tunisia

تمدد الإمبريالية الإيرانية إلى تونس: الإسنادات والأدوات

تتوالى التصريحات الإيرانية بسلمية سياستها الخارجية وعلاقاتها البينية مع الدول العربية، في تناقض واضح مع السلوك الخارجي المدروس للامتدادات الإيرانية المتّسعة باستمرار، مستندة إلى جميع
الأدوات المتاحة لها، بدءً من أدوات القوة الناعمة المرتكزة على ربط البيئة المستهدفة عبر جملة اتفاقيات تعاون مشترك في عديد من المجالات، وتوظيف للتاريخ وفق قراءات مجتزأة، وصولاً إلى إعادة تشكيل الحاضن الاجتماعي الثقافي-الديني للبيئة المستهدفة من خلال إعادة تمذهبه شيعياً.

لتنتقل إيران في مشروعها إلى مراحل متقدمة، عبر توظيف أدوات قوتها الصلبة، والتي بلغت أقصاها في سورية، عبر إسناد نظام الأسد بالسلاح والميليشيات، بل الإشراف والمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية الموجهة ضد المجتمع السوري، بعد أن رسّخت ذاتها عبر الأدوات السابقة.

ويكتسي المشروع الفارسي طابعاً إمبريالياً توسعياً، من خلال الدفع إلى الهيمنة على مزيد من البيئات العربية، وصولاً إلى حالة تبعيتها المطلقة للمرشد في طهران. وتبقى دائماً عملية الاستهداف موجّهة تجاه بيئات عربية، ترى فيها مجال نفوذها الاستراتيجي-الإمبريالي، متوافقة مع المتغيرات القائمة في بيئة النظام الدولي، بما يسمح لها بالمناورة والمساومة والتعاون.

ونحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على المشروع الإيراني المتمدد حديثاً باتجاه تونس، وإسناداته وأبعاده، وأدوات ترسيخه، باعتبار تونس بوابة إيران إلى شمال إفريقيا وغرب المتوسط.

أولاً- في طبيعة المشروع الإمبريالي الإيراني:

يشكل التاريخ المجتزأ مادة مهمة لبناء الفكر التوسعي الفارسي، على اختلاف أشكال الأنظمة السياسية التي توالت على فارس، إذ ادعت كافة تلك الأشكال أحقية إيران (فارس) التاريخية في “استعادة” بناء امبراطوري كان لها أن تقيمه في مراحل من التاريخ القديم، وفق ادعاءات هذا التاريخ. متصادمة بشكل مستمر مع البيئة العربية التي وجدت فيها منافساً وخصماً تاريخياً وعقائدياً رئيساً، بل وخصماً رخواً سياسياً قابلاً للتفتيت والاختراق، خاصة في العقود الأخيرة، التي توافقت مع قيام النظام الإسلاموي-القومي في إيران، لتبدأ حالة التمدد الفعلي من خلال أولى حروبها المعاصرة تجاه البيئة العربية (حرب الخليج الأولى (1))، بعد أن رسخت بناء كيانها الحديث (إيران)، بالتسلط والاستيلاء على الأقاليم المحيطة بالمركز الفارسي.

ويمكن تقسيم أشكال التمدد الإمبريالي الإيراني في البيئة العربية، وفق بؤر متوالية، تتغير طبيعتها القائمة وفقاً للمتغيرات الإقليمية والدولية، إلا أنها تبقى ثابتة في الفكر المؤسس للمشروع الإيراني:

-      بؤر الارتكاز الاستراتيجية: وتشكل هذه البؤر عماد المشروع الإمبريالي الفارسي، وقاعدة التأصيل له عربياً، ومنطلق العمليات التوسعية اللاحقة، وتشمل كلاً من العراق ولبنان وسورية. وقد استطاعت إيران فرض هيمنة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة عليها، وتحديد أطر العلاقات السياسية داخلها وفق إملاءات من الحرس الثوري.

-      بؤر تمدد استراتيجي: وتشكل هذه البؤر أهمية كبرى، لناحية استقرار المشروع الإمبريالي، وحمايته، عبر تغليفه البؤر الأولى بمناطق عزل ثقافي-مذهبي، تتحول لاحقاً إلى عازل سياسي-عسكري تجاه المحيط الخارجي، يمنع تسرب مقاومة خارجية عربية إلى داخل الكيان الإمبريالي، وتشمل اليمن ومصر والسودان، وهي ما تزال في طور الترسيخ، حيث تتفاوت قدرات إيران في هذه الدول، من محاولات ولوج في مصر، إلى تعاون واسع في السودان، إلى اختراق ميليشياوي في اليمن.

-      بؤر التوسع الفائض: وتشكل مناطق هذه المجموعة، فائضاً استراتيجياً في المشروع الفارسي، يستكمل به الهيمنة على العالم العربي ككل، جاعلاً منها خط دفاع أول، وربما قابل للمساومة في مواجهة المشاريع المنافسة له. وتشمل دول المغرب العربي، حيث تعتبر تونس بوابتها، وتشكل هذه البؤر داعماً إسنادياً لوجستياً للبؤر السابقة، عبر توظيف مواردها في ترسيخ المشروع الإيراني.

-      الهدف الاستراتيجي الأعلى: ويشمل دول الخليج العربي كافة، وصولاً إلى السيطرة المباشرة على الحرمين الشريفين، وفق ادعاءات دينية-قومية، عبر إحاطة هذه الدول ببؤر ارتكاز وتمدد، واختراقها من داخلها عبر تغذية صراع الهويات المذهبية، وتعتبر البحرين البوابة الرئيسة لهذا الهدف، إضافة إلى محاولات الاختراق العديدة عبر الكويت وقطر وعمان.

أي إن المشروع الفارسي، مشروع بعيد المدى، يستهدف كافة المحيط العربي، مستفيد من كافة الاضطرابات الواقعة في هذه البيئات، دافعاً إلى توظيفها بأقصى حدودها من خلال جملة آليات اختراق، لعل من أهمها:

-      الربط بين إيران والبيئة المستهدفة عبر اتفاقيات التعاون (الاختراق الدبلوماسي).

-      الإسناد التاريخي (الاختراق الثقافي).

-      إنشاء جملة مشاريع استثمارية ذات أبعاد استخبارية (الاختراق الاقتصادي).

-      إعادة بناء المجتمع مذهبياً، عبر تغيير هويات البنى الديموغرافية (الاختراق البشري الهوياتي).

-      الاستحصال القانوني على وضع مميز للأقلية المصطنعة (الاختراق القانوني).

-      العمل على استحداث أزمات داخلية أو تغذية أزمات قائمة (الاختراق السياسي).

-      إسناد النظام السياسي أو المجموعات البشرية التي تمت مذهبتها في مواجهة الطرف الأخر عبر أدوات القوة (الاختراق العسكري).

ثانياً- الإسنادات التاريخية الإيرانية في تونس:

شكلت تونس بعد ثورتها بيئة رخوة سياسياً وأمنياً، قابلة للاختراق نتيجة هشاشة البنى ما بعد الثورية وعدم اكتمال تشييدها، في مرحلة انتقالية تعجّ بكثير من الاضطرابات والإشكالات الناجمة عن الثورة وعن النظام السابق. وهو حال كافة الدول الثورية، لكنها ذات حدة أقل في تونس منها في نظيراتها الثوريات، نتيجة طبيعة البنية الفكرية الأكثر انفتاحاً لدى المجتمع التونسي، ما سهّل توسيع إطار الحريات المقامة بعد الثورة، بل وسهّل استغلالها.

عملت إيران على توظيف هذا المتغير، عبر إدراج طرح تاريخي من خلال كتّاب إيرانيين وتونسيين، عن التاريخ المترابط والمتزامن بين الدولتين، بربط الدولة الفاطمية “ذات القيادة الشيعية” بإيران، في محاولة خلط ثقافي-تاريخي، باعتبار أن المذهب الشيعي مذهب فارسي. فيما كانت “فارس” ساعتها إحدى ولايات الإمبراطورية العربية، ذات الهوية السنية السائدة.

هذا الخلط دفع فئات من المجتمع التونسي إلى ربط عاطفي بين تاريخ الدولة الفاطمية الوجيز في بلادهم مع دولة إيران حديثة التشكل، وأسهم في ذلك ترويج عدد من الكتّاب لكتابات مضطربة حول دور فارس في بناء تونس وفي تشكيل الهوية التونسية، بل وتجاوز ذلك إلى اعتبار المنجز الحضاري العربي في تونس، مجرد تفصيل أثراه الفرس وحدهم. من ذلك ما روّجه السفير التونسي في طهران من خلال توزيعه لكتاب “العلاقات بين تونس وطهران عبر التاريخ”، ومما جاء فيه (2):

“قد يعلم التونسيون وقد لا يعلمون أنّ كثيراً من مؤسساتهم هي ذات أصل إيراني سواء في الإدارة أو العسكرية أو المعمار أو التجارة أو الفلاحة أو الصناعات التقليدية، فهي أيضاً من أصل إيراني. وأنّ كثيراً من العلماء التونسيين قد أقرّوا بإيران، وأن ابن خلدون هو من أكبر المؤرخين الذين درسوا في شيء من الاستعجاب تاريخ إيران وحضارة إيران وفلسفة التاريخ الإيراني”.

“فالمدرسة الإيرانية قد شاركت بقبتها البصلية الأصيلة، وبمنائرها المغشاة بالزليج البارع، وبأقواسها المهموزة التي تسمى في الأندلس قوس الجيب .. كذلك المنائر الملبسة بالقاشاني المزخرفة، وأهمها الجرالدا بإشبيلية وصومعة تستور بتونس”.

“فلا شك أنّ الحضارة العباسية المتأثرة بالإيرانية، والتي انبثقت عنها الحضارة الأغلبية بالقيروان، تجعل الحضارة الأغلبية متأثرة أيضاً بالحضارة الإيرانية. ولا شك أيضاً أنّ الحضارة الفاطمية التي هي أول حضارة فاطمية وقد نشأت بمدينة المهدية على الساحل التونسي، تجعل لنا صلات مع الحضارة الشيعية الإيرانية في مظاهر الحضارة العلمية والأدبية والفنية والصناعية، فعاشوراء التونسية فيها كثير من أصول عاشوراء الشيعية، ومسرحية التعزية كانت موجودة بتونس في العهد الفاطمـي، واعتبار علي نور الله وجهه والسيدة فاطمة الزهراء -رضي الله عنها– لا يزال ولن يزال قائماً بتونس”.

ويحوي الكتاب كثيراً من الخلط الفكري غير المتزن، لناحية ربط إيران المنشأة في القرن العشرين، هي ذاتها فارس التي كانت قائمة قبل عدة قرون، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يجعل الكاتب أسّ الحضارة في العالم العربي فارسياً (إيرانياً) سمح للعرب بولوجها والتعلم منها. فيما اندمج الفرس بالحضارة العربية التي وإن أخذت بعضاً من مكوناتها من بلاد فارس، فإنّها كانت حضارة جامعة منتجة منفتحة على العالم كله، دون أن يعني ذلك أنّ ما أنشأه العرب من امبراطوريات كان في المحصلة نتاجاً فارسياً، وخاصة أنّ المؤلف تغاضى عن الأدوار التهديمية التي لعبها الفرس في تحطيم الامبراطوريات العربية وتسهيل غزوها من قبل المغول، عدا عن دورهم في تحطيم أساساتها الفكرية والدينية بالاختلاقات المذهبية الواسعة.

لكن أن يروج سفير تونس لتاريخ مسموم ومزور بهذا الحجم، فهذا يدلّ على حجم الاختراق الإيراني للبنية السياسية التونسية، وعن استناد المشروع الفارسي إلى قيادات عليا في الدولة، تفتح لهم أبواب البلاد للتغلغل سريعاً فيها، دون عناء يذكر.

ثالثاً- الاختراقات الاقتصادية والدبلوماسية لتونس:

أدت أوضاع تونس الاقتصادية المتأزمة عقب الثورة، كنتيجة حتمية لعملية تطهير البلاد، وإعادة هيكلة نظمها السياسية والاقتصادية والتشريعية، إلى تسهيل المهمة الإيرانية في عملية اختراق البنى الاقتصادية التونسية، وإن كانت ما تزال في بداياتها، لكن مسارها يوحي بتقدمها وإصرارها على تشكيل حيز مهم في الفضاء الاستثماري التونسي.

إذ شملت الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، كثيراً من النشاطات الإيرانية في تونس، ومنها:

-      التعاون البرلماني.

-      حضور إيران حفل توقيع الدستور التونسي الجديد، وتجيير الجلسة لصالح خطاب “المظلومية” الإيراني، ما أحدث أزمة دبلوماسية داخل الحفل.

-      اتفاقيات تعاون في قطاع الموانئ والملاحة التجارية، والخبرات الفنية الضرورية لها.

-      تأسيس صندوق استثمار مشترك.

-      تعاون مشترك في مجالات النشاط الزراعي ونقل الخبرات الإيرانية إلى تونس.

-      استيراد السيارات والمحركات الإيرانية إلى تونس.

-      فتح خط تمويل ائتماني إيراني في تونس بقيمة 100 مليون يورو، يهدف إلى تشجيع المستثمرين الإيرانيين لتوطين مشاريعهم في تونس.

-      الاستثمار الإيراني في تونس في مجالات الفوسفات والنفط وصناعة مكونات السيارات.

-      السعي إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مليار دولار، بميزان تجاري يميل إلى صالح إيران بالمطلق، ويستنزف القدرات المالية التونسية.

-      يضاف إلى ذلك، تعاون بيني في مجالات الكهرباء والصحة والتربية والتعليم والثقافة والمرأة والأسرة والإعلام والسياحة.

رابعاً- التوظيف الإيراني للمعطيات المجتمعية في تونس:

كما أسلفنا، فإن تونس تعاني من عدة أزمات في البناء الدولتي التونسي على المستوى الكلي، مورثة عن نظام زين العابدين بن علي، أو مستحدثة نتيجة الانتقال الثوري بالدولة والمجتمع إلى مرحلة يعاد فيها تأسيس البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والهوياتية، ما يشكل نوافذ اختراق عديدة يتيحها هكذا وضع، وتسمح للقوى الخارجية بلعب أدوار تدخلية.

ولعل من أبرز الأزمات الناشئة والمتعلقة بموضوع البحث، هو الاضطراب الهوياتي المستحدث عقب الثورة، إذ طالما عزل نظام زين العابدين بن علي تونس عن محيطها العربي، دافعاً إلى ربطها ثقافياً بأوروبا عامة وفرنسا خاصة، ويظهر ذلك على المستوى الشعبي لناحية توسع استخدام اللغة الفرنسية على حساب العربية، ما أحدث تناقضاً هوياتياً بين أصل المجتمع وتحديثه، لم يبرز إلا بعد الانفتاح الثوري على البيئة العربية وإعادة اكتشاف الذات.

دفعت الثورة التونسيين إلى محاولة تعويض ما فاتهم في المجال العربي، بتبني القضايا العربية الرئيسة، والمتعلقة بالموضوع الفلسطيني، وحيث أنّ الثورات العربية ما كانت قد أنجزت ذاتها بعد حتى تنجز خطاباً عروبياً جامعاً، فإنّ الفكر الذي تلقفه ثوريو تونس كان الفكر القومي الذي خلفته الأنظمة المتساقطة وخاصة نظام البعث الأسدي، بما فيه من إشكاليات تتناقض مع روح الثورة التونسية، لكنه الوحيد المتاح، في ظلّ حداثة العمل العروبي، وعدم امتلاك خطاب بديل.

يتقاطع خطاب البعث الغوغائي مع الخطاب الأيديولوجي الإيراني، عن المقاومة ومحور الممانعة، متسلطاً على القضايا العربية ومجيراً إياها لصالح المشروع الفارسي الإمبريالي، وخاصة أنّه قام بالترويج لذاته باعتباره البديل عن المشروع الإسرائيلي الإمبريالي الآخر، في ظلّ غياب مشاريع عربية كلية.

هذا التبني للخطاب الإيراني، دفع النخب الثورية إلى الميل إلى إسناد نظام الأسد ومن خلفه إيران في مواجهة المجتمعات العربية، وبناء هوية تونسية عربية قابلة للاختراق ثقافياً من قبل إيران، في مواجهة خطاب أيديولوجي آخر –الإخوان المسلمون- وجد فيه التونسيون مشروعاً مضاداً للثورة الحديثة، فيما كان يشكل في حقيقة الأمر وجهاً آخر للسلطوية الدينية الإيرانية، بل وأداة إيرانية كذلك.

فاختيارهم لخطاب المقاومة الإيراني، وتفضيله على ما هو متاح من خطاب الإخوان المتمّم له، كان نتيجة أخرى لحالة الاندفاع الإخواني في عدد من دول الربيع العربي إلى الهيمنة على السلطة السياسية بعيداً عن منطق المشاركة، قبل أن تتمّ عقلنتها نسبياً في تونس، ما أوقع تلك النخب في تبني خطاب استبدادي لحظة إنشاء نظام حريات واسع، في حالة تناقض ثقافي كبرى. وهو ما سهّل المهمة الإيرانية في اختراق الثقافة الشعبية، سواء من خلال الإسناد التاريخي، أو عبر حملات إعادة تشكيل المجتمع هويّاتياً من خلال توسيع حملات التبشير الشيعي، أو طرح المسألة الأقلوية في تونس. بمعنى أخر، فإن الحراك السياسي الإخواني في تونس أدى إلى تسريع الاختراق الإيراني للبنى الفكرية لدى النخب التونسية الموالية للنهضة والمناهضة لها على السواء. وقد أسهمت وسائل الإعلام المدارة من قبل الحرس الثوري في ترويج الخطاب الإيراني داخل تونس، وخاصة من خلال قناة الميادين التي يديرها التونسي-اللبناني فيصل بن جدو.

وقد ساعدت الثقافة الشعبية المتأثرة بالصوفية من جهة، وبالعبث التاريخي من جهة أخرى، على إيجاد بيئة قابلة لاستقبال نسخ مسيسة من الفكر الديني-القومي (الشيعي-الفارسي)، عبر الاشتغال على الموروثات الدينية التي غدت مسلّمات في الثقافة الشعبية، والتي تتقاطع مع الثقافة الفارسية، عبر تجييرها لصالح مشروع سياسي، ومنها طقوس عاشوراء وحب آل البيت.

وفيما عملت إيران ضمن المجال المشرقي على تغذية النزعات الأقلوية، خاصة لدى الشيعة والعلوية والأكراد في مواجهة الدولة العربية، عبر دعمها تحت غطاء ديني-قانوني، في وقت تعاني القوميات داخلها من اضطهاد كبير في الحقوق (3)؛ فإنّ تونس لا تشهد ذات البنيان الديموغرافي، أو التنوع العرقي-الديني فيها، ما يجعل إمكانية إحداث شروخ مجتمعية شبه معدومة مقابل تلك التي اشتغلت عليها إيران في المشرق العربي. فاتجهت نحو منحيين في ذلك:

-      خلق أقليات في المجتمع التونسي (التشييع).

-      تبني قضية الأقلية الأمازيغية.

حيث أحدثت بعض الدراسات الإيرانية، مغالطات تاريخية أخرى، بنسب الأمازيغ إلى العرق الفارسي في الأصل، وتعمل على نشر المذهب الشيعي في أوسطاهم، وأدلجتهم بأنهم فئة مضطهدة مجتمعياً عرقياً ودينياً، وهو ما اشتغلت عليه في العراق وسورية ولبنان والبحرين واليمن، في سعي منها إلى تحويلهم إلى أداة تدخلية مستقبلاً، كما حصل في تلك الدول.

وحيث إنّ نسبة الأمازيغ في تونس تقل عن 1% من مجموع السكان، بما لا يكفي لإحداث شروخ مجتمعية، فإنّ إيران عمدت إلى خلق هوية تصادمية يمكن لها أن تحقق ذلك، من خلال إعادة بناء هوية المجتمع التونسي عبر توسيع حملات التبشير الشيعي، عبر منحيين:

-      تشييع بؤر جغرافية أشبه بالكانتونات، تكون متطرفة عن المركز، تشكل فيما بعد شريطاً جغرافياً-ديموغرافياً متكاملاً.

-      تشييع بؤر منفصلة داخل مراكز الدولة، تتميز بنخبويتها السياسية والثقافية، تعمل على اجتذاب الأطراف.

خامساً- حملات التبشير الإيرانية في تونس:

تعود محاولات تشييع المجتمع التونسي إلى مرحلة الثمانينيات، مع انطلاق المشروع الخميني في نشر الثورة الإيرانية في المحيط العربي، عبر شخصيات تونسية من أبرزها التيجاني السماوي وعماد الدين الحمروني، اللذين تلقيا دعماً كبيراً من خميني. وتنتشر الحركة الشيعية خاصة في جنوب تونس في مدن قابس وقبلي، ومن أبرز جمعيات التشييع التونسية “المودة الثقافة الشيعية”، ولا يمكن تحديد عدد المتشيعين بدقة، إلا أنهم ما زالوا في طور المئات أو الآلاف فقط.

ووفق دراسة صدرت في كتاب بعنوان: “حلم الشيعة: مملكة فاطمية في الشمال الأفريقي”، لمؤلفه محمد مختار، فإنّ إيران اكتشف قدرات على استخدام ديانة الشيعة في قلب أنظمة الحكم بالدول العربية التي كانت تئنّ تحت سيطرة ديكتاتوريات عربية في هذا الوقت لإحياء الدولة الفاطمية ضمن مخطط لتأسيس شريط فاطمي يعتنق الديانة الشيعية في المنطقة الممتدة من غزة في فلسطين وحتى المغرب. وأشارت الدراسة إلى أنّ إيران استغلت التربة المواتية للتشيع في تونس بالنظر إلى أنّ تونس كانت مهداً للدولة الفاطمية تاريخياً، وأسست مراكز للتشيع في مناطق مختلفة من تونس خاصة جنوب البلاد في فترة الثمانينات مع ظهور حركة ما يسمى: “المسلمون السائرون على خطى الإمام”. حيث شهد جنوب تونس حركة تشييع واسعة، عبر التخفي خلف المذهب الشافعي خلال حقبة الثمانينات للتسرب وسط قطاعات من طلاب الجامعات في تونس بالرغم من المعارضة الرسمية والشعبية لظهور الديانة الشيعية في تونس. خاصة مع قيام إيران بدعم الجمعيات والمؤسسات التي تخفّت خلف الأعمال الخيرية والأنشطة الثقافية لنشر دين الشيعة بين التونسيين. ورصدت الدراسة قيام إيران بالعمل على تكريس إدخال تركيبة مذهبية جديدة في تونس وليبيا المجاورة لاستغلالها فيما بعد كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية لتونس ولأية دولة عربية أخرى بحجة حماية الأقلية الشيعية (4).

ووفقاً للمحامي التونسي أحمد بن حسانة “قمنا يوم 23 أبريل/نيسان 2012 بالإعلان عن تأسيس الرابطة التونسية لمناهضة المدّ الشيعي، تزامناً مع زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى تونس وافتتاح أسبوع السينما الإيرانية. أردنا من خلال هذا التزامن أن نحدث رمزية باعتبار أنّ رابطتنا توجه أصابع الاتهام لإيران بنشر التشيع الجعفري في البلدان العربية السنية، وتونس منها، عبر مخطط يقوم على رصد الأموال وتجنيد الأشخاص .. إيران لن تتوانى عن تسليح هذه الخلايا النائمة متى دعا الأمر إلى ذلك لخلق الفتنة في إطار ما يسمى بتصدير الثورة الإيرانية (5)“.

ويرى بن حسانة أنه لا يعوز الركيزة القانونية التي يستند إليها لمعارضة ومناهضة تسرب المذهب الشيعي إلى تونس ويقول “بقدر إيماننا وتمسكنا بحرية المعتقد واحترامنا لكل الأديان وإيماننا بقيم التسامح وحق الاختلاف، فإننا نعتبر من الخطر بمكان أن تعمل أطراف تونسية وبإيعاز من جهات خارجية على نشر المذهب الشيعي بيننا؛ نظراً لما يمثله ذلك من تهديد لأمن بلادنا واستقرارها، ومن شأنه أن يزرع فتنة طائفية بين ساكنيها كان شعبنا طيلة تاريخه بمنأى عنها، وسيؤول الأمر في النهاية إلى إغراق البلاد في دوامة من العنف والاحتقان(6)“.

وقد صنّفت عدة تقارير إعلامية ومقالات نشرت عبر صحف ومواقع إلكترونية الجمهورية التونسية من البلدان التي تشهد “حركة تشييع” سريعة وواضحة المعالم. إلا أنّ تلك التقارير والتحذيرات لم تجد لها آذاناً صاغية لدى كلّ من الإعلام الرسمي والخطاب الحكومي اللذان يؤكدان باستمرار أنّ الدولة لا تتدخّل في معتقدات وأديان المواطنين التونسيين المعروفين بتسامحهم واعتدالهم. إلا أنّ ذلك الصمت أو التجاهل لو صحّ التعبير يخفي صراعاً يدار في الخفاء بين المذهبين السنّي والشيعي ويمكن ملاحظته بجلاء عبر الشبكة العنكبوتية وخصوصاً عبر شبكة “الفايسبوك”، حيث توجّه الاتهامات باستمرار إلى دور “مشبوه” للسفارة الإيرانية في تونس على حدّ تعبير عدد من المشاركين في تلك النقاشات “المذهبية”، التي تدور رحاها بين سنة وشيعة لا يربط بينهم غير الجنسية التونسية المُشتركة، وما دون ذلك يبدو الاختلاف عميقاً وحاداً في أحيان عدّة (7).

سادساً- إخوان تونس وإيران:

وجدت إيران في الفكر الإخواني تقاطعاً كبيراً مع مصالحها الإمبريالية في العالم العربي، تستند إلى آليات توظيف الدين في خدمة المصالح السياسية، ما أدى إلى رعاية إيرانية لاحقة لتكتلات الإخوان المسلمين في كثير من الدول العربية، أولئك الذين وجدوا في ثورتها الخمينية منهاج عمل يسهم في تسريع وصولهم إلى السلطة، ونجد أن نشاطهم الحثيث عقب الثورة العربية –وإن لم يكلل بنجاح يذكر- إلا أنّه اتجه إلى مسار تأطير الثورات الشعبية بأطر إسلاموية تمنحهم السيطرة على المسارات السياسية الجديدة. كما أنّ الفكر الخميني ذاته كان قد انبنى على كثير من الأسس الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، والتي عادت وبنت عليه.

من ذلك ما قد أشار إليه رئيس حركة النهضة الإسلامية –فرع الإخوان في تونس- راشد الغنوشي إلى أن تطوّر المسار الفكري للحركة تاريخياً تأثر بالثورة الاسلامية في إيران والقيم التي بشرت بها و خاصة مبادئ “الانتصار للمستضعفين ومواجهة الظلم والاستكبار”. وقد أبدى في كثير من كتاباته إعجاباً بالتجربة الإيرانية معتبراً إياها حركة التجديد الأكبر في التاريخ الإسلامي، بل وعمل على إعادة إنتاج الفكر الإخواني بناء على معطيات الثورة الخمينية. ويذهب الغنوشي إلى أبعد من ذلك، باعتبار إيران النموذج “الديمقراطي” الأنسب، فيما تعاني إيران من أزمات سياسية هوياتية تنذر بامتداد الربيع العربي إليها في السنوات المقبلة.

وكان الغنوشي قد أكد في أحد كتبه أنّ “هناك دلائل كثيرة على تطور الثورة الإسلامية الإيرانية وانتصارها المشرق في التاريخ الحديث للحركة الإسلامية”، مشيراً إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين الإمام حسن البنا وآية الله الكاشاني، الزعيم السابق للحركة الإسلامية الإيرانية، في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، حيث وضعا برنامجاً للتعاون والتنسيق لقيام الدولة الإسلامية وتأييدها من الجميع في أيّ مكان تقوم فيه. ويعتبر الغنوشي أن حركة “فدائيان الإسلام” بقيادة نواب صفوي في إيران كانت امتداداً لفكر الإخوان المسلمين (وهذا ما يفسر التعاون الوثيــق بين إيران وحركة النهضة في تونس) (8).

وحيث تواجهه حركة النهضة مناهضة شعبية تتسع باستمرار داخل تونس، عمدت إلى الالتقاء مع تيارات سياسية أخرى، وبخاصة القومية، من خلال التقاطع المشترك في دعم حزب الله اللبناني ومشروع إيران في المشرق العربي “المقاومة والممانعة”، عبر تبني الطرفين ذات الأطروحة الإيرانية، وتأييد حزب الله ومن خلفه إيران ونظام الأسد. وهو ما أعطى الحركة مجالاً للمناورة داخل النخب التونسية اليسارية والقومية، فيما عمل حزب الله على إسناد حركة النهضة وخاصة من خلال حضوره لمؤتمرها عام 2012 في تونس، ليتم توظيف ذلك، من خلال الترويج النشط لمشروع التشييع في تونس.

هذا العلاقة العضوية بين حركة النهضة –الإخوان المسلمون- وإيران، أدت في المحصلة إلى تعزيز مواقف الطرفين سياسياً، وأسهمت في دعم الحركة وتحصينها داخلياً، مقابل توسيع الامتداد الإيراني إلى تونس، وترسيخ البنى الفكرية والمجتمعية له.

خاتمة:

ما يزال المشروع الإمبريالي الإيراني قيد التوسع تجاه بيئات عربية جديدة، يسنده في ذلك أسس فكرية مشوّهة يشتغل على ترويجها، ضمن قائمة أدوات واسعة في قوته المرنة، قبل أن ينتقل إلى مرحلة توظيف قوته الصلبة في ترسيخ هيمنته، وهي مرحلة لاحقة لمدّ النفوذ، تتواءم مع معطيات أزموية دفعت إليها إيران عبر استغلال الإشكاليات الداخلية.

دون أن يعني ذلك حتمية البناء الإمبريالي الفارسي، وسقوط العالم العربي بأسره في قبضة النظام الملالي، فكل تمدّد جديد للاستراتيجية الإيرانية، يبقى بمثابة عبء غير قادرة على إدارته كما فعلت في المشرق العربي، إذ تبقى قدراتها السياسية والعسكرية والمالية واللوجستية محدودة أمام اتساع الفضاء العربي، رغم ما تدفع به من أدلجة لهذه المجتمعات.

كما أنّ أوضاع الداخل الإيراني الاقتصادية والقومية تشكل بدورها عامل ضغط انفجاري في طور التبلور، ينذر باندلاع أزمات هوياتية تصادمية مع المركز الفارسي داخل إيران، كنتيجة حتمية لاستبدادية النظام السياسي وفرض الهوية الشمولية على القوميات الأخرى، في عملية تفاعل إقليمي بين إيران ومحيطها المتفجر أساساً، إذ أنّ ارتداد العسكرة التي أقامتها في العراق وسورية خاصة، ستطال بدورها العمق الإيراني، وهو ما يقوض البناء الإمبريالي المتسع، ويقضي على أدواته لاحقاً.

وإلى أن يتم ذلك، فإنّ كثيراً من البيئات العربية معرضة لكافة أشكال الاختراق الإيراني، وخاصة الاختراق الهوياتي، في ظل اضطراب إشكالي في الهوية العربية، غذّته الثورات العربية، التي ما تزال تفتقد إلى خطاب بنائي للهوية العربية بعيداً عن التداخلات الإقليمية (وخاصة الدينية منها)، وبعيداً عن الخطاب المستهلك للأنظمة الديكتاتورية المتساقطة، حيث ما تزال هوية المجتمعات العربية أسيرة للأدلجة الخارجية أو للنمط الفكري الذي ثارت عليه.

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

 

 مراجع:

(1) للمزيد حول هذه الحرب، انظر: عبد القادر نعناع، “ضرورات الحرب الإيرانية-العراقية ودورها في المشروع الفارسي”، 12/8/2014، مركز المزماة للدراسات والبحوث: http://www.almezmaah.com/ar/news-view-6399.html

(2) للاطلاع على المزيد، انظر: عثمان العكاك، “العلاقات بين تونس وإيران عبر التاريخ”، موقع إيران والعرب: http://iranarab.com/Default.asp?Page=ViewArticle&ArticleID=581

(3) للاطلاع على قضايا حقوق القوميات في إيران، انظر: عبد القادر نعناع، “صراع الهويات في إيران: بين الهوية الكلية والهويات الفرعية”، 23/10/2013، مركز المزماة للدراسات والبحوث:http://almezmaah.com/ar/news-view-3058.html

(4) “دراسة: إيران دعمت نشر الديانة الشيعية في تونس للتدخل في شؤونها الداخلية”، موقع النبأ الإخباري الدعوي، 31/7/2012: http://www.ennaba.com

(5) لمياء المقدم، “التشيع في تونس وعلاقته بإيران”، 12/6/2012، ميدل ايست أونلاين: http://www.middle-east-online.com/?id=133028

(6) المرجع السابق.

(7) “شيعة تونس ورقة تستغلها إيران”، موقع البينة:

http://www.albainah.net/index.aspx?function=Item&id=30438&lang

(8) “إيران هامش الإخوان المسلمين للمناورة بعيداً عن أعين الأمريكان والإنجليز”، صحيفة العرب اللندنية، العدد 9065، 30/6/2014، ص 13.

الوسم : إيرانتونس

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق