قطر

ترامب يؤيد عزل قطر

منذ أن انقلب حمد بن خليفة على والده في عام 1995 وحاول الخروج من الأخ الأكبر في المنطقة وأراد أن يلعب دورا يفوق حجم دولة قطر الطبيعي ما جعله يرهن قرار الدولة للخارج وتحولت دولة قطر رأس حربة ضد منظومة دول الخليج بل وضد الدول العربية ورث هذا الصلف السياسي تميم ولكنه استمر في نفس النهج.

عانت الدول العربية من ما يسمى بثورات الربيع العربي التي تحولت إلى دمار عربي وأنتج دول فاشلة وبدأت المليشيات التي تحارب تفرخ الإرهاب الذي بدأ يضرب المنطقة والعالم.

 اتجهت السعودية نحو تأسيس مركز مكافحة الفكر المتطرف، ولكن بعد زيارة ترامب أنشأت مركز اعتدال لمكافحة الإرهاب عالميا ولا يمكن أن تقبل ارتكاب الازدواجية من أي دولة حتى لو كانت دولة خليجية خصوصا بعد إعلان الرياض الذي يحشد لأول مرة كإعلان لربيع اعتدال جديد ينقض ما سمي في عام 2011 بالربيع العربي الذي قوض استقرار الدول بسبب صعود مليشيات أحدثت تصدعات إقليمية ساهمت في تدخلات مليشيات شيعية تابعة لإيران بشكل غير مسبوق.

منذ إعلان الرياض تغير ميزان القوى دون إدراك واع من دولة قطر ولم تستوعب التغيرات الجيوسياسية العالمية خصوصا وأن ملف الإرهاب فتح ملفات الإسلام السياسي في أوربا والولايات المتحدة ألقت بظلالها على حجم المسؤولية الكبيرة على السعودية ومن هنا نفهم تصريح الرئيس الأمريكي المباشر في قمة الرياض العربية الإسلامية أمام قادة ومسؤولين من 55 دولة ( لا يمكن تحقيق مستقبل أفضل إلا إذا قامت دولكم بطرد الإرهابيين والمتطرفين أطردوهم ).

يبدو أن الإدارة القطرية كانت قراءتها لحجم التغيير الدولي بعد انتخاب ترامب بأن هناك عهد جديد، فيما كانت تصورات الإدارة القطرية بأنها لا تخرج عن نصائح أو ضغوط سياسية خصوصا وأنها تعتقد أن وجود القاعدة الأمريكية على أراضيها تحميها من أي استهداف، وهي تنظر إلى حجمها من خلال وجود القاعدة الأمريكية على أراضيها، ولم تتوقع أن تصل الأمور إلى مقاطعة كاملة مع سبع دول عربية.

تعول دولة قطر كثيرا على الإدارة الأمريكية، لكن قطر لم تكن تستوعب خطاب ترامب في الرياض حينما طلب من الدول الإسلامية التحرك بشكل حاسم ضد التطرف الديني، حيث تعتبر الإدارة الأمريكية بعد قطع الدول العربية علاقاتها مع قطر بأن تصرفات قطر تثير القلق لدى الدول المجاورة والولايات المتحدة، لكن كان ترامب أكثر وضوحا عندما أيد عزل قطر وقال أن دول الخليج قالت أنها ستعتمد نهجا حازما ضد تمويل التطرف وكل الدلائل تشير إلى قطر وأضاف قد يكون ذلك بداية نهاية رعب الإرهاب، وكتب ترامب أنه خلال زيارته الشرق الأوسط أنه قال يجب وقف تمويل الأيديولوجية المتطرفة والقادة أشاروا إلى قطر وعلق على ذلك أنظروا وتتعارض تصريحات الرئيس مع اللهجة التصالحية التي تبناها وزير الخارجية ريكس تيلرسون عندما دعا دول الخليج إلى البقاء متحدة وإلى أن تجري حوارا لبحث هذه الخلافات.

أي أن موقف الإدارة الأمريكية والكونغرس فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية بشكل عام يجري له الانتباه عندما تنتقد قطر إدارة ترامب ما يعتبر تدخل في الشأن الداخلي، ومن جانب آخر عندما يقود ترامب حملة لعزل إيران في حضور 55 دولة عربية وإسلامية فيما تتحدث قطر عن انفتاح على إيران يتعارض مع أمن الولايات المتحدة.

وفي الحسبان الأمريكي فيما يتعلق بالكتلة العربية تعتبر أن دعم قطر للإخوان المسلمين من الخليج إلى ليبيا في مصر وتونس واليمن وفي دول الخليج بجانب الهجوم السياسي الذي تنتهجه قطر عبر النافذة الإعلامية التي أوجدتها الجزيرة منذ عام 1996 بأن تتهجم على الإدارات العربية وخصوصا التهجم على الإدارة المصرية.

وللكونغرس رأي خاص في دعم الإدارة الأمريكية وحتى قبل هذه الأزمة الحالية وكذلك قبل زيارة ترامب للرياض كان متضجر من العلاقة بين قطر والإخوان المسلمين، لكن الجديد في العلاقة الآن مع إيران والتي تتناقض مع التوجه الجديد للإدارة الأمريكية الجديدة.

الإدارة الأمريكية تسير وفق خطوات دبلوماسية وليس هي وفق تعديل بقدر ما هي تطوير لتلك العلاقات، لكنهم يتساءلون دائما ماذا عن التنظيمات التي تدعمها دولة قطر، وماذا عن علاقتها مع إيران، وبدأوا يعبرون عن قلقهم من الدعم المالي لتلك التنظيمات.

 وتدرس الإدارة الأمريكية هذه الملفات، وإذا ما غيرت قطر هذه السياسات لما يجب أن يكون عليه العهد الجديد، لكن يبدو أن دولة قطر لم تستجيب لمتغيرات العهد الجديد بل فضلت التصعيد، مما فرض على السعودية وبقية الدولة المتضامنة مع السعودية وفي نفس الوقت المتضررة قطعت تلك العلاقات، ولا يمكن أن تستمر السعودية في مرحلة الاحتواء وهي تتولى قيادة محاربة الإرهاب العالمي وشكلت من أجله تحالفا عربيا وجيشا إسلاميا، والآن تم تشكيل ناتو عربي إسلامي يتكون من 34 ألف جندي استعدادا للتدخل ولمقاتلة الإرهاب.

السعودية لا تريد تحجيم دور قطر بل على العكس هي دولة خليجية، لكن قطع العلاقات يجعل قطر تدرك حجمها الحقيقي في إطار الجغرافيا السياسية، بعدما جردت السعودية منها قطر غير الطبيعية وغير الحقيقية والتي تريد أن تبني لها امبراطورية ضد جيرانها أو على حساب جيرانها، وتوهمت قطر أن دول الجوار لا تستطيع مواجهتها بعدما ظنت أنها بنت علاقات هولامية تحميها من أي استهداف يمكنها من استمرار استهداف أمن الشعوب العربية مستغلة من مواصلة ما يسمى بثورات الربيع العربي خصوصا وأن إدارة أوباما كما غضت الطرف عن النفوذ والتمدد الإيراني كذلك أعطت دولة قطر دورا ولكن من دون حماية.

لذلك من يتنبه إلى بيان وكالة الأنباء السعودية بأن الرياض قررت قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر من أجل حماية أمنها الوطني من مخاطر الإرهاب والتطرف، واتهمت قطر بأنها تمارس انتهاكات جسيمة تمارسها سرا وعلنا طوال السنوات الماضية بهدف شق الصف الداخلي السعودي.

 كما يتهم البيان قطر بالتحريض للخروج على الدولة والمساس بسيادتها واحتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة منها جماعة الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة والترويج لأدبيات ومخططات هذه الجماعات عبر وسائل إعلامها بشكل دائم، والأخطر أن اتهمت بدعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف وفي البحرين وبتمويل وتبني وإيواء المتطرفين الذين يسعون لضرب استقرار ووحدة الوطن في الداخل والخارج.

ونفس التهم التي وجهتها السعودية لدولة قطر وجهتها الدول التي قطعت علاقاتها معها وليس فقط تضامنا مع السعودية كما يعتقد البعض وإنما دول كانت متضررة من دولة قطر خصوصا البحرين ودولة الإمارات ومصر واليمن وليبيا.

لم تحسب قطر المخاطر عندما ترتد السياسات بقوة خصوصا وأن عام 2014 شهد سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين فقط دون غلق الأجواء، لكن الإجراءات الصارمة التي اتخذت ضد قطر ستكون لديها تداعيات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وتتأثر خصوصا النقل الجوي وحتى النقل البحري لأن قطر لديها حدود مع البحرين والإمارات ما عدا الجهة الشمالية تبقى كمتنفس وحيد، كما تتأثر قطر عند استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 إذا استمرت على مواقفها ولن تعوضها الموانئ الإيرانية التي عرضتها إيران على قطر استغلالا للأزمة الخليجية العربية.

وستكون قطر المعزولة اليوم مجبرة بفعل الضغط المسلط عليها على أكثر من جهة وأكثر من صعيد على التخلي ولو مؤقتا على مواصلة دعم المليشيات الجهادية التي تهدد أمن مصر في ليبيا وفي سوريا.

وفي خضم هذا الارتباك التي باتت عليها الدوحة وأمام الضغوط التي تحتم عليها البحث عن مخرج وأن تستجيب لمطالب أمير الكويت بتصحيح المسار وتقديم ضمانات للدول المتضررة منها ووقف لعب دور الممول للجماعات الإرهابية في هذه الفترة حتى لا تزيد من تعميق عزلتها لحماية ما تبقى من ماء الوجه.

بهذا تكون الدوحة قد خسرت الرهان على جماعة الإخوان المسلمين سواء كان في ليبيا أو في سوريا أو في اليمن وخصوصا في مصر ودولة الإمارات كما خسرته جماعة الإخوان المسلمين سابقا في مصر، ولكنها تفقده هذه المرة بعواقب أكبر وخسارات أشد في ظل الصورة القاتمة التي باتت تصنف دولة قطر كراعي استراتيجي للإرهاب بعد أن كانت مجرد اتهامات تنفيها في كل مرة، وبعد ضربات الجيش المصري للمليشيات التابعة لدولة قطر في ليبيا تكبدت المليشيات التابعة لها في أكثر من جبهة سواء في العاصمة طرابلس أو في الجنوب أو في وسط البلاد وشرقها.

 وأعلن تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا حل نفسه، في المقابل حقق جيش حفتر في تحقيق مكاسب كبيرة على الأرض وسيطر على قاعدة الجفرة العسكرية الاستراتيجية بعد انسحاب فصائل منافسة في خطوة تعزز سيطرته على وسط البلاد واسترداد قاعدة تمنهت العسكرية جنوب مدينة سبها بعد دحر مليشيات انسحبت باتجاه مصراتة، التي تشكل أحد مفاتيح السيطرة على الجنوب، وتفتح أفق تقدمه باتجاه العاصمة، من شانها أن تحسر حضور المليشيات التابعة للإخوان التي تلقت صفعة كبيرة بسبب الضغوط الكبيرة على دولة قطر الجهة الممولة لهم.

ورغم مشاركة قطر في قوات التحالف إلا أن قطر لم تتخلى عن دعم الإخوان في اليمن وحتى في سياق كونهم يقفون في الصف المعادي للقوات التي تنخرط في المعارك باعتبارهم جزءا من الأدوات المهمة للسياسة الخارجية لهذا البلد.

يبدو أن سياسات دولة قطر ارتدت عليها بالشكل الذي لا يبدو أنها انتظرته، وسيضعها تحت مجهر المراقبة، ومن مصلحة مجلس التعاون الخليجي تصحيح مسار دولة قطر وعليها أن تعي جيدا أن العودة لهذا المسار السابق يعني الغرق أكثر ويعني مزيدا من الخسائر، في المقابل فإن الإخوان في المنطقة مدعوين للبحث عن مضخات تمويل جديدة لأنه من غير المجدي لقطر أن تواصل في الوقت الراهن تمويل هذه الجماعات ولن تجد جهات أخرى تمولها مما يفرض عليها مراجعة أيديولوجياتها التنظيرية والحركية.

د. عبد الحفيظ الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

إضافة تعليق جديد