العنف الديني

العوامل التي تغذي البنية التحتية للفكر العنيف

رغم أن الولايات المتحدة ساهمت في صناعة العنف والتشدد من القاعدة إلى داعش، والصناعة تعني توفير البيئة الخصبة لنمو التشدد المسلح، واليوم تستغرب الولايات المتحدة ما الذي جعل داعش على هذه الدرجة الكبيرة من الخطورة؟ وهو أصبح خليط من تنظيم متشدد وجيش تقليدي أصبح لغزا محيرا لدرجة دفعت ناغاتا قائد قوات العمليات الأميركية في الشرق الأوسط إلى التوجه نحو الاستعانة بعقول من خارج الدوائر الرسمية المرتبطة بالبنتاغون ووزارة الخارجية والوكالات الاستخباراتية بحثا عن أفكار جديدة تستهدف سيكلوجية تنظيم داعش وتفحص إستراتيجية التسويق التي تنتهجها داعش.

اعترف ناغاتا بأنه لا يفهم كنه هذه الحركة، وفي محاضر سرية ورد في مؤتمر عقده مع عدد من الخبراء إذ قال لم نهزم الفكرة، بل إننا حتى لا نفهم الفكرة وحتى الآن لم تتمكن الضربات الجوية سوى كبت زخم التنظيم على الأرض داخل العراق وقوضت قاعدة دعمه في سوريا، لكن هناك مسؤولون اعترفوا بأنهم لم يحققوا أي تقدم على صعيد الحملة الأوسع والأطول أمدا الرامية لقتل الآيديولوجيا التي خرجت من رحمها هذه الحركة التي يسمونها الإرهابية.

أمام هذا التوحش العنيف الذي يدمر المنطقة باسم الإسلام، أين نحن من مثل تلك المعالجات خصوصا بعدما وقفت السعودية ومصر أمام تمدد تيارات ما يسمى بالإسلام السياسي المدعومة دوليا، لأن المجتمع الدولي كان يعول عليها بأن تكون سدا قويا ضد التطرف الإسلامي المتمثل بالتيارات الإسلامية المتشددة الرافضة للديمقراطية الغربية والمنطلقة من أسس فكرية غير تعددية التي يؤمن بها تيارات الإسلام السياسي خصوصا إزاء طبيعة الدولة ودورها.

الإرهاب مثلث أضلاعه الفكر والتمويل والرعاية، ولم تسمم الحركات الإرهابية فقط العلاقات بين الدول، لكنها سممت عقول الأفراد تقود إلى حوارات صاخبة وأزمات نفسية طاحنة تؤدي إلى احتقان لدى المتحاورين، وتطغى على المشهد لغة الإقصاء والعنف والذاتية.

هناك بعض التحليلات التي ترى أن السلفية الجهادية هي توفيق بين تعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين التيار القطبي، اتفقت على مبادئ الحاكمية وقواعد الولاء والبراء وهو توفيق مبسط وسطحي، لأن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لها ظروفها التي نشأت فيها منذ الدولة السعودية الأولى التي وحدت القبائل والإمارات تحت مسمى الدولة وكذلك الحركة القطبية نشأت في ظروف مغايرة.

هناك اشتباك واشتباه عقدي بين تيارات الجماعات الجهادية، والجميع يتبنون الجهاد منهجا للتغيير، وبدأت بالذات بعد استعانة الحكومات والتعاون مع جهات غير مسلمة خصوصا في إخراج صدام حسين من الكويت والآن تحالفها مع المجتمع الدولي في محاربة داعش والقاعدة.

لم تستوعب الجماعات الجهادية أن ميزان الله تعالى في الأرض يستوي فيه المؤمن والكافر، وقد ينصر الله الكافر إذا أخذ بسنة العدل، ويذل المؤمن إذا لم يأخذ بسنة العدل، وقول لوط لقومه حينما خالفوا منهج الله (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد)، أستعين بأنصار تنصرني عليكم وجنود أشداء، أو أن  أنضم إلى عشيرة مانعة تمنعني منكم، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحتمي بعمه أبي طالب وهو ليس مسلما، وبعد عودته من الطائف طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من مطعم بن جبير أن يجيره، فوافق ولديه أربعة أبناء، فدخل مطعم مع الرسول صلى الله عليه وسلم الحرم، وأعلن عن إجارته وهو يطوف بالكعبة وله أربعة من الأبناء كل واحد منهم في ركن من أركان الكعبة بسلاحه يحمون الرسول صلى الله عليه وسلم.

أخطر منطلقات الجماعات الجهادية أنها تواجه الهيمنة الغربية وخصوصا الأمريكية، وإباحة قتال الحكام المسلمين معتمدة على فتوى ابن تيمية الماردينية لتبرير عملياتها القتالية، وهي فتوى صدرت عندما استولى التتار على بلدة ماردين وأغلب أهلها من المسلمين ويحكمها غير مسلمين حينها قسم الفقهاء البلاد إلى دار إسلام أو دار كفر، وحينما سئل ابن تيمية عن حال تلك المدينة وكيفية التعامل مع من فيها قال: “ويعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه”.

 بعد سبعة قرون على هذه الفتوى ما زال الجدل يدور حول هذه الفتوى التي استخدمتها الجماعات الجهادية لتبرير عملياتها القتالية ومن ضمنها اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، ولكن لإنهاء الجدال حول هذه الفتوى، اجتمع العلماء في نفس المدينة سنة 2010 وأصدروا فتوى توضيحية وقالوا: “إن فتوى ابن تيمية في ماردين لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكا ومستندا لتكفير المسلمين والخروج على الحكام بل هي فتوى تحرم كل ذلك”.

تستخدم داعش هذه الفتوى وتركز على قول الله سبحانه وتعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين). وتعتبر الجيش الحر عميلا لأمريكا مثل بقية الحكام، فأرسل زعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي للجولاني زعيم النصرة أن يقاتل الجيش الحر، ولكن الجولاني لم يستجيب للبغدادي فأعتبره مرتدا.

بل حتى الخطاب الديني يشوب جزء منه في زرع ثقافة التحريض على الكراهية تساهم في تغذية البنية التحتية للعنف وهي التي تنتج في النهاية المتطرفين والجهاديين، فمثلا يعتبر البعض أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم نوع من الموالاة معتمدين على قول الله سبحانه وتعالى (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء)، و(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة).

لكن الآية التالية أبطلت كل إشكال في قول الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). تلك الآية فصلت بأن كل من لم يقاتل المسلمين يجوز أن يعامل أسمى معاملة وبالأخص المسيحيين الذين وصفهم الله في محكم كتابه (ولتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا إنا نصارى).

 فاجتمعت في المسالمين وجوب مودتهم ووجوب برهم، المودة التي هي أقرب بين شخصين وهما الزوجين والبر الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى للوالدين، خصوصا وأن الإسلام أباح للمسلم الزواج من كتابية سواء يهودية أو نصرانية يكن لها بالمودة، فكيف لا يهنئها بعيدها إنه مناقض للمودة والبر.

إن ظهور بعض المنحرفين المغالين الذين خرجوا عن قيم الإسلام ساعين إلى الفتنة والإرهاب مخالفين القيم الذاتية التي تعنى الانتماء والهوية والدين والحضارة، بينما الإنسان يعيش ضمن معادلتين معا البيولوجية والنفسية، والاجتماعية كقاسم مشترك بين البشر (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، من أجل التعارف والتكامل والتنافس لا من أجل التدافع والتقاتل كما سبقنا الأمم من قبل خلال القرون الستة الأولى.

ما يقوم به هؤلاء المنحرفون، وهؤلاء لا ينطلقون من إسلام، ولكن ينطلقون من فتنة عالمية، ووجهتهم التدميرية هذه، يعطون أعداء الإسلام الفرصة ليفرضوا هيمنتهم على الدول الإسلامية.

 وما من أمة استقامت على منهج الاعتدال إلا نجحت، وما من أمة تجافت عن سبيله إلا خابت أو جسدت وتحجرت باسم المحافظة، ومنهم من خبط في طريق الغلو باسم الغيرة على الدين، تحقيقاً للتوازن الاجتماعي في مواجهة المتساهلين (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون).

الاعتدال هو الحق والعدل سواء في السلوك الفردي أو الجماعي، فالاعتدال في الدين وفي الحرية وفي كل أمر من أمور الحياة ضرورة فلا كبت ولا فوضى، فالكبت تطرف يلغى أغلى قيم الدين وأحل حق من حقوق الإنسان، والفوضى تطرف يهدم الدين والنظام المدني العام.

الوسطية وسط بين نقيصتين بين الإفراط والتفريط في جميع الأمور وهي فضيلة، كما الشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين البخل والتبذير، والاستقرار بين الدكتاتورية والفوضى.

لقد غالى المتطرفون في جانبين رئيسيين هما الولاء والبراء وملة إبراهيم وبعدهم عن الرفق واللين.

الولاء والبراء وملة إبراهيم هي ليست كما يعتبرها أصحاب الحرورية كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سئل عنهم، قال: (يخرج من هذه الأمة، ولم يقل قوم، ووصفهم بأن تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرميه، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء) رواه البخاري 1767. هذه الفئة تجعل من الولاء والبراء وملة إبراهيم هي إظهار العداء والبغض للكفار واعتبارها هي ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه.

ملة إبراهيم هي ملة توحيد الله وهي الإسلام (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)، (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين). والمقصود من الآيتين السابقتين ملة إبراهيم هي الإسلام وتوحيد الله وترك الشرك، وليس في أيهما ذكر الموالاة والمعاداة.

وملة الرسل كلهم عليهم السلام على كثرة عددهم واحدة، ترفض القتل والتهجير لمن يختلف معها في الدين، بينما ملة الأقوام المقابلة على تعددها فهم ملة واحدة هي ملة القتل والتهجير لمن يخالفهم في الاعتقاد والإيمان بالأفكار.

وقد سبق أن دعا إبراهيم عليه السلام أباه للإسلام (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويا). أجابه أبوه (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً). أجابه إبراهيم عليه السلام (سلام عليك سأستغفر لك ربي). هذا هو منهج الأنبياء والمرسلين عليهم السلام مقابل منهج الملة الأخرى الكافرة، والسلام هو رد الأنبياء جميعاً وأداتهم في التغيير، فهما خطابان متباينان الأولى ملة الكفر (لأرجمنك)، والثاني ملة الإسلام (سلام عليك).

جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الحوار مع الآخر هي دعوة السواء، أي ما أعطيه لنفسي أعطيه لك (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)، وهذه الكلمة هي لا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله، ومن ساواك بنفسك فقد أنصفك.

لذلك يرفض المنهج الإسلامي أن تعطي لنفسك حق القتل والتهجير لمن يخالفك في الرأي أو يرفض كلمة السواء وتكتفي بأن ترد (اشهدوا بأنا مسلمون)، هذه هي ملة إبراهيم ملة السلام لا ملة البغض والكره والقتل، وهذا ما حرمه الأنبياء عليهم السلام على أنفسهم وعلى أتباعهم، وعلى العالم إلى يوم القيامة، أي أن ملة الأنبياء ملة اللا إكراه، وملة الأقوام هي ملة الإكراه، لأن ملة الأنبياء متماشية مع سنة الله في النفس الإنسانية التي خلقها الله ضد الإكراه.

ملة الأنبياء لا تظهر المعاداة ولا العداوة ولا البغضاء (ومن يبتغي عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) البقرة: 170.

ومن لم يتبع ملة إبراهيم يكون قد ظلم نفسه بسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، وأي سفه أعظم من هذا الذي ظلم به نفسه وألغى عقله وأنكر إنسانيته.

لكن ما المقصود بالبراءة والعداوة والبغضاء في الآية الكريمة (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير) الممتحنة: 4.

أوضح ذلك ابن كثير في تفسيره ما رواه الأمام أحمد عن حذيفه يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالاً: واحداً وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر، قال: فضرب لنا منها مثلاً وترك سائرها قال: “إن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنه قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر الله الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه”.

والآيات نزلت أصلاً في حاطب بن أبي بلتعه، حينما بعث سارة مولاة بني هاشم وأنه أعطاها عشرة دراهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث في إثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فأدركاها بالجحفة.

والمقصود في الآية البراءة والعداوة والبغضاء من المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين والذين شرع الله عداوتهم ونهى أن يتخذوا أولياء، السبب في ذلك (يخرجون الرسول وإياكم)؛ هذا سبب عداوتهم وعدم موالاتهم، (إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي)، أي وقت المعركة محرم موالاة الأعداء الذين أخرجوكم من دياركم بل امتدح الله سبحانه وتعالى من يقسط إليهم، (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8.

بل ورد في الحديث الصحيح “المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا”.

تقتصر البراءة والعداوة والبغضاء للذين يناصبون العداوة للمسلمين ويقاتلونهم ويخرجونهم من أراضيهم كاليهود في فلسطين دون الشعب الذي لا يقاتل الفلسطينيين بل هم أتباع من النساء والأطفال والمسنين، بينما إظهار البراءة والعداوة والبغضاء لمن لم يعاد المسلمين، فيعتبر مخطئ ومعارض لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

لو كانت البراءة وإبداء العداوة والبغضاء لكل كافر لما أباح الله سبحانه وتعالى الزواج من الكتابيات المحصنات (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم). والزواج قائم على المودة والمحبة والإحسان، وبذلك تعتبر البراءة وإبداء العداوة والبغضاء مخصصة لفئة معينة من الكفار الذين يظهرون العداوة للمسلمين ويحاربونهم ويخرجونهم من ديارهم لا غيرهم ولا يمكن مقاتلتهم حتى يرفعوا السلاح ضد المسلمين ويستعدوا لمقاتلة المسلمين.

أما قول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة: 51، وقد اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، ومن أشهرها قيل نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول بعد معركة بدر عندما نقض العهد يهود بني قينقاع، وفي رواية ابن جرير قال: جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني ابرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله فقال: عبد الله بن أبي إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالى فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي “يا أبا الخباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه” قال قد قبلت بما أنزل الله عز وجل الآية .

والمقصود بالولاء أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك.

كما نهى الله سبحانه وتعالى موالاة ومحبة المستهزئين بدين الله منهم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعباً من الذين أتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) المائدة: 53.

فدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قائمة على الرفق واللين وعدم التكفير، حتى في قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي نزلت بسببه الآية بعدم موالاة الأعداء وقت الحرب، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم رفق به، واستمع إليه حينما قال للرسول صلى الله عليه وسلم لا تعجل على إني كنت امرأ ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت كفراً ولا ارتداداً ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم “لقد صدقكم”، قال عمر يا رسول الله دعني اضرب عنق هذا المنافق قال “إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم” رواه البخاري ومسلم،  ولو كان هذا في زماننا لاعتبر خائناً عوقب بأشد العقوبات.

وموقف آخر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لرأس النفاق في حديث أنس بن مالك قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي  قال: فانطلق إليه وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخه، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك. قال: فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، فشتما قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم (وإن طائفتان ومن المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) رواية البخاري، فانقسم الصحابة منهم من لم يرضَ بشتم المنافق للرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يرضَ بشتم المنافق مع سوء أدبه استجابة لقول الله (ولا تسبوا الذين كفروا فيسبوا الله عدوا بغير علم)، حتى وصل الأمر إلى التقاتل ولم يكفر الرسول صلى الله عليه وسلم من دافع عن عبد الله بن أبي، ولم يعتبرها موالاة للمشركين على المؤمنين.

ومن رفق الرسول صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك فقلت بل عليكم السام واللعنة فقال: يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله قلت: أو لم تسمع ما قالوا قال: قلت وعليكم” رواه البخاري.

ولم يكفر الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي الخويصره التميمي الذي قال في غزوة حنين أعدل يا رسول الله فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل قال عمر بن الخطاب دعني اضرب عنقه قال دعه” رواه البخاري.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق