%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%b3%d8%b7

بدأت الحفلة: صراع إقليمي جديد لصد إيران وانصياع تركيا

لا يزال الحرس الثوري الإيراني مستمرا في استراتيجيته في توسيع نفوذه في العراق وسوريا، وطائرات بلا طيار فوق حدود سوريا والعراق، وترفض إيران أن تستحوذ روسيا بمفردها على المنطقة التي جلبتها إلى المنطقة بل تزاحمها، وأطلقت في يونيو 2017 صواريخ على شرق سوريا بحجة أنها تستهدف قواعد لداعش التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات طهران أودت بحياة 18 شخصا.

 تسعى إيران إلى تحركاتها على الحدود العراقية السورية إلى فتح طريق إمداد بري للأسلحة والمقاتلين من إيران، وتشكيل حزام من المليشيات الشيعية الموالية لها على المحور الممتد بين العراق وسوريا وحتى لبنان، وهي معادلة أثارت قلق الولايات المتحدة الأميركية خصوصا بعدما نشرت وسائل إعلام إيرانية مليشيات معظم أفرادها من شيعة أفغانستان كثفت عن تحركها باتجاه الحدود العراقية السورية في استمرار لعمليات بدأتها في مايو 2017 لدعم الجيش السوري وحلفائه من المليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانبه.

 ويظهر في الصور قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني وهو يصلي على الحدود العراقية السورية وإلى جانبه مقاتلون من مليشيات فاطميون.

نفت وزارة الدفاع الروسية توجيه قواتها الجوية في سوريا ضربة لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركيا، وقال المتحدث الرسمي هذا غير ممكن لماذا نقصفهم، لكن فيما أعلن قائد وحدات حماية الشعب الكردي بأن النظام السوري المدعوم من إيران أعلن الحرب عليه، وأنه لن يسمح له بعبور الفرات، لكن بدعم أميركا تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على حقل غاز في دير الزور وهو ما يقلق إيران وتركيا.

أثناء الأزمة السورية همشت القضية الفلسطينية وتراجعها إلى المرتبة الثانية في الخريطة السياسية للشرق الأوسط على خلفية صعود الأزمة السورية إلى المرتبة الأولى وتأزم العلاقات بين إيران والسعودية، يبدو أن حل الأزمة السورية التي بدأت تلوح في الأفق بعد اتخاذ قرار القضاء على داعش لا يمكن أن يتم إلا بصد النفوذ الإيراني وإشغالها بأزمة القضية الكردية.

تود روسيا أن تتحرر من التحالف التكتيكي الإيراني خصوصا وأن المفاوض الإيراني ماهر في التقاط الفرص، ولم تجد روسيا وأمريكا سوى استخدام الورقة الكردية، وحان الوقت لكلا البلدين أن يقيما علاقة جديدة مع دول الخليج وخصوصا السعودية مما يضرهما إلى استخدام الورقة الكردية خصوصا وأن روسيا اعترفت بجمهورية مهاباد الكردية في إيران عام 1946، ودعم الاتحاد السوفيتي في تأسيس جمهورية كردستان الحمراء في عام 1923 والتي كانت حدودها تمتد بين أرمينيا وأذربيجان وتتمتع بحم ذاتي.

وسبق أن دعمت روسيا الكرد ثقافيا منذ عام 1787 فقد صدرت أوامر من الإمبراطورية كاترين العظيمة بنشر قواعد اللغة الكردية وافتتحت مدرسة للكرد في سان بطرسبرغ.

يصدر إقليم كردستان النفط منذ عام 2014 وانضمت روسنفت التي تسيطر عليها الكرملين إلى قائمة المشترين حيث أقرضت الإقليم مئات الملايين من الدولارات بضمان مبيعات نفط المستقبل حتى تعطي هذه الصفقة دفعة قوية لطموحات روسيا في سوق الغاز العالمية التي تحتكر إمدادات أوربا بالغاز، وبالنسبة لتركيا يعني ذلك وصول إمدادات جديدة لاقتصادها المتعطش للطاقة وإمكانية أن تصبح مركزا رئيسيا لإمدادات الغاز إلى أوربا.

 ما يعني أن أزمة الاستفتاء في كردستان تريد الولايات المتحدة أن تعيق خطط روسيا وطموحاتها في احتكار إمداد أوربا، لأن الأنبوب يتوقع أن تصل طاقته نحو 30 مليار متر مكعب من صادرات الغاز السنوية، حيث تمتلك كردستان أكبر احتياطيات غير المستغلة على مقربة من أوربا والتي تبلغ نحو ستة في المائة من إجمالي الطلب على الغاز في أوربا، ونحو سدس حجم صادرات الغاز الحالية من روسيا أكبر مورد للغاز إلى أوربا حتى الآن بفارق كبير.

 سيجري مد الخط في عام 2019 لخدمة الإقليم ومن المقرر أن يبدأ التصدير في 2020 حيث فازت الشركة في تطوير خمسة حقول وتوسعة بنية الإقليم التحتية لخطوط الأنابيب التي تنقل الخام عبر تركيا إلى الأسواق العالمية حيث يسعى الإقليم لزيادة صادراته من النفط من 650 ألف برميل يوميا حاليا إلى مليون برميل يوميا بنهاية العقد.

يعتبر الاستفتاء على الأقل وسيلة ضغط لإعادة التفاوض مع بغداد حيال حصة الأكراد الاقتصادية والسياسية أكثر منه بداية لتقسيم البلاد خصوصا بعد أزمة العيش في كردستان، وانخفاض الرواتب إلى الثلث عما كانت عليه بعدما تم حظر موازنة الإقليم بعد تصدير الإقليم النفط من جانب واحد دورن المرور عبر بغداد، والقضية الكبرى الأخرى هي التفاوض حول المناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد وخصوصا كركوك الغنية بالنفط بما فيها من ثقل ديموغرافي للعرب والأكراد.

 لقد وسعت كردستان بالفعل أراضيها وسيطرت البشمركة على مناطق خارج حدودها بالاستفادة من تراجع المتطرفين في الشمال خصوصا وأن داعش خلفت أعداد كبيرة من القوات شبه العسكرية الشيعية والسنية والكردية والتركمانية، فإن شبح الطائفية والاشتباكات بين الأقليات تبرز من جديد، وهو ما جعل هادي العامري زعيم مليشيات بدر من أن يجر الاستفتاء إلى حرب أهلية، فالعراق غير قادر على الدخول في حرب جديدة بعد داعش، وكذلك إيران مشغولة بالملف السوري، ولكن الورقة الكردية ستردع إيران وتربك مواقفها وحتى تركيا تخفف الضغط عن مواجهة سوريا الديمقراطية في سوريا.

إيران بدأت بغلق حدودها البرية والجوية مع الإقليم، فيما تركيا تهدد بقطع خط أنابيب النفط للخام من شمال العراق للعالم، وهناك إجراءات أمنية وازدحام في أول انتخابات في فيدرالية الشمال السوري وصفتها دمشق بأنها مزحة والمنظمة الآشورية تقاطع تلك الانتخابات، وفي نفس الوقت تركيا تحاول منع الأكراد من الاستيلاء على منطقة عرفين المتاخمة لإقليم الاسكندرونة بما يؤمن لهم منفذا على البحر المتوسط.

الأكراد مهدوا لدولتهم في عام 1992 مع انتزاع حكم ذاتي كامل، وبعدها خطوا نحوها بانتزاع صلاحيات فيدرالية في دستور عام 2005، ثم اقتربوا نحو توسيع كردستان باتجاه الأراضي المتنازع عليها في كركوك في 2014، وإثبات القوة في مقارعة داعش بدعم غربي منذ 2014 وحتى الآن.

 فالاستفتاء يفتح شهية أكراد إيران البالغ عددهم نحو 6 ملايين، وأكراد تركيا البالغ عددهم نحو 15 مليون، والعراق البالغ عددهم نحو 5 ملايين، وأكراد سوريا البالغ عددهم نحو أكثر من مليون كردي للانفصال.

 وهو مصير تتخوف منه أنقرة وطهران اللتان تحاولان تطويقه بالدبلوماسية لكن الحكومة العراقية تلوح بالحل العسكري، وهو ما ينذر بصراع اثني في العراق بعد القضاء على داعش، ما يعني أن البلاد متجهة نحو جولة دموية جديدة ولكن بعناوين قومية هذه المرة.

منذ أغسطس 2016 دعمت أمريكا وروسيا أكراد سوريا في السيطرة على منبج قرب الحدود التركية بحجة محاربة داعش حتى أن أنقرة هددت بضرب الأكراد إذا لم ينسحبوا إلى شرق الفرات والانسحاب من منبج، عندها أعلن مجلس منبج العسكري للأكراد بشكل مفاجئ الاتفاق مع روسيا على تسليم القرى الواقعة على خط التماس مع درع الفرات إلى قوات حرس الحدود التابعة للنظام السوري.

 سبق أن أوقفت تركيا الأكراد في عفرين نحو الشرق ومن منبج نحو الغرب وهو ما يثبت أن هناك توافقا أميركيا روسيا ولو كان تكتيكيا على ما يحصل في المنطقة من أجل الحد من الاندفاعات التركية وعدم مشاركتها في تحرير الرقة وصد النفوذ الإيراني في المنطقة.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق