الثورة العراقية

المقاومة العراقية: حكمة الصمت قبولاً ورفضاً

قد يتفهم البعض سبب استمرار الصمت الميداني لدى فصائل المقاومة العراقية قاطبةً، بعدم الدخول في نزاع مسلح ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، الذي تحول على حين غرة، من قوة محلية محدودة إلى قوة إقليمية فرضت وجودها على نصف مساحة سوريا، وثلث مساحة العراق. إذ إن هكذا مواجهة مسلحة ستأتي لصالح حكومة الظل الإيرانية في بغداد، خصوصاً بعد أن وصل ثوار العشائر العربية المدعومين بفصائل المقاومة إلى مشارف العاصمة بغداد في منتصف حزيران/يونيو 2014، حيث بشائر التحرير تلألأت في المحافظات الثائرة، سيما في نينوى، وصلاح الدين، والأنبار، ومناطق في ديالى وكركوك.

وكذلك يتفهم الكثير سبب نزول المقاومة العراقية تحت الأرض وتفادي القتال على جبهتين: صفوية وداعشية، تريدان الإطباق عليه وإنهاءه تماماً. فكانت الحكمة تملي على قادة المقاومة التروي والتريث تجاه المتغييرات السريعة والفائقة الخطورة. فبالنسبة لداعش ما كان لها هذا الامتداد المندفع على مناطق شاسعة، والاستيلاء على أسلحة ثقيلة بمختلف الصنوف، والانهيارات العسكرية المدوية، لولا التخطيط الخفي لقوى خارجية أرادت منع المقاومة العراقية من تحقيق هدفها التحرري. وهكذا سرعان ما ظهرت داعش كقوة ميدانية كبيرة، سرعان ما أصدرت بياناتها ضد النجف وكريلاء بألفاظ نابية مقصودة الاستفزاز. فأتت فتوى السيستاني بالجهاد الكفائي في 13/6/2014، كأنها ردة فعل تجاه تهديدات داعش الإرهابية. ولم تمض إلا أيام معدودة حتى أعلن الدواعش قيام الخلافة الإسلامية في 29/6/2014، ليدخل العراق في أتون حرب جديدة حرقت وما زالت تحرق النسيج الاجتماعي.

ولكن بعد مضيء سنتين تقريباً، والمحافظات الست الثائرة يتم طحنها بطريقة دموية ممنهجة من قِبل تلك الجبهتين الصفوية والداعشية، فإن صمت فصائل المقاومة العراقية يثير التساؤلات عن الحكمة في استمرار صمتها الميداني. بل توجب أيضاً الاستفسار عن عدم وجود أية عملية نوعية ضد الصفويين الطائفيين، الذين يصولون ويجولون بارتكاب المجازر البشعة، وتفجيرات المساجد، وحرق البيوت، وسرقات المحلات، دون أدنى خشية من أي جهة مسلحة أو مدنية قد تجابههم.

وبلغة أكثر وضوحاً، نقول إن قائد فيلق القدس الإيراني، اللواء قاسم سليماني، الذي يواجه قراراً أممياً بالمنع من السفر، يقود المعارك الطائفية على الأراضي العراقية، تلك المعارك التي تتبع سياسة الأرض المحروقة، في جرف الصخر سابقاً، والفلوجة لاحقاً. فيما “البشير” و”النذير”، وغيرها من منظومة صواريخ المقاومة العراقية، التي دكوا بها أوكار ومراكز المحتل الأمريكي، ما تزال صامتة كأنها لم تكن يوماً موجودة.

أخذ تاريخ المقاومة العراقية مراحل التطور والتكتل، وارتقت بواقعها الميداني تجاه مستويات التحدي، حيث حققت فيها النتائج الباهرة، بإلحاق الهزيمة العسكرية بقوات الاحتلال الأمريكي. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، عندما أدركت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش ضرورة زيادة عديد القوات الأمريكية، استجابت فصائل المقاومة العراقية في النصف الثاني من عام 2007، لهذا التحدي وأعلنت عن قيام جبهاتها الجهادية: “جبهة الجهاد والتحرير”، و”جبهة الجهاد والتغيير” وغيرها، لتكون أشد بأساً وضراوةً على العدو المحتل. وفي أواخر 2008، بدأت القيادة العسكرية الأمريكية تتحدث عن فشل فرض الحل العسكري، ثم أخذت الإدارات الأمريكية بالانحدار نحو باب الخيبة، وراحت تسحب قواتها تدريجياً قبل نهاية 2011.

ورغم هذا النصر التاريخي الذي حققته فصائل المقاومة العراقية المظفرة، فإن العمليات المادية بدأت تنحسر رويداً رويداً، بدعوى التركيز على مَنْ يرتكب العدوان فقط. بيد أن الجانب الصفوي استفحل بشكلٍ نفذ فيه نوري المالكي المجازر الدموية، والاعتقالات التعسفية، والتصفيات الطائفية، وجابه التظاهرات والاعتصامات المدنية السلمية في المحافظات الست المنتفضة، بعقلية طائفية وحشية قل نظيرها. وعندما ثارت العشائر العربية من أجل وقف البطش والتنكيل في مناطقها، فإن المقاومة العراقية ساندت ودعمت هذه الثورة التي أدغموا فيها داعش إدغاماً يتسابق مع الزمن في نشر صور ذبح البشر لتشويه المقاومة عمداً.

وما سردناه آنفاً، لا يمنع من القول إن المقاومة العراقية عليها أن تتحرك وتقوم بين الفينة والأخرى بعمليات نوعية، تمنح الثقة والعزيمة لأهالي المناطق المنكوبة أولاً، ولقواها المدنية ثانياً، ولجميع الأحرار ثالثاً. وإلا فإن دماء الشهداء، وحسرة السجناء، ولوعة المتوارين، ستزداد أكثر فأكثر بحكم واقع الحال. وهكذا وضع، بصورة أو بأخرى، سيجعل فجوة مؤلمة بين بواسل المقاومة وشعبهم الذي يرى يومياً في وسائل الإعلام مدى الاستهتار والاستخفاف الذي يبديه قادة الحشد الطائفي وصلافة الوجود العسكري الإيراني الذي يقتل بهم جهاراً نهاراً، تحت أسماع وأنظار العالم بأسره.

نعم، إن تلك الأحداث الدامية لا يمكن لها أن تجري وتستمر دون التواطئ الأمريكي الفاضح، والسكوت العربي المخجل. ولكن، وفقاً لمعطيات ومتغيرات الواقع العراقي في السنتين الماضيتين، فإن اتباع سياسة الصمت الميداني قد تجاوزت سقفها الزمني، وما يرتكبه الصفويون من جرائم طائفية وحشية، يجب على المقاومة العراقية أن تتصدى لها وفق الطريقة التي ترتأيها. إن التأخير بالاستجابة إلى صناعة الفعل الميداني تجاه الوجود العسكري الإيراني ومجاميعه الطائفية المسلحة التي تقتل المدنيين الأبرياء بذريعة محاربة داعش، يعني استمرار الجرح نازفاً لدى كل عراقي حر غيور ينظر إلى السماء، ويتطلع إلى المقاومة.

عندما يصل الأمر بالكلام عن هذا الوضع لجميع فصائل المقاومة العراقية بلا استثناء، تجاه ما جرى ويجري على أرض الواقع في السنتين المنصرمتين، فإننا بين ما هو مقبول وينبغي التسليم به عقلياً ومنطقياً، وما هو مرفوض، حيث لا تبرير له عقلاً ومنطقاً، إلا بما سيقوله صاحب الشأن في هذا المضمار. وعلى حدّ علمنا أن فصائل المقاومة ما زالت تلتزم حكمة الصمت الميداني، ومعها تتراوح درجات القبول والرفض.

هذا إن لم نتطرق إلى الانجرار والإنحراف الذي حدث، على سبيل المثال، مع “حركة المقاومة الإسلامية في العراق” التي تُعرف اختصاراً باسم “حماس العراق”، التي اصطفت مؤخراً مع الصحوات لقتال داعش. وهذا الفصيل له صلته مع “الحزب الإسلامي العراقي”، الجناح السياسي للإخوان المسلمين في العراق، والمشارك في العملية السياسية المتمخضة أصلاً من المحتل الأمريكي. كما وأن حماس العراق عضو مؤسس في “المجلس السياسي للمقاومة العراقية”، الذي يتكون من “الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية” التي تختصر باسم “جامع”، القريبة أيضاً من الإخوان المسلمين، وفصائل أخرى داخل المجلس. فهل يعني فيه تفكك أو تفاوت بما يتصل بالتنظيم الإخواني الدولي؟

وبغض النظر عن افتراضنا، فالمهم أن قيادات المقاومة العراقية، وعلى رأسها “القيادة العليا للجهاد والتحرير”، كونها تمثل الجبهة الأكبر والأثقل ميدانياً وسياسياً وشعبياً وعلى المستويين الداخلي والخارجي، أن تفعل شيئاً ضد الوجود العسكري الإيراني الذي يقتل الشعب العراقي على أساس طائفي، وباعتراف قادته السياسيين والعسكريين. ألم يشر مساعد قاسم سليماني المدعو مسجدي، إلى أن حربهم في الفلوجة لأسباب طائفية ولإبعاد الحرب عن إيران؟

في الوقت الذي ندعو فيه فصائل المقاومة العراقية إلى تحريك صواريخها لضرب التجمعات الطائفية المسلحة التي تقودها إيران داخل العراق، فإننا ندعو أيضاً قوى التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، أن تساند وتدعم فصائل المقاومة العراقية في حربها ضد الهيمنة الإيرانية ومشروعها الصفوي في البلدان العربية، وإن “صواريخ نمر النمر” التي جلبوها من الترسانة الإيرانية لتدك وتهدم البيوت والمساجد في الفلوجة، لها أكثر من رسالة للمنظومة الخليجية عموماً، والمملكة العربية السعودية خصوصاً.

ناهيك عن الإشارة إلى فضيحة “الخدعة” التي ساقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه مجلس الشيوخ الأمريكي والشعب الأمريكي، عن الاتفاق النووي مع إيران الذي جاء على حساب المصالح الأمريكية وأصدقائها العرب في المنطقة، لتكون إيران هي اللاعب البديل لأمريكا في المشرق العربي. مما يعني أنه على المملكة العربية السعودية التي تقود الأمة في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة، ألا تكتفي بحدود الأقوال ضد التدخلات الإيرانية السافرة في العراق تحديداً، بل على القيادة السعودية أن تنتقل إلى الفعل الواقعي بالاعتراف السياسي بالمقاومة العراقية في أقل تقدير، لتكون المقاومة العراقية أكثرة قوة واندفاعاً في مواجهة التغول الإيراني المدعوم من إدارة أوباما.

ورب سائل يقول: إن المقاومة العراقية لم تنضو تحت قيادة واحدة؟ وإن اختيار جهة ما قد يخلق حساسية بين مكونات وأطياف المقاومة العراقية؟ ولكن يجب أن نعلم أنه مع ولوج السنة الرابعة عشر من عمر المقاومة العراقية، فإن العامود الفقري للمقاومة لا يتعدى بضعة مكونات، وهي تلتقي مع بعضها الآخر في وحدة الهدف المشترك، وتقديم أي مكون منها يعني تمثيلاً ضمنياً لبقية المكونات بحكم الهدف التحرري الجامع، وبذلك ليس فيه معضلة حقيقة بين الأطياف الرئيسة في المقاومة العراقية.

ولكي نبقى في صلب الموضوع، فإن المرحلة الحالية التي يستهتر بها قاسم سليماني بقيادة المجاميع الطائفية في قتل العراقيين وتدمير مدنهم، فعلى المقاومة العراقية مجابهة هذا الوضع بعمليات نوعية خاطفة، سواء باشتباك استشهادي أو الضرب بالصواريخ، لكي تبرهن فيه على مجمل من الأمور المهمة والخطيرة منها:

أولاً: قدرتها على إحداث الفعل في الوقت والمكان الذي تختاره وتنفذه وحدها، كما فعلت في عملياتها ضد المحتل الأمريكي.

ثانياً: تأكيدها على وجود ساعة الصفر التي قد تحدث في أية مواجهة قادمة مع الأعداء، وإنهاء وجودهم الدخيل على أرض الرافدين.

ثالثاً: تثبتُ للعرب وللمسلمين وللعالم أجمع، بأن وجودها يعني أن المستقبل لها، لا لإمعات واشنطن وطهران الذين لم يقدموا للعراق وأهله غير الدمار والتقهقر.

د. عماد الدين الجبوري

باحث عراقي

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق