آمال موسى

المعركة الانتخابية في تونس: بين الإسلاميين والقوى الحداثية

يمثل يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) من الشهر الحالي موعدا سياسيا حاسما في تاريخ تونس ما بعد الثورة، وذلك لأنه تاريخ إجراء الانتخابات التّشريعية، التي تعد الأولى، إذا ما اعتبرنا أن انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، التي أقيمت في 23 أكتوبر 2011، كانت بالأساس من أجل صياغة دستور جديد، في حين أن الانتخابات التشريعيّة القادمة، وأيضا الرئاسيّة التي ستنتظم أواخر الشهر المقبل، ستشكلان الحياة السياسيّة وتحالفاتها للسنوات الخمس المقبلة.
من جهة أخرى، فإن نتائج الانتخابات التشريعيّة ستكون محدّدة للنخبة السياسية، التي ستهيمن على القرار السياسي والحكم، فضلا عن كونها عاملا أساسيا في بناء التحالفات السياسية وذلك من منطلق الدور الحاسم لصندوق الاقتراع في تحديد الأكثر شعبية والأكثر وزنا من ناحية الأصوات. كما أنه في ضوء ما سيبوح به صندوق الاقتراع تُحدد أيضا الصداقات السياسية والتحالفات وتُضبط سياسة التوافق السياسي إذا ما فرض صندوق الاقتراع ذلك، كضمانة أساسيّة للتعايش السياسي وللممارسة السياسية سواء كان الحكم ثنائيا أو ائتلافيا.
ولكن كيف يمكن توصيف الملامح السياسية للأطراف الفاعلة في الانتخابات التشريعية التي ستكون مؤثرة بشكل مباشر على الانتخابات الرئاسية أيضا؟
إن الخاصية الأساسية، التي يمكن أن تصف لنا ببساطة ووضوح طبيعة المعركة الانتخابية اليوم، تتمثل بالأساس في أن معركة الانتخابات هي بين الإسلام السياسي والقوى الحداثية، أي بين الإسلاميين وأنصار المشروع التحديثي للدولة الوطنية التونسية سواء أكانوا أنصاره جملة وتفصيلا أو الذين يرون فيه ضرورة ويجب التمسك به مع معالجة نقائصه.
طبعا المقصود بالإسلام السياسي هو أحد أهم مكوناته، أي حركة «النهضة» التونسية. أما الغالب على القوى الحداثية ذات المرجعية الدستورية فهو أن أبرز عنصر فيها حركة «نداء تونس».
لا نستطيع أن نصف هذه المعركة في ظاهرها على الأقل بأنها عنيفة أو حامية، لكنها في جوهرها تبدو كذلك، لأن الخلاف آيديولوجي بالأساس ويتصل بكيفية تصور المشروع الاجتماعي التّونسي.
ورغم ذلك، فإن ما يستحق الملاحظة هو أن طرف الإسلام السياسي، متمثلا في حركة «النهضة» بالتحديد، إنما يسعى إلى خوض معركة الانتخابات من خلال توخي أسلوب المرونة والانفتاح وإيثار التوافق مبدأ للحياة السياسية لمرحلة ما بعد الانتخابات.
وفي الحقيقة، فإن تركيز قيادات حركة «النهضة» على مقولة «التوافق» في خطابهم السياسي، ليس وليد اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، بل إنه خطاب بدأ منذ نحو السنة. لذلك، فإن الخطاب الذي قدّمه السيد راشد الغنوشي، رئيس حركة «النهضة»، بمناسبة تقديم برنامج الحركة الانتخابي، تواتر فيه استعمال كلمة «التوافق» نحو 20 مرة. بل إن الغنوشي في الكلمة ذاتها حرص على استيعاب المحيط السياسي والإعلامي من خلال إبراز عدم كفاية النجاح في الانتخابات ما لم تكن العلاقة يحكمها التفاعل الإيجابي مع المجالين السياسي والإعلامي، داعيا أيضا إلى تكوين حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات، تضم الأحزاب الرابحة والخاسرة معا، دون أن ينسى الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة.
وكما نلاحظ، فإن حركة «النهضة» تبدو كمن يسير فوق الزجاج. فهي تحاول ضمان وجودها السياسي دون إثارة خلافات قوية أو السقوط في منطق الاستشعار بالقوة، كما حصل أثناء فوزها بالأغلبية النسبية من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي، أي أن هناك علامات توحي بأن «النهضة» استوعبت الدرس القائل بأن الشرعية الانتخابية وحدّها ليست كافية، بدليل أن الأحزاب التي تصفها تهكما بـ«صفر فاصل»، بمعنى الخاسرة في انتخابات 23 أكتوبر 2011، هي التي نجحت في إخراجها من السلطة.
طبعا ليس عامل التوازنات الداخلية، خاصة تأثير حادثي الاغتيال – مع أهميتهما – هو الذي تحكم فقط في توجيه اختيار حركة «النّهضة» لسياسة المرونة والتوافق، بل أيضا يوجد عامل خارجي قوي، يتمثل في سقوط تنظيم الإخوان في مصر واعتبار الحركات الإخوانية من طرف قوى مركزية، سواء عربية أو غربية، حركات إرهابية. وهو واقع عربي ودولي، جعل من حركة «النهضة» تتخلى عن خطاب الشرعية وتخفض من النبرة العالية وتمضي في اتجاه الاشتغال أكثر على صورتها في الداخل والخارج.
وفي هذا الإطار، انخرط رئيس «النهضة» فيما سُمي الدبلوماسية الحزبية حيث زار الجزائر (وهي دولة محورية ومحدّدة لوجود الإسلام السياسي في المنطقة سواء من خلال الدعم أو الحياد أو العرقلة) مرات عدة، وأيضا الصين. وتندرج مثل هذه الخطوات السياسية الدبلوماسية في سياق تصدير صورة مغايرة لما يروج في العالم اليوم حول حركات الإسلام السياسي.
من جانب آخر، تبدو القوى الحداثية مُتحفزة لإضعاف الخصم الإسلامي السياسي، خصوصا أن الحركات الدستورية أو من يعتبرها «دستورية، تجمعية»، تحاول توظيف خبرتها الانتخابية ومعرفتها باللعبة الانتخابية في الدوائر لاستعادة السلطة. وهي إلى حد الآن لم تولِ لرسالة «التوافق» التي وجهتها حركة النهضة أهمية تذكر، ويمكن تفسير ذلك باستشعار حركة «نداء تونس» أنها متقدمة في استطلاعات الرأي.
ومن ثَمَّ، فإنه بقدر ما تمثل الانتخابات التشريعية لحركة «النهضة» حرب وجود بالأساس، فإنها بالنسبة إلى القوى الدستورية تحديدا هي حرب انبعاث وإحياء من جديد.

آمال موسى

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

الوسم : تونس

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق