LIBYA-CONFLICT-IS

داعش … الفكر قبل القتل أحياناً

فى ظل عالم متناقض ومتغير تدفعه المصالح مهما كانت التكلفة، عالم لم يتحرك لمقتل الآلاف من الأطفال فى سوريا وتحرك لمقتل الطيار الأردني، صحيح أنه عمل وحشي، ولكن المجتمع الدولي يتحرك لحل مشاكل دون الأخرى تحت شعار حقوق الانسان والديمقراطية. إن المجتمع الدولي يحصد نتيجة تناقضه الفكري بين داعش الفكر والعمل الفعلي، داعش هي جماعة إرهابية ولدت في منطقه الشرق الأوسط، وتحمل تناقضات كثيرة في مجمل فكرها، تقول إنها جاءت لتنصر الإسلام وهي تقتل المسلمين وتدمر ثقافتهم ومكتسباتهم، ليس هذا فقط بل إن مسرح عملياتها داخل حدود الوطن العربي فقط! حتى في الحرب ضد داعش، تحارب بعض الأنظمة العربية داعش، وهي تمارس أفكار داعش فى شعوبها من قتل وتدمير!!

استوقفني العديد من المشاهد في هذا السياق في الإعلام العربي. المشهد الأول خبر فى الإعلام “… إسلام يكن شاب مصري مسلم من طبقة راقية اجتماعياً ينضم الى داعش”، بعد ذلك بأيام، فيديو منتشر على شبكة الانترنت لمشهد أحد عناصر تنظيم داعش يقول “إن الرسول محمد بعث بحد السيف !!”، ثم يذبح 21 مصرياً تختلط دمائهم بالبحر، وتناسى أن القرآن الكريم يقول (وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ).

المشهد الثاني خبر في الاعلام “… جمهور نادى فيورتينا الإيطالي لكرة القدم يخلد سجدة اللاعب الخلوق محمد صلاح فى مبارياته فى الدورى الإيطالي”.

المشهد الثالث خبر في الاعلام “… مقتل ثلاثة من الطلاب المسلمين فى أمريكا، وسط تجاهل الإعلام الأمريكي للحدث في ولاية كارولينا بالولايات المتحدة، على يد مواطن أمريكي”!!

بين أبطال المشهد الأول والثاني، في المشهد الأول، أراد توصيل فكره بالعنف فى اعتقاد منه أنه يقوم بنصرة دينه، وبين المشهد الثاني شاب مصري أيضاً أراد توصيل فكره بحبه لدينه. بين المشهد الأول والثاني الكثير من الدوافع، ولكن اختلفت الصور والأساليب.

المشهد الثالث، لماذا لم تهتم الأنظمة بحادث مقتل الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة؟ ولم تستحوذ على نفس الاهتمام العالمي بجرائم داعش؟ مع الملاحظة أن الجريمة لا تختلف كثيراً عن جرائم داعش!

الإعلام أحد أهم الأدوات لتشكيل وعي ومعرفة الرأي العام في أي مكان بالعالم، ففي مصر مثلاً يموت المئات من الشباب سواء فى المظاهرات أو من عناصر القوات المسلحة او الشرطة، بسبب الإرهاب او الإهمال فى حوادث الطرق أو المستشفيات، دون أن يُحَاسب أحد!! أو حتى أن يلقي الإعلام الضوء على المطالبة بمحاسبة عادلة. كل هذا يخلق دافعا للانتقام لدى الجميع دون مبرر، وسط غياب الفكر الحقيقي، بسبب فشل السلطات، فالكل يجب أن يُحَاسب، فلا يحاسب أحد لا مهنياً أو جنائياً أو حتى سياسياً في تحقيق العدالة وفرض سيادة القانون.

فالإهمال والقهر أهم دافع للإرهاب، فاذا بدأ شاب حياته، ولم يستطع أن يثبت نفسه فى الحصول على عمل مناسب، أو دراسة ما يحبه، ودون توجيه فكري صحيح، فما كان إلا أنه من الإحباط أن أصبح خطراً على المجتمع، بل بدأ يسلك التطرف كفكر، ووصل الأمر أنه انضم إلى داعش، وأصبح نموذجاً فاشلاً وخطراً على بلده.

فكيف يمكن للشباب أن يتحول اجتماعيأ ويتطرف دينياً بهذه الصورة وماهي دوافع ذلك؟ وكيف يمكن أن نحافظ على الشباب؟ هذه أمور تحتاج إلى دراسات اجتماعية متعمقة، ولكنه يثبت بلا أدنى شك أن الحل الأمني لا يكفي وحده دون النظر إلى فكر الشباب وأملهم فى التغيير، فماذا حدث بعد ثورة يناير في مصر؟ معظم الرموز والنخبة كانت عبئاً على الثورة والإصلاح أكثر منها مفيدة لها، فالساحة السياسية تفتقد للنموذج المعتدل والأكثر شمولاً للخروج من هذة الفتن، وإلى الآن يوجد من يستغل طاقة الشباب مع قلة خبراتهم للوصول إلى أهدافهم، دون النظر للشباب، فعدم المشاركة السياسية للشباب، وغياب دورهم في الساحة السياسية والاقتصادية، وفساد الساحة في الكثير من دول الشرق الأوسط، وخصوصا بعد أحداث الربيع العربي، والتى لم تستقر حتى الآن، فإن الشعوب إذا انفجرت صعب أن تعود كما كانت.

فالأنظمة العربية قبل أن تحارب داعش، تساهم هي في صناعة داعش مرتين، مرة بالفشل فى تحقيق العدالة، ومرة أخرى بقمع الشعوب وقتل المزيد من الشباب وتهميش دورهم، وعدم إيجاد البديل لهم. فالإرهاب يتناسب عكسياً مع التنمية الاقتصادية والعدالة في أي مكان بالعالم، والفرق بين شاب أوصل فكره بنجاحه كمحمد صلاح، وشاب أوصل فكره بالعنف، فهذا يؤثر في مستقبل الشعوب بالنمو والإيجاب، والآخر يؤثر في حياة ووجود مستقبل الشعوب. فهناك نماذج للشباب تحولت فكرياً دون دوافع اقتصادية، بل قررت اختيار الطريق مثل إسلام يكن ببيع دينه ووطنه، ليقتل ويدمر مع الإرهاب، دون وعي لما يصنعه.

يبقي الفرق أن الفكر أقوى من السلاح، فإن كانت داعش قد استغلت مئات الشباب فى العالم بالفكر، فيجب محاربتهم بالفكر. الحل يكمن هنا، فالتطرف موجود في كل دول العالم، وتختلف صوره، فإذا كانت داعش رمزاً للإرهاب والتطرف، فإن فكر داعش ليس حكراً على هذه الجماعة فقط، فمن يفكر في الإقصاء والقتل، يعتبر أيضاً من أنصار الفكر الداعشي. فالفتاة المحجبة على سبيل المثال، والتي كانت حتى وقت قريب في مصر لا تستطيع العمل كمذيعة في التليفزيون المصري، نتيجة معاناتها من التهميش، في هذا نوع من أنواع القهر الذي تتبناه داعش، والذي فرق بين جريمة مقتل الصحفين فى فرنسا ومقتل الطلاب المسلمين فى أمريكا يساند فكر داعش.

سنجد الكثير فيما بيننا ينصار فكر داعش، سواء كان بإرادته أو بدون فكر، وفي نفس الوقت يحاربها، فإن كانت السلطة المطلقة تُخرِج أسوأ ما في النفس البشرية، فإن فساد الأنظمة يُنتِج أسوأ ما في الشعوب. داعش خطر يهدد كل منزل فى العالم العربي، دون مواجهة حقيقة لفكره.

ختماً، فإن الإرهاب ليس ظاهرة قاصرة على الإسلام فقط، والكثير من الأنظمة العربية أو حتى العالمية تصنع الإرهاب ثم تحاربه. إن التحدي الحقيقي للعالم وللمجتمع الدولي هو نشر قيم التسامح والتعايش، والمحافظة الفعلية على حقوق الانسان، فنشر الفكر الصحيح والبعد عن التطرف الديني والسياسي هو السبيل الوحيد لعالم أفضل في الغد.

محمد محمود

باحث ومحلل سياسي

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق