baloch-flag-banner_copy-aae8a[1]

بلوشستان ومعاناة ثمانية عقود

تعاني الشعوب غير الفارسية في إيران، مثل العرب والأكراد والآذريين والتركمان والبلوش، من معاملة إقصائية تشوبها في كثير من الأحيان، نظرة عنصرية ودونية مقارنة بالعرق الفارسي الذي يدير البلاد. وقد اسقطت حكومة طهران إمارات هذه المناطق وقياداتها وضمت أراضيها إلى إيران قبل نحو تسعين عاماً. فقد كانت البداية مع إسقاط إمارة عربستان في عام 1925م، واعتقال حاكمها الشيخ خزعل بن جابر الكعبي ومن ثم نقله إلى طهران حيث تم سجنه حتى وفاته في عام 1936. وبعد إمارة عربستان بثلاث سنوات تقريبا، وفي عام 1928 تحديداً، احتل النظام الإيراني بلوشستان بعد هزيمة قوات البلوش من قبل جيش مؤسس السلسلة البهلوية رضا شاه بهلوي. الأمر ذاته تكرر مع الأكراد والآذريين خاصة مع نهاية النصف الأول القرن العشرين. يركز هذا المقال على القضية البلوشية التي قلّما يتم تناولها في الإعلام العربي وربما الغربي أيضاً.
منذ عام 1928 ظل الشعب البلوشي يناضل، بطرق مختلفة، للحصول على حقوقه، وتعرض للقمع من قبل النظام البهلوي الشاهنشاهي الذي سعى جاهداً، كما هو الحال في تعامله مع بقية الشعوب فيما يعرف بجغرافية إيران، للقضاء على جميع مظاهر الشعور القومي لدى البلوش وسعى إلى دمجهم وصهرهم في بوتقة واحدة اتسمت بالقومية الفارسية كهوية لكافة مكونات البلاد المتنوعة. يُعتبر يوسف علي مغسي الرائد الأول للحركة القومية البلوشية حيث أسس مع مجموعة من أصدقائه منظمة توحيد البلوش (انجمن اتحاد بلوچ ( وهي منظمة سياسية سرية من أجل تحرير بلوشستان.
كانت السياسة المركزية في إيران أكثر قمعية؛ فقد تبنى رضا شاه ثم نجله محمد رضا سياسة القبضة الحديدية، وبسبب ذلك فقد كانت الحركة القومية البلوشية في إيران أقل حظاً في التعليم والمشاركة السياسية والإعلامية والثقافية والعسكرية، واتبعت سياسات فارسية شاملة تلعو على الثقافة والهوية البلوشية، ولكن البلوش واصلوا النظر إلى أنفسهم كأمة مستقلة من الناحية الثقافية ومرتبطة ببقية ما يعرف باسم “بلوشستان الكبرى” التي تشمل حالياً أيضاً أجزاءً من باكستان وأفغانستان.
وبعد سقوط نظام الشاه عام 1979 استبشروا البلوش، كبقية الشعوب غير الفارسية، خيراً بنظام يرفع شعار حقوق الأقليات العرقية والدينية والعدالة الاجتماعية إلا أنه سرعان ما اتضح غير ذلك واصبح حالهم ينطبق عليه قول القائل “راح يرجوا نجاة من هلاك فهلك”. فبعد الثورة بأشهر قليلة وبعد أن تيقن البلوش من أن النظام الجديد يسير على خطى سلفه في التعامل مع الأثنيات غير الفارسية، بدأوا تحركاً فوريًا للتعبير عن هويتهم ، ولكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة مع النظام السياسي الجديد في إيران، وتم حظر الأحزاب السياسية البلوشية تماماً.
بهذا، استمرت حركة النضال البلوشي بعد الثورة ، خاصة وأن الخصومة مع النظام الجديد اصبحت تسير في مسارين متوازيين، خصومة عرقية وأخرى مذهبية (شيعية-سنية). من جانب آخر، زاد التعامل الاقتصادي غير المتكافئ للنظام الإيراني مع الشعب البلوشي من انعدام الثقة بين الشعب البلوشي وما يعرف بـالجمهورية الإسلامية. لم يكتف النظام الإيراني بالتضييق على البلوش في الداخل واستهداف رموزه، بل اتجه أيضاً إلى استهداف قيادات المعارضة البلوشية في الخارج، والشواهد على ذلك كثيرة.
وإذا ما أردنا أن ننقل واقع الشعب البلوشي في إيران، فإن الأرقام والاحصائيات التي تنشر في الداخل الإيراني- مع التحفظ على مدى مصداقيتها ودقتها وأنها تنقل الواقع بحيادية وهو الأمر الذي يشكك فيه كثيرون في داخل إيران وخارجها ويرون أن هذه الإحصائيات لا تنقل إلا جزءاً من الحقيقة- فإننا نجد أن الواقع مرير للغاية. فعلى المستوى التعليمي، صرح مؤخراً مساعد وزير التعليم الإيراني بأن 67 ألف تلميذ تتراوح أعمارهم بين 6-9 سنوات، تسرّبوا من مدارس المرحلة الابتدائية خلال العام الماضي، 30% منهم من محافظة بلوشستان، و 52% من محافظتي كردستان وبلوشستان فقط. علاوة على ذلك نجد أن متوسط التعليم في إيران يصل، وفقاً لإحصائيات حديثة، إلى 84.61% من مجموع عدد السكان بينما نجده في محافظة سيستان لا يتجاوز 68.01، بينما نجد الأمية في المدن الرئيسة بالمحافظة تصل إلى 32% وفي القرى والأرياف تتجاوز 40%. من جانب آخر، أكد عليرضا نخعي مدير إدارة التعليم في محافظة سيستان وبلوشستان أن 120 ألف طالب وطالبة في المحافظة لم يصل إليهم التعليم، وفقاً لما نشرته وكالة أنباء مهر شبه الحكومية مؤخراً.
على المستوى المعيشي، تشير التقارير الصادرة من البنك المركزي الإيراني إلى أن محافظة بلوشستان تعد الأكثر فقراً من بين الأقاليم والمحافظات في البلاد، حيث تتجاوز نسب الفقر 50%، كما يؤكد البنك على أن أعلى متوسط دخل للأسرة في البلاد من نصيب أهالي العاصمة طهران، بمبلغ 40.305 مليون تومان ( 12200 دولار )سنوياً، بينما كان أدنى متوسط دخل في بلوشستان بمبلغ 15.548 مليون تومان ( 5700 دولار ) سنوياً. ووفقاً للمصدر ذاته، فإن هناك عجز كبير في ميزانية كل أسرة في بلوشستان تقدر بنحو 10.000.000 عشرة مليون تومان (3030 دولار) إذا ما تمت مقارنة الدخل بالمصروفات. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الأرقام لا تشير إلى من يعيشون على خط الفقر أو تحته. من جانب آخر، صرح مساعد مدير جامعة العلوم الطبية والخدمات الصحية للشؤون الصحية بأن 20% من الأطفال دون خمس سنوات يعانون في محافظة سيستان وبلوشستان من النحالة وضعف الجسم بسبب الفقر و عدم حصولهم على الغذاء المناسب كماً وكيفاً. وفيما يتعلق بالبطالة، يؤكد حسين علي شهرياري ممثل مدينة زاهدان (عاصمة محافظة سيستان وبلوشستان) في البرلمان الإيراني بأن البطالة تتجاوز 50% بين شباب المحافظة.
وعلى المستوى الثقافي والأدبي، تفرض السلطات الإيرانية قيوداً كبيرة على الصحف المحلية في المحافظة وأنها موقفة أو شبه موقفة في جميع مدن بلوشستان ويخضع ما ينشر منها لرقابة صارمة ومباشرة من قبل الحرس الثوري الإيراني، كما أنه لم ينشر أي كتاب في دور النشر الموجودة في المحافظة، حسب تقارير صادرة من الداخل الإيراني.
إن هذه النسب تؤكد على أمرين هامين هما: أولاً، أن هناك إشارات جليّة إلى اتباع النظام الحاكم في طهران لسياسة تجهيل الشعوب غير الفارسية ولها أبعاد سياسية كبيرة، وثانياً، أن الحكومة الإيرانية غير جادة في تلمس احتياجات المواطنين والنظر في مطالبهم بل وتعمل على تهميشهم، الأمر الذي قاد السكان إلى تنظيم اعتراضات ومسيرات احتجاج متكررة لم تجد آذاناً صاغية مما قاد بعض شباب المحافظة إلى اللجوء إلى النضال المسلح وتشكيل كتائب جند الله ثم جيش العدل وجماعة أنصار الفرقان، كبّدت الحرس الثوري وحرس الحدود الإيراني خسائر فادحة طيلة السنوات القليلة الماضية، ولا تزال المواجهات المسلحة قائمة بل وتزداد ضراوة بين الفينة والأخرى واصبحت المحافظة تشكل هاجساً أمنياً للقيادت العسكرية والأمنية في إيران.
إن التهميش والمعاملة غير المنصفة لشريحة كبيرة من المجتمع الإيراني، قد انعكس بشكل كبير ومباشر على الاستقرار السياسي في البلاد خاصة إذا ما استمر النظام في تجاهل هذه المطالب المعيشية والتنموية الرئيسة. فوفقاً لتقرير أمريكي صدر قبل بضعة شهور، صنفت إحدى المؤسسات البحثية الغربية (Control Risks) حالة الخطر السياسي في إيران بـ “المرتفعة” (High) بينما جاء الخطر الأمني بالمستوى “المتوسط” (Middle) خاصة في بلوشستان، ولعل ذلك مؤشر كبير على مدى امتعاض تلك الأقليات إلى جانب شرائح أخرى من المجتمع الإيراني بشكل عام.

نقلاً عن كجلة الخليج

د. محمد بن صقر السلمي

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق