رغم التعاقد لاحقاً مع الشركات الآسيوية (الصينية والهندية والماليزية) بدلاً من الشركات الأوروبية. كما أدت المقاطعة إلى تقليص قدرة إيران على استيراد المنتجات البترولية. واستطاعت طهران تقليص حجم الخسارة المالية بسبب الارتفاع في الأسعار (فوق 100 دولار للبرميل). وبلغ دخل النفط في 2012 نحو 69 مليار دولار، ويبقى رغم ذلك أقل من معدلات الدخل النفطي لعامي 2010 و2011 (3).

ويؤدي توقف الإنتاج إلى أضرار بنيوية دائمة في حقول الإنتاج، قد تُخرِجها كلياً من مجال الاستثمار في المستقبل، وهو ما يعني فقداناً دائماً لهذه الحقول.

ولابد من التنويه بأن أكثر 88% من النفط و100% من الغاز الإيراني، يستخرج من إقليم الأحواز العربي ومياهه (4)، عبر مئات الحقول التي تنتشر فيه، إذ تتجاوز الاحتياطات المقدرة في هذا الإقليم 70 مليار برميل نفط، إضافة إلى أكثر من 200 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي. ويليه في ذلك إقليم آزربيجان في الشمال، حيث تتمركز حقول للنفط والغاز حول بحر قزوين، إلاّ أنها غير مؤهلة حالياً للإنتاج التجاري، وتحتاج إلى بنية تحتية كبيرة في سبيل استثمارها.

وفيما تعتبر هذه الأقاليم، أقاليم أقوامية تشهد تنافراً سياسياً وهوياتياً، إضافة إلى تصدامات سياسية تصل أحياناً إلى مستوى المواجهة المسلحة؛ فإن مستوى إنتاج النفط بدوره لا يتعلق فقط بالعقوبات الدولية المفروضة على إيران، بل بمستوى الاستقرار السياسي في هذه الأقاليم من جهة، ومستوى التنمية الاقتصادي من جهة أخرى. فرغم أن هذه الأقاليم هي الحامل الرئيس للاقتصاد الإيراني –عبر النفط والغاز والمياه والزراعة- إلا أنها تشهد تهميشاً تنموياً لأسباب سياسية قومية ومذهبية، لا يعود عليها إلا بشيء محدود مما تملك من ثروات.

وعليه فإن أي صراع سياسي-هوياتي في هذه الأقاليم، سينعكس بدوره على قدرة إيران في إنتاج النفط والغاز منها، ويهدد خطوط النقل ومحطات التكرير، وهو ما قد يشكل عاملاً إضافياً في نفور الاستثمار الدولي في مجال الطاقة في تلك المرحلة.

شكل رقم (2)

توزع حقول النفط والغاز في الأحواز

kart-iran

ومع رفع العقوبات الدولية بشكل جزئي ومؤقت عن إيران، بعد اتفاق جنيف النووي، وعودتها المرتقبة إلى سوق النفط والغاز العالميين، فإنها ستواجه جملة من الإشكاليات في ذلك، أبرزها:

- البحث من جديد عن أسواق تستقبل إنتاجها من النفط والغاز وتوسيع دائرة زبائنها، بعد تحول كثير منهم إلى أسواق أخرى.

- ستحتاج إيران إلى عقود ضخمة للاستثمار وإعادة تأهيل آبارها التي ما تزال قادرة على الإنتاج، أو استثمار آبار جديدة، في ظل نقص كبير في الاحتياطات المالية الإيرانية. أي أن صيغة الاستثمار ستكون إما تحت ضغط الديون أو تحت ضغط شروط شركات الاستثمار العالمية.

- إن إعادة ضخ النفط والغاز الإيرانيين في السوق العالمي بكميات كبيرة، سيترتب عليه انخفاض في أسعار هذه المواد، نتيجة ارتفاع المعروض، مما سيخفض من العائدات المرجوة من التصدير، والتي ستنخفض مع الارتفاع في الإنتاج لتعويض سنوات الحظر. مما سيستدعي تدخل منظمة أوبك لتخفيض الإنتاج العالمي الكلي، وتغيير حصص الدول الأخرى، بما فها حصة إيران ذاتها. وخاصة مع توقعات بزيادات ضخمة في الإنتاج النفطي الأمريكي في السنوات القادمة، وتحول الولايات المتحدة من مستهلك إلى مصدر جديد للنفط.

 

ثانياً- الأثر على القطاعين المالي والمصرفي:

أدى الانخفاض الكبير الذي لحق بالإنتاج النفطي الإيراني، إلى تقلص أحد أهم الموارد المالية للدولة من جهة، وأحد أهم موارد العملة الصعبة من جهة أخرى.

وفقا لتقديرات خبراء اقتصاديين فان الاحتياطيات الأجنبية هبطت إلى 70-80 مليار دولار عام 2013 بعد أن بلغت أكثر من 100 مليار دولار في نهاية 2011. حيث كان النفط يشكل ثلثي إيرادات الحكومة تقريباً لذلك وجهت العقوبات ضربة شديدة لموارد الدولة. لكن ضعف الريال خدم الحكومة الإيرانية –جزئياً- بأن مكنها من تحقيق أرباح من خلال بيع بعض العملة الصعبة التي تأتيها من النفط إلى القطاع الخاص بأسعار أعلى بكثير من مستواها قبل عام (5).

وفقاً لدراسة قامت بها مؤسسة Roubini Global Economics ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكيتان، فإن الاحتياطي الإيراني من النقد الأجنبي انخفض إلى ما دون مستوى 80 مليار دولار عام 2013، وُظِّفت ثلاثة أرباع هذا المبلغ (60 مليار دولار) في حسابات الضمان في الدول التي تشتري النفط الإيراني –نتيجة قانون العقوبات الأمريكية الذي دخل حيز التنفيذ منذ فبراير 2013-، وبموجب هذا القانون لا يمكن لإيران إنفاق هذا المبلغ سوى عبر شراء منتجات من تلك الدول. ويبقى من الصعب الحصول على ما تبقى (20 مليار دولار) سوى بنقله نقداً –نتيجة طرد إيران من الشبكة المصرفية العالمية “SWIFT”المسؤولة عن نقل الأموال إلكترونياً-. وقد أدت العقوبات إلى مشاكل عدة منها عدم القدرة على عقد صفقات تجارية، إذ يضطر المديرون التنفيذيون لنقل حقائب النقد إلى صرافي الشوارع ومن خلالهم إلى مصرفيي الخارج، عدا عن الكلفة المالية العالية لهذه العملية، حيث تعتبر هدفاً مغرياً للصوص والمحتالين، وكثيراً ما اختفت تلك الأموال نتيجة عمليات السرقة أو النصب (6).

وقد شهد عام 2011 تراجع الريال الإيراني ليصل مقابل الدولار الواحد إلى ما بين 34 و 37 ألف ريال مقابل 22 ألف ريال، حيث شهد النمو الاقتصادي تراجعاً واضحاً في 2012 ليبلغ 0.4% مقابل 2% في 2011، و5.9% في 2010 (7). وتزيد القيمة الجديدة لسعر صرف الريال عن ثلاثة أضعاف القيمة الرسمية التي يحددها البنك المركزي الإيراني عند 12,260 ريال للدولار (8). إلا أن الريال عاود الانخفاض عام 2013 ليبلغ مستوى 40 ألف ريال إيراني لكل دولار أمريكي واحد.

شكل رقم (3)

 سعر صرف الريال الإيراني مقابل الدولار الأمريكي

dollar-ryal

انعكس انخفاض الاحتياطي المركزي من النقد الأجنبي وانخفاض قيمة الريال الإيراني، على حجم السيولة في السوق الإيراني، إذ ترافق ذلك مع تضخم في حجم السيولة من ناحية، وتدهور القطاع المؤسساتي والمصرفي نتيجة نقص السيولة من ناحية أخرى. وقد قدّم وزير الاقتصاد الإيراني شرحاً لمسببات هذا التناقض، منوهاً على أن سوء الإدارة الحكومية طيلة العقود الماضية راكم من تلك الأزمة.

إذ أكد وزير الاقتصاد الإيراني علي طيب نيا (9) “منذ الماضي كان ومازال النظام الاقتصادي للبلاد يدور حول محور البنوك، ومن جهة أخرى واجه النظام المصرفي خلال السنوات الأخيرة انحساراً في الموارد، وفي الحقيقة يواجه الاقتصاد الإيراني نوعاً من التناقض”. وأوضح أنه: “حسب آخر الإحصاءات، بلغ حجم السيولة النقدية بالبلاد 500 ألف مليار تومان (1 تومان = 10 ريال)، فيما تجاوزت نسبة التضخم 40 %، ومازال معدل التضخم ينمو بوتيرة تصاعدية“.

وهو ما انعكس على العملية الإنتاجية في البلاد “رغم وجود الحجم الكبير من السيولة النقدية في الاقتصاد، إلا أن مراكز الإنتاج تعاني من قلة السيولة، وحسب آخر التوقعات، فإن 68% من مراكز الإنتاج تواجه مشكلة رئيسية باسم قلة السيولة والاستثمار، فمن جهة السيولة النقدية عالية ومن جهة أخرى يواجه الإنتاج قلة في السيولة“.

وهذا الاختلال في القدرات المصرفية يعود لعقود طويلة ماضية “خلال السنوات الـ 40 الماضية، كانت نسبة الفائدة الحقيقية سلبية في البنوك، لأن معدل التضخم طيلة هذه الفترة كان أعلى من نسبة الفائدة. الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على التسهيلات المصرفية“.

ومن ذلك تظهر كثير من النتائج السلبية “فالتضخم ليس النتيجة الوحيدة لازدياد السيولة النقدية، بل تؤدي أيضا إلى الركود الاقتصادي على الأمدين القصير والبعيد، لأن أسعار السلع المستوردة تصبح بالتدريج أرخص من السلع المنتجة بالداخل، وتحل محل السلع المحلية، ما يؤدي إلى ظاهرة الركود في الاقتصاد، لذلك فإن اللجوء إلى الموارد المصرفية لن يؤدي إلا إلى تكريس الركود“.

ولا يرى الوزير مخرجاً قريباً لهذه الأزمة: “إذا كنا نأمل بأن يرفع الحظر في المستقبل القريب ويؤدي على الأمد القصير إلى حصول انفراج في الاقتصاد، فهذا مجرد وهم باطل، لأن رفع الحظر يتطلب إجراءات طويلة الأمد، وحتى إذا نجحت المفاوضات، وحتى إذا ازدادت العائدات النفطية، فلقد شاهدنا أضرار استخدام هذه الموارد سابقاً“.

 

ثالثاً- الأثر على القطاع التجاري:

إن الأضرار التي لحقت بالإنتاج النفطي وموارده، وبالتالي بحجم السيولة النقدية والأداء المصرفي والمؤسساتي، إضافة إلى العقوبات التي تشمل قطاعات عديدة أخرى؛ انتقلت تلك الأضرار إلى قطاع العلاقات التجارية الخارجية، لتشهد هي الأخرى اختلالات تعصف بالاقتصاد الإيراني. حيث فقدت إيران كثيراً من أسواق سلعها الخارجية، واضطرت إلى اعتماد شركاء تجاريين وفقاً لشروط هؤلاء الشركاء، لا على مبدأ التنافس الحر، والمزايا التفضيلية.

فعلى سبيل المثال، انخفض حجم المعاملات التجارية بين الإمارات العربية المتحدة وإيران بنحو الثلث خلال العام الماضي، وفقاً لغرفة تجارة أبو ظبي. حتى الدول التي تحتفظ بعلاقات تاريخية وثيقة مع إيران، مثل الهند، أجبرت بفعل الالتزام بالقرارات الدولية على خفض وارداتها من النفط الإيراني (10).

وقد فرضت العقوبات العديد من التشوهات في الحياة اليومية، إذ أدى اقتصار السماح لإيران باستخدام مبيعات النفط لشراء منتجات الدول التي تستورد النفط الإيراني، إلى امتلاء المحلات الإيرانية بالبضائع الصينية ذات الجودة المنخفضة، كما ويتم بناء العديد من مشاريع البنى التحتية من قبل شركات صينية –بغية التخفيف من عبء البطالة والكساد-. فكما كان للعراق برنامج تحت مسمى “النفط مقابل الغذاء”، فإن إيران ووفقاً لمحللين اقتصاديين إيرانيين تشهد برنامجاً شبيهاً لكن يمكن تسميته “النفط مقابل السلع غير المرغوب بها”. ووفقاً للخبير الاقتصادي الإيراني محمد صادق، فإن الحكومة الإيرانية قد أصبحت رهينة بيد الدول المستفيدة من العقوبات، وخاصة الصين، التي وصفها بأنها أسوأ شريك تجاري لإيران على الإطلاق. إذ احتكرت الصين التجارة الإيرانية، عدا عن قطاع صناعة الطاقة، مقابل الدعم الإيراني للبضائع الصينية التي تضطر إيران لاستيرادها على حساب تدمير الإنتاج المحلي. كما تخلت الصين عن عديد من المشاريع في قطاع النفط والغاز قبل اكتمالها (11).

 

رابعاً- الأثر على القطاع الصناعي:

أدت العقوبات المفروضة على إيران وآثارها إلى توقف 90% من الصناعات النسيجية في البلاد، وبشكل متوسط فإن ما يقارب 50% من مصانع البلاد الإجمالية، إما أنها متوقفة عن الإنتاج أو أنها غير فعالة. وتم تسريح نصف مليون عامل من أعمالهم عام 2010، أضيفوا إلى 5 ملايين عامل عاطل عن العمل. في حين يشهد سوق العمل دخول مليون عامل سنوياً حيث تلتحق الغالبية منهم إلى صفوف العاطلين عن العمل، ليرتفع حجم البطالة في عام 2013 إلى 7 مليون عاطل عن العمل. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني يتميز بأنه اقتصاد متنوع فلديها مساحة زراعية كبيرة تزيد على 10 ملايين هكتار تسهم بحوالي 14-16% في الناتج، وهناك صناعة تحويلية تسهم بـ 17% من جملة الناتج أيضاً. إلا أن النظام الإيراني لم ينجح في توظيف تلك الميزات لصالحه، ولم ينجح النظام الإيراني طيلة عمر الثورة الإيرانية في إنقاذ البلاد من أزمة التضخم المستمرة والتي يرجح أن تتفاقم خلال السنوات المقبلة.

وطالت العقوبات المصرفية الكثير من الصناعات التي تستورد المواد الأولية أو قطع الغيار، على غرار قطاع السيارات الذي تراجع إنتاجه بنسبة أكثر من 42% منذ أوقفت مجموعة “بيجو” الفرنسية صادراتها كافة إلى إيران في مارس 2012، علماً أنها كانت تعتبر إحدى شركائها الأساسيين. وتأثر قطاع السيارات برمته الذي يوظف أكثر من 500 ألف شخص، ما أدى إلى تسريح عمال وإغلاق مصانع لدى شركات ثانوية. ويصعب تقييم أثر العقوبات الدقيق على الصناعة والمجتمع، نظراً إلى تعتيم وسائل الإعلام الإيرانية على الموضوع، بعد دعوتها إلى الامتناع عن نشر معلومات “تسيء إلى المصلحة الوطنية” كما أسمتها تلك الوسائل (12).

 

خامساً- الأداء الحكومي وانعكاسه على الوضع المعيشي:

اتفق الكثير من الخبراء على أنه بصرف النظر عن العقوبات، فإن النتائج الاقتصادية الهزيلة لإيران تعود أيضًا إلى “الإدارة “الكارثية” منذ 2005 التي أشرف عليها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وحذر بول سوليفان من جامعة جورج تاون بواشنطن من أن “الاقتصاد الإيراني متماسك أساساً بفضل التهريب. وعاجلاً أم آجلاً فإن الشعب سيقرر أن الأمور لم تعد بخير، والمواطن الإيراني المتوسط الحال يتعرض لضغوط ويمكن توقع عدم استقرار” (13).

إذ بلغت معدلات البطالة 45%، وهي متواصلة. بعد أن بلغت نسبة التضخم بلغت (رسمياً) 22%، لكنها في الحقيقة تساوي ضعف هذه النسبة. كما يعيش 30 مليون إيراني تحت خط الفقر النسبي، وأعداد هؤلاء في تزايد. كما ارتفعت أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية، والارتفاع ماضٍ إلى أعلى. وتشهد (بين الحين والآخر) بعض المناطق الإيرانية، تأخراً في رواتب موظفيها (قبل ستة أشهر تأخرت رواتب حتى العاملين في مفاعل ”بوشهر” النووي) (14). في حين بلغ الدين الحكومي للبنوك والقطاع الخاص قرابة 500 ألف مليار تومان.

ويعزو مراقبون فوز الرئيس السابق محمد خاتمي إلى تطلع الشعب الإيراني نحو الديمقراطية، أما فوز الرئيس حسن روحاني فيعزى إلى الأزمة الاقتصادية الداخلية بسبب المقاطعة، ومن ثم تململ الشعب من سوء إدارة البلاد وتطلعه إلى العيش برخاء وسلام من دون مغامرات خارجية وبرامج تسلح باهظة الثمن. ويشبّهون سياسة الضغط الاقتصادي الحالية بالسياسة المماثلة التي انتهجها الرئيس الأميركي رونالد ريغان خلال الثمانينات إزاء الاتحاد السوفييتي، حين كانت موسكو تنفق مليارات الدولارات على برامج التسلح وتقدم شتى أنواع المساعدات للدول الحليفة في المعسكر الاشتراكي، ما خفض مستوى معيشة الشعب الروسي وألقى أعباء باهظة على موازنات الدولة وأدى من ثم إلى تفكك الاتحاد السوفييتي. وقد حدد الرئيس حسن روحاني ثلاث أولويات في بداية حكمه، هي قطاع الهيدروكربون، والسياسة الخارجية، والاقتصاد الداخلي. وكلِّف نائب الرئيس للتخطيط والأمور الإستراتيجية محمد باقر نوبخت ووزير المال علي تايبنية إجراء دراسة عاجلة وشاملة للتوصل إلى معرفة دقيقة وواقعية لما آل إليه وضع الاقتصاد الإيراني. وتوصلت الدراسة إلى أن حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، على عكس ما أشاعت، لم تخفق فقط في عدم تحقيق أي نمو اقتصادي خلال 2010 – 2011 و2011 – 2012، بل إن النمو تراجع خلال هذين العامين نحو 5.4%، فيما سجل معدل التضخم نحو 45%، وليس 37% كما ادعت حكومة نجاد، وأن الإدارات السابقة أوجدت 140 ألف فرصة عمل جديدة خلال ثماني سنوات، وليس سبعة ملايين كما ادعت. وأعلن وزير النفط الجديد بيجان زنغانة، على عكس ما كان أعلنه سلفه، أن الطاقة الإنتاجية البترولية تقلصت خلال الأعوام الثمانية السابقة ولم تتوسع (15).

وقامت الدولة لضبط الاستهلاك المحلي بحظر استيراد سلع فاخرة مثل السيارات الأجنبية والهواتف المحمولة بينما خفضت الدعم للطلبة الذين يدرسون في الخارج. وسيطرت الحكومة على صادرات الذهب لتزيد من صعوبة نزوح رؤوس الأموال من البلاد. ويقول محللون إن النتيجة النهائية هي أن إيران قد تتفادى أزمة في المدفوعات الخارجية حتى لو استمر تراجع صادرات النفط. وقال صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2013 إن إيران ستسجل عجزا في الميزانية قدره 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام وهو ما تستطيع الحكومة تحمله بسهولة لأن ديونها الإجمالية تمثل 9% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن العقوبات تخفض مستوى معيشة الإيرانيين إذ إن ضعف الريال يدفع التضخم للصعود من خلال رفع تكاليف الاستيراد. إذ أصبح من الصعب الحصول على بعض الأدوية. وتشكو المستشفيات من نقص أدوية لعلاج السرطان والسكري وأمراض أخرى (16).

 

سادساً- الأطر الاقتصادية في اتفاق جنيف النووي:

شكل اتفاق جنيف النووي بين القوى الكبرى (5+1) وإيران بداية مخرج للأزمة الاقتصادية التي كادت أن تعصف بالدولة الإيرانية في حال استمرارها، حيث دفعت القيادات الإيرانية وعلى رأسها المرشد، نحو إنجاز اتفاق تتمكن إيران من خلاله من إعادة ضخ الأموال في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص قبل حدوث انفجار مجتمعي على عدة مستويات.

ولم يقدم الاتفاق رفعاً كلياً وشاملاً للعقوبات الدولية المفروضة على إيران، إنما كان بمثابة اختبار لمصداقية النظام الإيراني في الالتزام بالبنود المتعلقة بالنشاط النووي، مقابل عدم فرض عقوبات جديدة طيلة الفترة الاختبارية (ستة أشهر). كما تعهدت الدول الست توفير إغاثة محدودة ومؤقتة لإيران، مع الحفاظ على الغالبية العظمى من العقوبات المفروضة عليها، بما في ذلك شكل العقوبات النفطية والمالية والمصرفية. وفي حال رفضت إيران الوفاء بالتزاماتها ستقوم المجموعة الدولية بإلغاء الإغاثات.

كما علّق الاتفاق بعض العقوبات على الذهب والمعادن الثمينة وقطاع السيارات، وصادرات إيران من المواد البتروكيماوية، بما يقدم لإيران قرابة 1.5 مليار دولار من العائدات السنوية. ورخّص لها كذلك عمليات التصليح المتعلقة بالسلامة داخل إيران لبعض شركات الطيران الإيرانية.

وسمح لمشتريات النفط الإيرانية بالبقاء على المستوى الحالي المنخفض بنسبة 60% عما كانت عليه قبل عامين، على أن يتم تحويل مبلغ 4.2 مليار دولار من هذه المبيعات إلى إيران على دفعات إذا وفت إيران بالتزاماتها. كما سمح بتحويل 400 مليون دولار من المساعدات الدراسية الحكومية، من الأموال الإيرانية المحظورة، مباشرة إلى المؤسسات التعليمية المعترف بها في دول العالم الثالث لتغطية تكاليف الرسوم الدراسة للطلبة الإيرانيين.

كما سهل الاتفاق المعاملات الإنسانية التي يسمح بها القانون الأمريكي، المتعلقة بشراء إيران للمواد الغذائية والسلع الزراعية والأجهزة الطبية، بالإضافة إلى تسهيل المعاملات لتغطية النفقات الطبية المتكبدة في الخارج، وقد استثني منها المعاملات التي توفر لإيران الفرصة للوصول إلى أي مصدر جديد للأموال (17).

وقد علق الرئيس الإيراني حسن روحاني على الأوضاع الاقتصادية في بلاده بأن حكومته ورثت مشاكل اقتصادية عديدة حيث يوجد ركود وتضخم في الوقت نفسه، “لكننا متفائلون بالمستقبل، وهذه ليست وجهة نظري وحدي ولكنها وجهة نظر فريقي الاقتصادي الذي يرى أن بإمكاننا مواجهة هذه المشاكل في وقت قصير”. وأشار إلى أن سبب التفاؤل هو النجاح في وضع حد لارتفاع التضخم بشكل نسبي في الشهور الأخيرة، حيث تراجع من نسبة 43% إلى 36%. وأضاف أنه “بالنسبة للنمو الذي كان بالسلب العام الماضي بنسبة 5.8%، نسعى إلى جعله في نسبة 0%، وفي الوقت ذاته فإن اتفاق جنيف النووي خلق مناخاً إيجابياً في وسط الأعمال”، وقال إن هذه التقديرات لا تعتمد على رفع العقوبات المفروضة على إيران، لكنها إذا رفعت فستنعكس إيجابياً على الاقتصاد (18).

وقد لخص الباحث الأحوازي جمال عبيدي صيغة الاتفاق، باعتباره اتفاق إذلال لإيران، اضطرت من خلاله إلى فتح باب التنازلات الكبرى، وأولها التخلي عن مشروعها النووي غير السلمي، مقابل ضمان استمرار النظام الإيراني عبر منحه دفقاً اقتصادياً يعيد الحياة للمؤسسات الإيرانية.

 

خاتمة:

شكل اتفاق جنيف النووي، بادرة دولية لحل أزمة الملف النووي الإيراني، بالأسلوب السلمي، بعيداً عن منطق استخدام القوة المسلحة في فض المنازعات الدولية، مما يقي المنطقة من حرب قد تتسع أضرارها لتشمل كافة دول الإقليم. لكن ذلك يبقى مناطاً بحجم التزام النظام الإيراني بالترتيبات المفروضة عليه في هذا الاتفاق، لناحية إيقاف العمل في منشئات الحصول على الماء الثقيل ومعالجة البلوتونيوم، والاقتصار على نسبة 5% في تخصيب اليورانيوم، وفتح المنشئات النووية أمام التفتيش اليومي لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويشكل الاتفاق كذلك، آلية لاستدراك انهيار الاقتصاد الإيراني، في لحظة كان النظام الإيراني أحوج ما يكون إليها، عبر اعتماد منطق المقارنة ما بين امتلاك سلاح نووي على حساب استقرار النظام أو انهيار المجتمع اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. وعليه فإن تراجع القيادات الإيرانية عن الالتزام بمضمون الاتفاق سيكون بمثابة إنهاء تام لفرص حل المسألة النووية الإيرانية من جهة، ودفعاً بكافة مقدرات الدولة الإيرانية وتسخيرها في سبيل طموحات شخصية لتلك القيادة.

ويبقى الأهم على المستوى العربي، هو استدراك مواطن الخلل الأمني في البيئة العربية، التي استغلها النظام الإيراني طويلاً، سواء لناحية تعزيز التكامل العسكري والاقتصادي، أو بناء قوة عربية قادرة على امتلاك سلاح ردعي وقت الضرورة، أو معالجة الأزمات العربية التي فتحت المجال أمام نفوذ إقليمي إيراني يشكل ضغطاً أمنياً وهوياتياً على المجموع العربي، وخاصة في دول إقليم المشرق العربي.

 

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

 

مراجع:

(1) عبد المنعم هيكل، “تحليل: الاقتصاد الإيراني بعيد عن الانهيار رغم تشديد العقوبات”، وكالة رويترز، 20/2/2013.

(2) أحمد عليبة، “الاقتصاد الإيراني يدفع فاتورة السياسة”، الأهرام الرقمي، 27/9/2010.

(3) وليد خدوري، “النفط في أسبوع: آثار العقوبات على نفط إيران”، صحيفة الحياة، 6/10/2013.

(4) للمزيد حول ثروات إقليم الأحواز العربي، انظر: قيس بني تميم، “الأحواز قطر عربي يمتلك ثروات كبيرة”- جزئين، مركز المزماة للدراسات والبحوث، 14/11/2013- 25/11/2013.

(5) عبد المنعم هيكل، مرجع سابق.

(6) Thomas Erdbrink, “Iran Staggers as Sanctions Hit Economy”, The New York Times, 30/9/2013.

(7) “الاقتصاد الإيراني يترنح، لكن النظام ليس في خطر”، صحيفة الدستور الإلكتروني، 5/10/2012.

(8) محمد السمهوري، “عقوبات غربية مؤثرة: هل ينهار الاقتصاد الإيراني بعد الهبوط الحاد للريال”، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، 14/10/2012.

(9) وكالة أنباء فارس، 26/10/2013.

(10) جون دفتريوس، “آفاق الاقتصاد الإيراني بعد أحمدي نجاد”، قناة سي إن إن بالعربية، 3/7/2013.

(11) Thomas Erdbrink, “Iran Staggers as Sanctions Hit Economy”.

(12) “سفراء الاتحاد الأوروبي يوافقون على تشديد العقوبات على إيران”، فرانس 24، 12/10/2012.

(13) “الاقتصاد الإيراني يترنح، لكن النظام ليس في خطر”، مرجع سابق.

(14) محمد كركوتي، “الروحانية لن تنقذ الاقتصاد الإيراني”، العربية نت، 25/6/2013.

(15) وليد خدوري، مرجع سابق.

(16) عبد المنعم هيكل، مرجع سابق.

(17) للمزيد انظر: “البيت الأبيض ينشر بنود اتفاق جنيف النووي”، الوطن العربي، 24/11/2013،

www.alwatanalarabi.com

(18) “أجواء تفاؤل في بورصة طهران وسوق الصرافة بعد الاتفاق النووي”، صحيفة الشرق الأوسط، 1/12/2013

الوسم : إيران

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق