saad-baiah

المثقف الموريتاني والقراءة النقدية المميتة

(تفاءلوا بالخير تجدوه) أثر شريف.

“لا يمكنني إلا أن أوضح بأن التفاؤل… لا يبدو لي لغوا لا مسوغ له فقط بل يمثل طريقة تفكير دنيئة” شوبنهور.

إلى يوم الناس هذا تلك حالة المثقف ينتابه التفاؤل ويصرعه اليأس والتشاؤم فكما نتوقع من المثقف أن يكون بناءً فإنه كثيرا ما يكون هداما وإن على نحو آسر ومدهش أحيانا، إننا  نقرأ ليس من حين لآخر -في الحقيقة- وإنما في غالب الوقت كتابات في النقد العمومي لأوضاع الدولة والمجتمع هي في الحقيقة أشبه بحالة من السادية وجلد الذات، ( وما أبرؤ نفسي ) وتبدو عملية النقد هذه سيزيفية لا يرتجى منها أن تولد حالة من الحزم ولا من الدافعية لدى المجتمع لتغيير مسلكياته ولا قيمه موضوع النقد، بل تؤدى إلى حالة من اليأس القاتل التي تعدنا الفقر والفناء.

المجتمع الموريتاني والإنسان الموريتاني هو خلق من خلق الله كما الإنسانية كلها له مزاياه ونواقصه، وليس -ولا يجوز تصويره بأنه – خزان للشرور تاريخيا وحاضرا، بل إنه وبمنهجية انتقائية بسيطة يمكننا أن نجعل من أي مجتمع إنساني آخر  -اليوم-  تاريخيا وراهنا مجتمعا من الجن والشياطين، وذلك بالتركيز على حالات شاذة بل وقد تكون سادت في فترة معينة من تاريخ هذا المجتمع وهو أمر لا يجعل الشر ضربة لازب ولا خصيصة ملازمة للمجتمعات الإنسانية التي حباها الله بالقدرة على التعافي إن هي مرضت.

كما هو حال مجتمعنا الموريتاني اليوم الذي تعصف به أدواء لا يمكن لمكابر نكرانها على مستوى منظومته القيمية ووئامه الاجتماعي ورخائه التنموي ونظامه السياسي، ولكنها معضلات مشخصة لدى أطفال المدارس أحرى النخب العالمة ولا تحتاج وعيا فاجعا يطير قلوب الناس بقدر ما تحتاج مقاربات واعية رشيدة مخلصة وشجاعة تقوم عليها نخب متجاوزة تستشعر فداحة التأخر الحضاري متذرعة بالوسائل المعنوية في دين وتاريخ هذا المجتمع والوسائل المادية في أرض وطبيعة هذا المجتمع.

إن مما يفسر روح النقد الهدامة تلك -والتي لا شك تصدر عن حسن نية وعن غيرة لا تنكر -هو تلك الاختلالات التي يقف أمامها المثقف عاجزا خاصة أمام الماسكين بزمام الشأن العام والذين يراهم بعقليته العلمية متطفلين على شأو القيادة وتوجيه الناس بل إن هذه النظرة المفهومة والمتعالية لدى المثقف يغذيها الشعور بالعار والامتهان لنخبة حاكمة لا تقيم له وزنا في إدارة الشأن العام مستأثرة بالمقدرات ومستحوذة على الإمكانات، ولكن طريق المعالجة لن تكون غير مزيد من المواجهة الواعية التي يربح فيها المثقف وتربح الدولة والمجتمع وليس “اقتلوني ومالكا” وبهذا المعنى فإن للنقد حدودا وضوابط ومآلات تجب مراعاتها  فكما أن الثقافة قد تكون عامل بناء وترقية للمجتمعات فلربما تكون عامل هدم بنفس الدرجة ويكون لها الأثر والمرتجع العكسي على سير نفس المجتمعات وخاصة إذا تذرعت بقراءات انتقائية ومجتزأة تحاكي البحث المنهجي والمنظم، والأمثلة لا حصر لها على أمم قاهرة مستعمرة أشاعت بدراساتها ومفكريها رؤى وتصورات نمطية سلبية عن المجتمعات التي تستهدفها للنيل منها والسيطرة عليها وشخصيات ناقمة أو لها أوضاعها الخاصة حاولت النيل من مجتمعاتها أو مجتمعات الغير.

فلا يختلف من يشيع ثقافة التهويل وإشاعة اليأس عن مثقف الدجل والشعوذة والتبرير في النتيجة التي هي صرف الفعل الثقافي عن وجهته الصحيحة مواجهة الواقع تعميقا للرشد وترفقا في إصلاح الضرر (إنما بعثت “لأتمم” مكارم الأخلاق ).

ولا يمكن للمثقف أن يكون إصلاحيا إلا حين يصل مكانة عالية من التجرد والموضوعية وأمانة عرض ما تحت يده من البضاعة والأدوات المعرفية والتعالي على  الأغراض الشخصية فبهذا الترفع الضروري عن اليومي وعن الصراعات الآنية والمؤقتة يستطيع أن يعطي تصورا ناضجا ويبني نظرا ثاقبا تسترشد به المجتمعات ونخبها السياسية للاستفادة مما قدم من رأي لا يخالطه هوى

(من قال هلك الناس فهو أهلكهم) 

إن أحوج ما نحتاجه اليوم هو تحالف واع وشجاع بين تلك النخب التي تملك تشخيصا موضوعيا للوضع مدركة اختلالاته ونقاط ضعفه ونقاط قوته؛ مبدعة على أساسها طريقا عمليا واستراتيجية متكاملة للنهوض بهذا المجتمع الذي على نخبه أن تواجه ذاتها أولا وواقعها ثانيا ولا تكتفي بإلقاء اللوم وتوجيه التهم. فلو وجد العسكري في موريتانيا نخبة مدنية تملك قدرة المواجهة والمناورة لما تجرأ على زرع رياح الانقلابات ولو وجد اللص والمفسد والظالم قاضيا عادلا لما فكروا في الحرابة واللصوصية والظلم ولو تربى المناضل على يد قيادات سياسية تاريخية لما تسلق الانتهازيون وتصدروا في المجال السياسي ولو وجدت المدرسة معلمون مضحون صابرون رغم شح الموارد ويبس الأوضاع لما كانت موريتانيا هاهنا اليوم: (قل هو من عند أنفسكم).

كيف يمكن لتلك النخب الموريتانية اليوم رغم مكدرات الطريق -فشل قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية- استلهام روح “الرباط ” فتأوي إلى كهف رشدها مستغلة ما يتيحه الواقع من فرص وإمكانات للاستدارة بالزمن الموريتاني نحو مزيد نجاح ومزيد تطور هذا هو السؤال الذي لا بد ان يبنى على قراءات صحيحة موضوعية ومتوازنة تعظم الفرص الكامنة في الذات والواقع والتاريخ والدين.

السعد بن عبد الله بن بيه

باحث بمجال العلوم السياسية

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق