عبد القادر نعناع

بعضٌ من إشكاليات الهوية السورية

تكاد لا تخلو أية جلسة سورية من تذكّر حديث القوتلي-عبد الناصر، عشية الوحدة، عن حجم التنوع السوري الثقافي والسياسي والإثني وما سيسببه من إشكاليات لدولة عبد الناصر “الوحدوية”. ويمكن اعتبار هذا الحديث –والذي يرويه كل طرف من زاويته- مقدمة لاستدراك حجم الإشكال الذي كان يتمأسس منذ حينها في الهوية السورية، هذا التمأسس بعد الاستقلال، كان من الممكن له أن يُنتِج مجتمعاً مدنياً معاصراً، ربّما تجاوز وتفوّق على العديد من المجتمعات المدنية الغربية الديمقراطية الليبرالية الحالية، لكنه الاستلابية التي وقعت منذ دولة عبد الناصر الوحدوية-الاستبدادية، أدت إلى تأسيس ما هو مضاد كلياً من دولة بوليسية على النمط المصري المركزي بالغ القمعية، والتي ورثها البعث وطوّرها، قبل أن يسطو عليها المقبور حافظ الأسد، ويجعلها سمة تاريخ سورية المعاصرة طيلة نصف قرن.

صحيح أنّها تظل في ذات فلك النظم الاستبدادية المشرقية –التي كان أولها نظام عبد الناصر- إلا أن المقبور حافظ الأسد أضاف إليها خصوصية بيئته التي أفرزته، الإثنية والجغرافية والاقتصادية والسياسية والدينية، ليفرض دولة استبدادية طائفية متخلِّفة، رافضة للتطور والانفتاح، تتوجس من كل أشكال التحضر، كارهة لذاتها ولغيرها، أو بالأصح فرض نمط كره الآخر في البيئة العلوية على عموم المجتمع السوري، تجاه ذاته وتجاه الخارج العربي والأجنبي.

هذه الصورة أو الهوية التي فرضها المقبور قسراً على الهوية السورية، عبر أذرعه الأمنية والسياسية وسواها، طيلة قرابة نصف قرن، مع مقاومة ضعيفة أو عاجزة أو منهزمة أمام الهوية العلوية-الأسدية، وخصوصاً قبل عام 2011، أنتجت هوية سورية بالغة التشظي ومشبعة بالكراهية، ما كان للحراك الثوري أن يتجاوزها أو أن يُنتِج هوية مضادة لها، إذ ما زالت الهوية السورية بعد سبع سنوات من الصراع الهوياتي والسياسي مع نظام الأسد الوريث، تدور في فلك التشظي الذي رسخته البعثية العلوية.

أشكال كثيرة من هذا التشظي تظهر في حال تخصيص دراسة مطولة، لكن يمكن استعارة بعض المصطلحات لمقاربة هذه الإشكالية –وهي واحدة من إشكاليات جمة في الهوية السورية-، من هذه المصطلحات، يمكن الاستعانة بمصطلح التشبيح/الشبيحة، ليس بمعناه العسكري القائم على فعل الإبادة والذبح والاغتصاب والتعفيش، بل بمعناه السياسي القائم على موالاة فكر سياسي أو موالاة ما هو أدنى من ذلك –متسلط أو حاكم-، بغض النظر عن سلوكياته وأهدافه، بل ربما لا أهداف له سوى تحقيق مصالح بالغة المحدودية، وبالغة الدونية والحيونة.

إذ لم يعد الشبيحة، حكراً على نظام الأسد، بل تجاوزه إلى الشبيحة الدينية، أو شبيحة الإسلام إن جاز التعبير، حيث اعتبروا أنفسهم الممثلين الوحيدين عن راية الإسلام، وأجازوا كل أشكال الاستبداد والعنف تجاه الآخر ما دامت تحت هذا الشعار. وهنا التنوع واسع للغاية، انطلق بشكل تدريجي مع الظهور الإعلامي للشخصيات المهمشة الفاشلة –عديمة الثقافة والوعي والمشروع- والتي وجدت في الخطاب الديني وسيلة لتحقيق فوائض مالية جديدة، كالعرور ودمشقية، الذين أسسا للشبيحة الدينية العلنية في الوسط الثوري، قبل أن تظهر شبيحة اتجاهات تيار الإسلام السياسي الحقيقية إلى العلن –إخوان مسلمون، نصرة، داعش-، ولتلتحق بهم شبيحة الإسلام السياسي التابعة لقادة الفصائل (المسلحة، أو الثورية، أو الإسلامية، أو المقاتلة، أو المجاهدة، أو المرتزقة، أو …، فلكلٍ توصيفه حسب موقفه، فيما هي ذاتها لم تؤكِّد توجهاً هوياتياً وطنياً حتى الآن بدليل صراعها مع ذواتها، واستهدافها لمن كان من المفترض أن تتبوأ لحمايتهم).

هذه البيئة الهوياتية المفرِزَة للتشبيح، أو التي تغص بالشبيحة عند الطلب، تمتد إلى أوسع من ذلك، في غياب هوية وطنية جامعة، وفي ظلّ حرب هي حرب أهلية وتحررية وثورية في آن معاً، حيث نشهد تشبيحاً إقليمياً، إذ تتصدى كل مجموعة للدفاع عن دولة إقليمية (غالباً ما تكون تركيا أو قطر وبدرجة أقل السعودية)، دفاعاً لا يرتبط بالمسألة السورية وأدوار هذه الدول في الداخل السوري، بل أدنى من ذلك بكثير، فهو دفاع من التشبيح المرتبط بالدفاع عن كل ما يصدر عن هذه الدول، ولو كان مرتبطاً بتدبير الحياة اليومية لحي سكني في إحدى مدنها. إذ يغدو انتقاد سياسات دولة منها، انتقاداً مشخصناً لشبيحتها السوريين، بل ويُعتبر لدى بعضهم انتقاداً للإسلام، وللثورة السورية.

هذه إحدى –وربما أبسط- إشكاليات الهوية السورية الحالية، والتي ستعيق حتماً –وبقوة- إعادة بناء الهوية والدولة، في حال افتراض قيام توجه حقيقي للحفاظ على الحدود الجغرافية السورية السابقة، سواء لناحية عدم إمكانية التوافق على هوية وطنية واضحة حتى الآن، والإصرار لدى شرائح واسعة على ربطها بقوى إقليمية، أو بأيديولوجيات سياسية ودينية متطرفة/بالغة التطرف.

وبالمحصلة، فإنّ الثورة التي كانت في مطلع هذا العقد، أضافت أقلية جديدة إلى مجتمع الأقليات الواسع في سورية، وهي الأقلية المؤمنة بالحرية والديمقراطية التي لا تمتلك وسائل الدفاع عن الذات، والتي يبدو أن الكل يستهدفها، وأنها الأقلية التي قام إجماع على رفض حضورها في المشهد السياسي المستقبلي، لصالح الهويات الأخرى ذوات الحمائية التشبيحية.

عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق