ben-beih

خطاب التجديد في فكر ابن بيه: الدولة والمواطنة والعالمية

pdf

تحميل خطاب التجديد في فكر ابن بيه الدولة والمواطنة والعالمية PDF

أنتجت الثورات العربية سيولةً فكريةً مضطربة، لحِقت بكافّة مفاصل الفكر العربي على السواء، على شكل اتجاهاتٍ فكريةٍ متضاربةٍ إلى حدّ التوظيف العنفي في مواجهة الآخر المختلف فكرياً أو أيديولوجياً أو حتى هُوِيّاتياً على مستوى العرق والدين. وهو ما غذّى سلسلة حروب بينيّةٍ داخليةٍ وعابرةٍ للحدود، تتّسع لتشمل مكوِّناتٍ مجتمعيةً أكبر، وصولاً إلى مرحلة تفتيت الدول العربية القائمة، دون امتلاك القدرة على إعادة بنائها سواءً بشكلها السابق، أو بأشكالٍ هُوِيّاتيةٍ ضيّقةٍ جديدة.

أنتجت هذه السيولة كذلك، نخباً فكريةً جديدةً هشّة، غير قادرةٍ على مواجهة هذه المتغيرات، ورأت خلاصها الفردي والجماعي إمّا بالتخلي الكلّي والطوعي عن الهُوِيّة الأصلية لأصحابها، نتيجة إحباطها من الحالة العنفية المتّسعة، وربما جهلها بأهميّة الموروث الهُوِيّاتي. والبحث عن هُوِيّةٍ مستقاةٍ من الحالة العولمية، تشمل تحطيم اللغة العربية ذاتها، والاستعاضة عنها باللغة الإنجليزية باعتبارها اللغة العالمية حالياً، دون الانتباه إلى الانتقالات الحضارية في اللغة العالمية، والتي توحي بانتقالها إلى مراكز خارج المجال الإنجليزي. وقد استندت إلى قراءاتٍ انتقائيةٍ مجتزأةٍ للتجارب العالمية تتناسب مع طرحها هذا، وهي وإن لم تمتلك أدوات تفعيل هذا الطرح، فإنّها قد دفعت باتجاه إلغاء الآخر فكرياً، والتعرّض لكل قِيمِه وثقافته، عبر أصوليةٍ علمانيةٍ متطرفة.

أتت هذه النخب في مواجهة الشكل الآخر، وهو الدفع القسري نحو أصوليةٍ دينيةٍ جاهلةٍ بارتباط النصّ بالمصلحة العامّة وبالمتغيرات الداخلية والدولية، باتجاه قراءاتٍ انتقائيةٍ أخرى، تعيد المجموع العربي إلى حالةٍ بدائيةٍ في عمليةٍ أشبه بنكوصٍ تاريخي، كنتيجةٍ حتميةٍ لفشلها الذاتي في استيعاب هذه المتغيرات، وعدم قدرتها بالتالي على ابتكار منطقٍ حداثيٍّ قادرٍ على إعادة إنتاج التاريخ والهوية والتراث. ونتيجة فشلها هي الأخرى في فرض منهجها فكرياً، اتجهت لتفعيل نصوص تُجيز لها الحالة العنفية، وفق القراءات الجاهلة الخاصّة بها وحدها.

وفي ظلّ هذين التوجهين، تعزّز لدى كثير أنّ الهُوِيّة الإسلامية والعربية هُوِيّةٌ عقيمةٌ غير قادرةٍ على النهوض بذاتها، وعلى التفاعل الحضاري مع الأمم العالمية، نتيجة سلوكها العنفي والإقصائي، بل وحتّى التدميري لذاتها قبل سواها، مستندين إلى شخصياتٍ هدفت إلى إبراز الذات على حساب العقل والمنتوج الفكري.

وفي البحث عن الخلاص الهُوِيّاتي الحافظ والمتجدّد والمتفاعل، كان العلامة الموريتاني عبد الله بن بيه، وقبل عقود عدّة، يشتغل على هذا المنحى، طارحاً كمّاً معرفياً غير مسبوق، وفق سياقاتٍ اتسمت بقدرتها على مقارباتٍ واقعيةٍ وتواصلية. واتسم منهج الشيخ بالضبط المعرفي الدقيق لكلّ طروحاته، فهو أولاً يوضّح الإشكاليات التعريفية للقضية التي يتناولها في الفكر العربي والغربي معاً، وتبيان الفروقات التأسيسية للمصطلح، قبل الانتقال إلى تفكيك كامل القضية على ذات المنحيَيْن الفكريَّيْن، ومن ثمّ إعادة بنائها وفق مفاهيم عصرنا، وبأدواته ومنطقه. بمعنى أنّ الشيخ استطاع إحداث آلية لربط الموروث الفكري العربي والغربي بالحالة المعاصرة، وصولاً إلى تقديم رؤيةٍ حداثيةٍ بالمفهوم الغربي، للقضايا العربية والإسلامية.

وحيث يتّسِم المنتوج الفكري للشيخ ابن بيه بغزارةٍ لا يتّسع لها مجالنا المقالي هذا، فإنّنا نحاول تسليط الضوء على حيزٍ صغيرٍ منه، استناداً إلى بعض ما كتبه من أبحاثٍ أو مقالات، على أن تكون مقدّمةً لعمليات بحث أكبر. حيث نتناول في هذا المقال، بعضاً مما طرحه الشيخ حول الدولة والمواطنة في الفكر الإسلامي. مستندين بدايةً إلى منهج الشيخ ابن بيه:

“إنّ المفهوم القائل بوجود مفاهيم تنظيميةٍ معينةٍ مضبوطةٍ ضبطاً كافياً لإيضاح تفاصيل السلوك لكل الكائنات العاقلة على الأرض، وفي كلّ كوكبٍ آخر، وفي كلّ مجموعةٍ شمسية، هو مفهوم يستحقّ الإهمال، فذلك هو مفهوم نمطٍ واحدٍ من الكمال يهدف إليه الكون كلّه”.

بداية، يرى ابن بيه، أنَّ الدولة في الإسلام هي آلةٌ من آليات العدل وإقامة الدين، وليست دولةً ثيوقراطيةً بل مدنيةً بمعنى من المعاني، لكنها بالتأكيد ليست دولةً علمانية. إنّها دولة يكون للدين فيها مكانُه ومكانتُه في مزاوجةٍ مع المصالح واتساعٌ من التأويل، لا يقوم عليها رجال دين، ولكنْ رجالٌ مدنيون بمختلف الطرق التي يصل بها الحكّام إلى الحكم، قد تكون بعض الطرق مفضّلةً بقدر ما تُحقِّق من المصلحة والسِّلم الاجتماعي والاقتراب من روح الشرع ونصوصه. والإشكال في العلاقة بين الدين والدولة كان قائماً في كل العالم ليمنح شرعيةً لقول “هيجل”: لا يكفي أنْ يقول لنا الدين: “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. لأنّه يبقى علينا بعد ذلك أنْ نعلم على وجه الدِّقة ما هي الأشياء التي لقيصر (1).

ويرى ابن بيه، أنّ العلاقة بين الدين والدولة يمكن أن تُتصور على ستة مستويات (2):

المستوى الأول: اندماجٌ كاملٌ بمعنى أنَّ نظامَ الدولة يعتمد على النصوص الدينية، وتمارسه سلطةٌ مفوضةٌ من الإله، معصومة، هذا هو مفهوم الثيوقراطية.

المستوى الثاني: نظامٌ يقوم على نصوصٍ دينية، يُمارسُ السلطةَ فيه علماءُ دينٍ لكن ليس لهم تفويضٌ إلهي، فهم لا يمارسون أعمالهم باسم الإله ولا نيابةً عنه، ولكنّهم يسعون ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية.

المستوى الثالث: أنْ يكون التشريعُ مستمدَّاً من النصوص الدينية، ولكن الذين يمارسون السلطةَ فيه ليسوا علماء دين، ولا رجال دين، بل مدنيون ملوكٌ أو قادة جيوش، تارةً باسم النسب والعصبية، وتارةً عن طريق القوّة والغلبة. إنهم يستمدّون شرعيتهم من الدين، ويُفسِحون المجال لفقهاء الدين لممارسة القضاء والفتوى والتوجيه، وبالتالي تنشأ طبقة الفقهاء موازيةً لطبقة السلطان.

المستوى الرابع: نظام لا يكون التشريع فيه مستمداً من نصوص الدين؛ لكنه يعترف بمرجعيةٍ دينيةٍ للشعب أو للدولة، قد يستمدّ بعض قوانينه من الشريعة كالأحوال الشخصية مثلاً، وفي نفس الوقت يمارس وصايةً على المؤسسات الدينية كالمدارس الدينية ودور العبادة، وفي مقابل ذلك فإنّه يتحمل التكاليف المادية اللازمة لتشغيل المؤسسات. ونتيجةً لذلك قد يضمن ولاءَ مجموعةٍ من رجال الدين، وقد يَسنُّ قوانين تهتم بالأخلاق أو بالشعائر، ويكسب بذلك شيئاً من الشعبية إنْ لم نقل شيئاً من الشرعية، مثال المحافظين الجدد وبعض الدول الإسلامية.

المستوى الخامس: دولةٌ تطبق نظاماً مدنياً كاملاً، وتجعل الدين شأناً خاصاً لا علاقة له بالمجال العام ولكنها لا تعارضه، أي “دولة علمانية”.

المستوى السادس: دولةٌ لا دينية، وتناصب الدين العداء؛ بحيث تتدخل في الشئون الدينية تحجيماً وتقليصاً، وقد كان لهذا دعاةٌ في أوروبا في وقت من الأوقات، ومثاله الدول الشيوعية وتركيا الكمالية.

وبالتالي، يخلُص الشيخ ابن بيه، إلى أنّ الدولةَ في الإسلام ليست دولةً دينيةً بالمعنى الثيوقراطي المفهوم في الغرب، وبخاصةٍ بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أما في زمن النبي الخاتم فلقد كان يمكن وصفها بذلك؛ لأنّه ناطقٌ بالوحي متصرفٌ بإذن الله تعالى مهما يكن من تفسيرٍ لتصرفاته.

ورغم التحولات الهائلة في نظام المجال السياسي وسلطة الدولة، فإنه ووفقاً لابن بيه، فلم تتعرّض ثوابت النسق السياسي لتغييرٍ جوهري، ولفترةٍ طويلةٍ بقي المستوى الثالثة هو السائد في دول الخلافة. ولم يبقَ هذا الأنموذج إلّا في مناطق قليلةٍ لم يمتد إليها الاستعمار، وهي بلاد الحرمين، ولأسبابٍ تاريخيةٍ ودينيةٍ معروفة.

وفى العصر الحديث، وبعد دخول الاستعمار الغربي لديار العالم الإسلامي وانجلاءه عنها، ترك ازدواجيةً قانونيةً بين الشريعة والقوانين الوضعية، التي هي في الحقيقة قوانينٌ أوروبيةٌ مُنتَجةٌ هناك مع بعض التعديلات غير الجوهرية. وأصبحت المؤسسة الدينية الرسمية تقوم بدورها في الشعائر الدينية والدعوة إلى الأخلاق، دون إلزام. وهي تشبه إلى حدٍّ ما دور الكنيسة في اتفاقية الكونكوردات النابليونية في العلاقة بين الكنيسة والدولة. ولم تلغِ أيّة دولة من الدول الإسلامية إلى الآن دور الدين ولو شكلياً، حتى إنَّ المؤسسة الأتاتوركية العلمانية بالمعنى المناهض للدين، ظلّت تحتفظ بمؤسسةٍ دينيةٍ لتنظيم الشعائر (3).

ويرى الشيخ ألّا تعارض جوهرياً بين الديمقراطية الحداثية والشورى الأصالية، فكلا المفهومين هو بحثٌ عن أدوات خلاصٍ بشريةٍ عقلانيةٍ ومدنية، لا تربط الحاكم بالدين وفق شكله الثيوقراطي.

إذ يرى، أنَّ الأصلَ في النظام الإسلامي أنّه يقوم على البيعة والشورى، وبتفسير هذين المفهومين يجد أنّهما لا يبتعدان في نتائجهما كثيراً عمّا وصلت إليه الأنظمة العقلانية، مع تحفّظه على الممارسات التي تتمّ باسم الدين. فالديمقراطيةَ التي يرى البعضُ أنها نهاية المطاف أو نهاية التاريخ قد تُمارَس بطريقةٍ غير ديمقراطيةٍ، حتى ولو احترمت الشكلَ، فإنَّ المضمونَ قد يكون مُختلاً، وفي بعض الأحيان مأساوياً، فإنَّ أدولف هتلر وصل إلى الحكم بطرقٍ ديمقراطيةٍ والنتائج معروفة. لكنَّ موقف أكثر علماء المسلمين على أنّه لا تلازم بين الحاكم والفقيه وإن كان يوجد نظرياً من يُلزم الحاكم بأن يكون مجتهداً، ولكن سرعان ما وقع فصلٌ تامٌّ بين الاثنين منذ الدولة الأموية بعد الخلافة الراشدة فانفصلت طبقة الفقهاء عن طبقة الحكام؛ إلا أنَّ الفقهاء ظلوا يمارسون السلطة القضائية وسلطة الإفتاء والتعليم (4).

ويضيف، إنّ ديمقراطية نصف المصوتين زايد واحد قد لا تكفي، بل تحتاج إلى مقاربةٍ أخرى لضمان السلم والوئام والاستقرار، وهما الشرطان الضروريان للاستثمار والازدهار لصالح الدين والدنيا. وهي معادلةٌ تسمح بالتعامل مع الواقع المتجدّد المتمثّل في ضرورات الحياة وحاجياتها وإكراهاتها، دون اغترابٍ عن بيئة الشريعة ولا خروجٍ عن مظلتها، انطلاقاً من مبدأين أو كليّين؛ هما: كليّ العدل المنصوص عليه في أكثر من نص. وكليّ السلم الاجتماعي المقرّر في عشرات النصوص؛ ولهذا فإنّ تصرفات الخلفاء الراشدين -التي قد يلحظ فيها المستشرق ما يحسبه ملوكيةً محضةً أو علمانيةً على حدّ وصف بعضهم لبعض ملوك الدولة الإسلامية- إنّما ترجع إلى مقاصد الشريعة، وإلى أنَّ المكانة المتاحة للعقل البشري في رعاية مصالح الناس من صميم الشريعة، ومن هنا يكون ملتقى الإسلامية والحداثة، وتتهيأ الأرضية المناسبة لإقامة دولةٍ إسلاميةٍ حديثةٍ، لتكون مستدامةً ومستمرة ؛ لأنّ أيّة دولةٍ في العالم الإسلامي تضرب صفحاً عن موروثها الإسلامي وعن مقتضيات العصر الحديث لا يمكن أن تكون مستدامةً ولا مستمرة (5).

“إنَّ نظام الشورى يصبّ في جدولٍ واحد هو “العدالة” في الإسلام، والتي بإمكانها أنْ توفر للإنسان ما نقدر ونظنّ أنَّ الديمقراطيةَ تبحث عنه من إسعاد الإنسان، وما نظنّ أنّها لم تصل إليه بَعدُ؛ باعتبار الديمقراطية كالشورى وسيلةً وليست غاية، والديمقراطية محطّةٌ من محطات الإبداع الإنسان وليست نهاية التاريخ، فالبحث عن إسعاد الإنسان إذاً هو هدفٌ مشتركٌ للديمقراطية والشورى معاً (6)“.

ويظهر انفتاح الشيخ الفكري على الفكر الغربي، ومحاولة عقلنته عربياً، من خلال موقفه من العلمانية، التي يرى في قيمها الكبرى في الحالة المحايدة قيماً إيجابية، تتمثل في (7):

  • احترام المعتقدات.
  • الحياد بين مختلف الديانات.
  • الاعتراف بحقوق الإنسان الفردية والجماعية، بحيث تسهر الدولة على حمايتها.
  • حقّ الاختلاف والتنوع والتغيير في خصائص الأفراد والجماعات.
  • حقّ التحاكم أمام المحاكم الطبيعية لاستخلاص الحقوق وترتيب واجبات الأفراد في احترام القوانين ودفع الضرائب، للإسهام في المجهود الوطني لتسيير المؤسسات.
  • الدفاع ضدّ العدوان.

هذه الإيجابية في العلمانية المحايدة كما يراها الشيخ ابن بيه، هي برأيه نتيجةٌ لأنّها لا تتنافى مع القيم الكبرى التي تدعو إليها الديانات السماوية، وبخاصّةٍ الدين الإسلامي الذي يدعو إلى البرّ والمحبة والأخوّة الإنسانية. وبطبيعة الحال، فإنّ المنطقة الرمادية في التفاصيل، وكما يقول المثل: فإنّ الشيطان يقبع في التفاصيل، فقد يفسر البعض العلمانية تفسيراً يزحزحها عن الحياد لتكون تدخّليةً في خصائص الأقوام، وأداة تسلطٍ على المعتقدات، وهذا انحرافٌ عن المعنى الأصلي للعلمانية، وعلى كل الفئات أن تظلّ متمسِّكةً بعلمانيةٍ هي وسيلةٌ للتحرّر النابع عن القناعة الشخصية، وليس خاضعاً لمذهبٍ أيديولوجيٍ شموليٍ يريد أن يفرض مفاهيم خاصةً بناءً على أوهامٍ ذاتية. كما أنّ على الفئات بالمقابل أن تُظهِر تجاوزاً لبعض المظاهر النفسية للفئة التي تجعلها وكأنّها ليست معنيّةً بالهمّ الوطني الاجتماعي والاقتصادي والأمني، وأن تُكذِّب تَكهُّن أولئك الذين يريدون شيطنة تلك الفئة، التي يستجيب بعض سفهائها فيرتكبون عمليات تخريبٍ أو إرهابٍ فيصبحون بذلك حلفاء طبيعيين للمتطرفين من الجانب الآخر الذين يبتهجون لذلك (8).

وعلى ضوء فهمه للدولة وعلاقتها بالدين، ودور العلمانية فيها، يُحدِّد الشيخ مفهومه للمواطنة والولاء لهذه الدولة.

فأولا، يضبط هذه المصطلحات في المفهوم الحديث بعكس المفهوم التاريخي الذي يقوم على العرق أو الدين أو التاريخ المشترك، وعلى فرضية أنّ التنوّع نفسه يصبح قيمةً كبرى من خلالها يكون الانسجام من طريق التفاعل بين مختلف الخصوصيات للوصول إلى المصالح الكبرى للمجموعة، بتفعيل المشترك الإنساني وتحييد عنصر الإقصاء والطرد. كما يستبعد عنصر نقاء النسب الذي يؤدي إلى تقسيم المواطنين إلى درجاتٍ كما كان عند الرومان أو العرب في عصر الجاهلية.

فالمواطنة عنده رباطٌ أو رابطةٌ اختياريةٌ معقودةٌ في أفقٍ وطنيٍ يحكمه الدستور أو ما سماه الفيلسوف الألماني هابرماس بالوطنية الدستورية، أيّ شعور الفرد بانتمائه إلى جماعةٍ مدنيةٍ مؤسّسةٍ على المشاركة في القيم الأساسية (9).

ويرى أنّ المواطنة تتسامى على الفئوية لكنّها لا تلغيها، وأنّ المطلوب هو أن تتواءم معها وتتعايش معها تعايشاً سعيداً. لعلّ ذلك أهمّ تحول في مفهوم المواطنة في العصر الحديث، ولعلّه هو أهمّ جسرٍ لتكون القِيَم الدينية لكلّ مجموعةٍ بشريةٍ محترمةٍ ومقبولة. وإن هذا يلتقي مع المفهوم الإسلامي للتعايش البشري، فالمسلم لا يجد حرجاً بل قد يكون متعاوناً معها. ويذهب الشيخ إلى اعتبار أنّ المعايير الجديدة للمواطنة لا تكون إلّا بنوعٍ من تجاوز الذات لتحديد أبعاد المواطنة، التي سيكون من أهمّها بالنسبة للأقليات: احترام الآخر، والاعتراف بوجود دياناتٍ وثقافاتٍ مختلفة، وتحقيق الحريات، والاشتراك في إدارة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن العنف، لتكون المواطنة بوتقةً تنصهر فيها كلّ الانتماءات، وبقدرٍ من الانسجام والانتظام بين هذه العناصر والجماعة، يجد المواطن نفسه والجماعة مكانتها (10).

ويُحدِّد الشيخ ابن بيه، العلاقة بين الدين والمواطنة، من خلال تصورها في دوائر: منها ما هو مطلوبٌ شرعاً، ومرغوبٌ طبعاً، كحقّ الحياة، والعدالة والمساواة والحريات، وحماية الممتلكات، ومنع السجن التعسفي والتعذيب، وحقّ الضمان الاجتماعي للفقراء والمسنين والمرضى، والتعاون بين أفراد المجتمع للصالح العام، وما يترتّب عليه من واجبات: كدفع الضرائب، والدفاع عن الوطن ضدّ العدوان، والامتثال للقوانين وفاءً بعقد المواطنة. وهذا في حقيقته يدخل في الوفاء بالعهد واحترام مقتضياته، وذلك داخلٌ في الولاء للدين ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ”، وإنّ وسائل ما تقدَّم تكون في الاشتراك في الانتخابات والانتساب إلى الأحزاب والجمعيات (11).

ومنها، ما يُدخِله الشيخ في التعاون على البر والتقوى، وفق قوله تعالى ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))، وقد نزلت في العلاقة مع المشركين المحاربين فكيف لا يجوز مع المواطنين المسالمين، فإنّ العلاقة مع هؤلاء تحكمها آية الممتحنة ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين)) (12).

وعليه، فقد قدَّم الشيخ عدَّة طروحاتٍ في ضرورات تجديد الفكر التراثي، والعمل على إعادة إنتاجه وفق مفاهيم حداثيةٍ قادرةٍ على التواصل مع الآخر، وعلى إعادة الإنتاج الحضاري.

فالشيخ يرى أنّ التجديد لن يكون هدماً للتراث الأصيل، بل سيكون عملاً من خلاله، ولن يكون ترميماً وتلفيقاً بل سيكون دمجاً وأخذاً وعطاء. بل هو إحياءٌ لثقافتنا عبر منطلقاتٍ جديدةٍ بآليات العصر ووسائله، بحيث يكون التراث إطار المرجعية، ويكون التجديد توسيع وعاء الثوابت لتستوعب الحديث، وقولبة الحديث ليستوعب التراث. ويراه انطلاقاً من عقال الحيرة، وتزحزحاً عن مفترق الطرق، وانسجاماً بين الضمير الجمعي ومتطلبات العصر. ويحدِّد الخيار لاستراتيجي للتجديد بالتحرّك من خلال التراث إلى المعاصرة، ليكون التفاعل بين الاثنين أساس الصيرورة الثقافية. ويضبط الشيخ ميزات خطاب التجديد هذا، من خلال أنه (13):

  • خطابٌ موجّهٌ إلى الجميع، إلى كلّ من يبحث عن صالح هذه الأمة انطلاقاً من قناعة أنّ مستقبل الأمّة هو ما سيصنعه الجميع.
  • خطابٌ متأنٍ مُتّئدٍ حينما يتعلق الأمر بالمقولات والمفاهيم الإنسانية والاجتماعية التي تقترحها المعاصرة، بل إنّه يتعامل بشيءٍ من البطء والتروي إلى حدّ الانتفاء في الوقت الذي يُبذَل فيه كلّ جهدٍ لاستيعاب الجانب العلمي والتكنولوجي، بأكبر قدرٍ من السرعة المحكمة، مندفعاً للمنافسة في هذا الجانب بكلّ قوة.
  • خطابٌ حضاريٌ واعٍ لا يوجِّه اللوم إلى أحد، إذ يعتبر الجميع بفضائلهم ونقائصهم ومزاياهم ورزاياهم، ثمرة ثقافة هذه الحقبة التي نعيشها.
  • إنّه دعوةٌ إلى بناء إنسانٍ جديدٍ فخورٍ بأصالته، متفاعلٍ مع عصره، وهو يهدف إلى تنشئة جيلٍ عربيٍّ فاعلٍ وليس مفعولاً به، يستطيع بكفاءته الروحية والخلقية والنفسية والعلمية المنافسة في ميدان الحياة ومواجهة هذا القرن بتحدياته ومجهولاته.
  • خطابٌ يوجّه تحذيراً واحداً: هو أنّ الإشاحة بوجوهنا، والعزوف عن التجديد من منطلق استنطاق ثقافتنا ومنطق اليأس منها، وكذلك الانكفاء على الذات ومنطق اليأس من خير المعاصرة، سيخلفان ويخلدان المتمزق والضياع.

والهدف من خطاب التجديد عند الشيخ عبد الله بن بيه، هو الإنسانية جمعاء. حيث إنّ أيّة خطوةٍ جادةٍ نحو فكر التجديد وممارسته ستنعكس إيجابياً على الإنسانية ومردود الإدارة والإنتاج وقيمة الوقت والعلاقات الإنسانية والأمن البشري، وسيكون المردود إيجابياً على العالم كله؛ حيث سنوفِّر مَعبَراً إلى رحاب التنوّع الثقافي، لما لعالمنا من صلاتٍ تاريخيةٍ بنفس التواصل، ولما لموقعنا الجغرافي بين العالم الأصفر والأبيض وتشابك علاقتنا الثقافية مع هذه العوالم.

وقد رسم الشيخ أُسس التجديد في المكوّنات الثقافية في تعاملها مع ما بعد المعاصرة، انطلاقاً من مبدأين: العقل المصلحة. وترجمةً لثلاثة مقاصد: الضروري، الحاجي، والتحسيني. وتطبيقاً لخمس قواعد (14):

  • إلغاء الشكّ باليقين.
  • تحكيم أعراف الزمان.
  • إزالة الضرر، وضرورة الإنسان.
  • رفع المَشَقَّات، وإحلال اليُسر في التكليف محلّ العُسر.
  • الجريان في التكليف على المقاصد لا على الصور.

حيث يجعل العلامة عبد الله بين بيه، خطابه وفكره موجهاً بأبعادٍ إنسانيةٍ عالمية، لا تستثني أحداً منها، فهو خطاب للبشرية جمعاء، يؤصِّل لقيمٍ عالميةٍ مشتركة، تُظهِر الجانب الحضاري العالمي للدين الإسلامي.

ويضع أسس تلك القيم من خلال (15):

  • قرّر الإسلام مبدأ المساواة المطلقة بين الناس وردّهم إلى أصلٍ واحد، لأن رّبهم واحد وأباهم واحد، قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)). وقال عليه الصلاة والسلام: “يا أيها الناس إنّ ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد، كُلّكم لآدم، وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا أبيض على أحمر فضلٌ إلّا بالتقوى“.
  • إن العولمة في العالم الحالي ووسائلها والمواصلات والتواصل ألغت الحاجز المادي الذي تحدث عنه الفيلسوف وايتهد، إلّا أنّ الحاجز النفسي لا يزال قائماً.
  • رسالة النبي الخاتم سيدنا محمد (صلّ الله عليه وسلم)، هي للناس كافّة، قال تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون)).
  • قرّر الإسلام أنّ النزعة إلى الخير والإيمان والحقّ فطرةٌ لكلٌ الناس. قال تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله)).
  • تتألّف قيمة البشر من قابليتهم للإقناع، فهم يستطيعون أن يقنعوا ويقتنعوا بإظهارهم على مختلف الوسائل التي يمكن أن يُستعاض بإحداها عن الأخرى، فمنها الأحسن ومنها الأسوأ، والحضارة هي الحفاظ على النظام الاجتماعي بواسطة الإقناع الفطري الذي يتجسَّد باختيار الأفضل.
  • استخدام القوة مهما يكن ذلك حتميّاً، يكشف عن فشل الحضارة سواءً كان ذلك بالنسبة للمجتمع العامّ أم بالنسبة للأفراد.
  • إنّ الانسجام لن يكون مقتصراً على المجتمعات مختلفة الثقافة، بل إنّنا بحاجةٍ إلى إيجاد هذا الانسجام في حياة كلّ فرد، والذي قد ينتمي إلى ثقافاتٍ مختلفةٍ، وبالتالي قد ينشأ في نفسه نوعٌ من صراع القِيَم الذي يجب أن يتحوّل إلى انسجامٍ وإلى إثراءٍ لشخصيته، فهو مثلاً آسيويٌّ بأصوله، مسلمٌ بالديانة، بريطاني المولد والمنشأ.

ختاماً، يبقى أنّ ما قمنا باستعراضه من طروحات العلامة عبد الله بن بيه، لا يُشكِّل إلا نزراً يسيراً للغاية، في محاولة ضيقة المساحة لتسليط الضوء على فكرٍ إسلاميٍّ حداثيٍّ عابرٍ للحدود الهُوِيّاتية والثقافية، وقادرٍ على إحداث حالةٍ تواصليةٍ عالمية، بقيمٍ مشتركة، تُنحِي الأدوات العنفية، وتُقدِّم منهجاً سليماً لفهم الذات وفهم الآخر.

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

خاص بمركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

pdf

تحميل خطاب التجديد في فكر ابن بيه الدولة والمواطنة والعالمية PDF

الهوامش:

(1) عبد الله بن بيه، “مشروع دولة إسلامية حديثة قابلة للاستمرار ومستدامة”، الموقع الرسمي لموقع لمعالي العلامة عبد الله بن بيه: http://www.binbayyah.net/portal/research/1459.

(2) عبد الله بن بيه، “علاقة الدين بالدولة: وجهة نظر إسلامية”، الموقع الرسمي لمعالي العلامة عبد الله بن بيه: http://www.binbayyah.net/portal/research/143.

(3) المرجع السابق.

(4) المرجع السابق.

(5) عبد الله بن بيه، “مشروع دولة إسلامية حديثة قابلة للاستمرار ومستدامة”، مرجع سابق.

(6) عبد الله بن بيه، “علاقة الدين بالدولة: وجهة نظر إسلامية”، مرجع سابق.

(7) عبد الله بن بيه، “الولاء بين الدين وبين المواطنة (نموذج المسلمين في بلاد الأقليات)”، الموقع الرسمي لمعالي العلامة عبد الله بن بيه: http://www.binbayyah.net/portal/research/621.

(8) المرجع السابق.

(9) المرجع السابق.

(10) المرجع السابق.

(11) المرجع السابق.

(12) المرجع السابق.

(13) عبد الله بن بيه، “الثقافة العربية والمستقبل”، الموقع الرسمي لمعالي العلامة عبد الله بن بيه: http://www.binbayyah.net/portal/research/151.

(14) المرجع السابق.

(15) عبد الله بن بيه، “القيم المشتركة”، الموقع الرسمي لمعالي العلامة عبد الله بن بيه: http://www.binbayyah.net/portal/research/148.

شارك هذا المقال

  1. نواف شعيفان الأزمع 9 أكتوبر, 2014 at 14:25 رد

    بلا شك أن الدين و القرأن لا يكره الناس و لا يتعارض مع العلم خاصة النافع منه و كذلك كل ما يتوصل إليه البشر من وسائل لخدمة الإنسانيه و حماية فطرتها و أمنها و حقوقها و صحتها و حريتها. و بلا شك بأن إرثنا الإسلامي المدون بأيدي البشر اللذي طاله الخلل يحتاج إلى تنقيح و تنقيه من ما لحق به من نصوص تم وضعها لحماية التنافس على السلطه فقط مما أدى لتطرف أبعد في المعتقد بدافع الإبتعاد و الإستقلال من الأخر المنافس لا غير، لذا يجب أن يتم حذف كل نص يتعارض مع كلام الله القرأن الكريم اللذي تعهد بحفظه و الشيء الوحيد المؤكد لنا جميعاً و نجمع على أنه محفوظ من أهواء البشر اللتي عجزت أن تطوله بالتحريف لتعهد الله بحفظه بإعجاز غير مسبوق و هذا التنقيح يجب أن يكون شامل لكافة المذاهب الإسلاميه بدون إستثناء فيجب أن تكون المراجعه شامله ليتحقق مفهوم الوحده اللذي نادى بها كتاب الله و دمرها أعداء الإمه بأيدي أبنائها بنصوص يكشف غبائها و غباء معتنقها كتاب الله!!

اترك رداً على نواف شعيفان الأزمع إلغاء الرد