روسيا والسعودية

العلاقات الخليجية-الأمريكية لن تكون على حساب روسيا

لن يعود زمن الحرب الباردة مرة أخرى كما يعتقد البعض باعتبار أن مساحة روسيا التي تقدر أكثر من 17 مليون كيلو متر مربع تفوق الولايات المتحدة بنحو الضعف التي تبلغ نحو 9.83 مليون كيلو متر مربع، لكنهم يتناسون أن الناتج المحلي الإجمالي الروسي التي هي ضمن مجموعة العشرين لكنها ليست ضمن مجموعة السبع الكبار.

 بل انخفض ناتجها الإجمالي من أكثر من 2 تريليون دولار عام 2013 إلى نحو 1.23 تريليون دولار عام 2015 فيما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى 18 تريليون حتى الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة الصين ارتفع ناتجها الإجمالي من 4.91 تريليون دولار عام 2009 إلى 10.3 تريليون دولار عام 2015.

 ما يعني أن الولايات المتحدة تبحث عن كيفية إيقاف النمو الصيني المتسارع الذي تضاعف في ست سنوات، رغم ذلك هي تتجه كأولوية نحو عدم تحمل الولايات المتحدة تكاليف الدولة العظمى وأن تشاركها الدول الأخرى خصوصا الصين، وأن تساهم معها في حل العديد من الأزمات الدولية خصوصا الأزمة الكورية.

 لذلك نجد مجلس الأمن بكافة أعضائه وبالإجماع يندد بتجربة بيونغ يانغ الصاروخية مهددا بفرض عقوبات جديدة على بيونغ يانغ بسبب تصرفاتها التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وبررت الولايات المتحدة إرسال أسطول كبير بقيادة حاملة الطائرات واعتبرت هذا الوجود المسبق على خط متقدم يشكل بوضوح إجراء ردعي هائل، لكن اعترفت البحرية الأمريكية في 18/4/2017 بأن السفن اتجهت من سنغافورة في الاتجاه المعاكس باتجاه استراليا لإجراء مناورات مع البحرية الاسترالية، لكن أكد مسؤولون في وزارة الدفاع لا يمكن أن تقترب من كوريا الشمالية قبل أسبوع من الآن واعتبر البعض أن هذا تناقض لكنه يصب في انتظار نتائج تدخل الصين في حل الأزمة سليما.

لكن لا يزال البعض يتساءل عن أسباب استعراض روسيا عضلاتها في سوريا إذا كانت دولة ليست في السبعة الكبار، ومثلما استثمرت إيران الاحتلال الأمريكي للعراق هي تستثمر الحضور الروسي إلى سوريا، ويرجع البعض إلى حضور روسيا إلى سوريا من أجل غاز شرق البحر البيض المتوسط التي تقدر احتياطياته بنحو 120 تريليون قدم مكعب، والتي يمكن أن تتحول إلى ساحة لصراع جيوسياسي عالمي وإقليمي.

 وأن حضور روسيا على خط الأزمة في سوريا تكريس للصراع على مصادر الطاقة العالمية وتريد أن تحكم سيطرتها على إمدادات الطاقة إلى أوربا، يبدو أن فيه شئ من التضليل لأن روسيا تمتلك من احتياطيات الغاز نحو 1163 تريليون قدم تمثل نحو 32 في المائة من الاحتياطيات العالمية، ثم إيران والدولة الثالثة قطر، كما أن غاز شرق المتوسط يمكن تصديره إلى أوربا حتى في ظل حضور روسيا في سوريا.

لكن هل حضرت إلى سوريا من أجل أن تتمكن روسيا من إيقاف أنابيب من قطر إلى تركيا فأوربا؟، لأن الغرب لا يثق في إيران لكن فات على مثل هؤلاء المحللين أن حضور روسيا إلى سوريا في زمن الفوضى في عهد أوباما حلم تاريخي في الوصول إلى المياه الدافئة لأن روسيا كذلك لا تثق في إيران رغم التحالف التكتيكي بينهما من أجل الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج، بسبب أن روسيا رغم ضخامة مساحتها بحارها تتحول إلى جليد في فصل الشتاء، وتركيا تتحكم في مضائق البحر الأسود وهي عضو في الناتو، رغم ذلك هي تحرص في نفس الوقت على تعزيز علاقتها مع تركيا وإيصال غازها عبر تركيا إلى أوربا.

بعد الأزمة المالية عام 2008 قادت السياسة العالم، لكن حينما شعرت أمريكا أن هناك قوى صاعدة خصوصا الصين فإن عليها أن تنتخب رئيس تجاري يقود السياسة حتى لا يترك الساحة للصين تقضي على القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، وكما تراجع الولايات المتحدة سياساتها كذلك تراجع السعودية وبقية دول الخليج سياساتها، ولن تقبل أن تكون أداة لمحاصرة روسيا اقتصاديا أو غيرها من الدول.

الغموض الأمريكي ما زال قائما، خصوصا بعدما اتجهت السعودية لتشكيل تحالف عربي في اليمن (بشكل رئيسي السعودية والإمارات) والتحالف العسكري الإسلامي لمحاربة داعش، حيث أن داعش تم تمكينه في زمن المالكي الذي أصدر أوامره للجيش العراقي بالانسحاب، وهي أوامر تلقاها من إيران، وترك داعش يستولي على الأسلحة الأمريكية التي كان قد حصل عليها الجيش العراقي من أمريكا حتى يصبح الجيش العراقي أقل قدرة من داعش، وهي خطة على غرار خطة بول برايمر الذي سريح الجيش العراقي من أجل تشكيل مليشيات تصبح أقوى من الجيش لمحاربة داعش بعدما تمكنت من تسيس مرجعية السيستاني واستصدار فتوى لتشكيل تلك المليشيات، وبالطبع رعت داعش استخبارات عالمية، وأبدت السعودية استعدادها لمحاربة داعش متى ما طلبت الدول.

 بل إن الابتعاد الأميركي عن المنطقة ذو أساس استراتيجي، ويبدو أن القوى الآسيوية الصاعدة خصوصا الصين عازفة عن التفكير في الدخول كموازن إقليمي.

حتى الآن لم تثبت سياسة تنويع الشراكات السعودية قدرتها على الإحلال محل التحالف السعودي–الأميركي أو تقديم ضمانات فعلية لأمن الخليج بديلا عن المظلة الأمنية، لكن خيار الضرورة في البحث عن توجهات استقلالية.

تنويع الشراكات الدولية لا تعني إحلالا أو استقطاعا من رصيد علاقات السعودية وبقية دول الخليج بالولايات المتحدة، لكن وجدت السعودية غايتها في روسيا، وتوقيت هذا التوجه في وقت يفرض الغرب عقوبات اقتصادية على روسيا محاولة فرض العزلة الدولية عليها، وجدت السعودية أن روسيا تغازل السعودية، وكذلك السعودية هي بحاجة إلى أن تغازل روسيا، وفي نفس الوقت محاولة حلحلة مواقف روسيا في سوريا واليمن وإيران مستفيدة من الضغط الدولي عليها خصوصا بعدما رفض العالم اقتراح روسي إيراني لنسف بعثة التحقيق في هجوم خان شيخون.

إذا توجه السعودية تجاه روسيا وفرنسا بشكل خاص توجه تكتيكي متوازن ذو أساس استراتيجي من أجل ضمان عدم أخذ الغرب مواقف مشتركة ضد السعودية، وهي خطوة ذكية من السعودية في تعدد الشراكات ليست فقط مع روسيا التي يضع الغرب عليها عقوبات.

 وبعد تغير الأوضاع الجيوسياسية التي أتت بعد الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات في سوريا وتأزم العلاقات الأمريكية الروسية، أرسلت روسيا رئيسة البرلمان الروسي للسعودية في 17/4/2017 لتعزيز العلاقات مع الرياض التي امتدحت السعودية في زيارتها واعتبرتها شريكة روسيا الرئيسي وأن موسكو مهتمة بتوسيع العلاقات مع الرياض في البتروكيماويات والطاقة الذرية خوفا من تغيير السعودية موقفها وهي زيارة تعبر عن أهمية الدور السعودي في لعب الدور الموازن وهي زيارة أيضا تعبر عن استعداد روسيا للتعاون مع السعودية حول الوضع في سوريا.

فمنذ أن واجهت السعودية تحديات وتهديدات استراتيجية، وضعتها في قلب المواجهة الإقليمية مع الإرهاب وجماعات الإسلام السياسي، فهي بحاجة إلى دائرة تحرك استراتيجية أوسع لتحقيق رؤية المملكة 2030 التي توجت بزيارة الملك سلمان لآسيا، وهناك اجتماع في واشنطن يبحث الشراكة الاقتصادية بين السعودية والولايات المتحدة، وهناك 15 شركة توقع اتفاقات بعد فتح السعودية سوقها للشركات الأجنبية لبدء أعمالها في السعودية.

سارت دولة الإمارات على نهج السعودية وهما اكبر بلدين في دول مجلس التعاون الخليجي يشكل اقتصادهما مجتمعين نحو 70 في المائة من الاقتصاد الخليجي، ونحو 50 في المائة من الاقتصاد العربي، فأعلنت الإمارات وروسيا في 20/4/2017 عن عزم البلدين الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية اعتمادا على التجربة الغنية في التعاون منذ عقود، وأعلنا البلدين من موسكو عن أنهما ينويان دراسة إضفاء طابع الشراكة الاستراتيجية حتى على العلاقة الثنائية.

وطالب محمد بن زايد أن الإمارات تتطلع إلى دور روسي فاعل وبناء في تحقيق الاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط في ظل المنعطف الحرج الذي تمر به المنطقة وتعاني فيه الكثير من المخاطر والتحديات المعقدة وغير المسبوقة .

وحتى أنقرة تسعى لتقريب المواقف مع واشنطن وموسكو حول سوريا خصوصا بعد تلميح أردوغان إلى قبول أمريكي باستبعاد الأكراد من الرقة، فيما أمر ترامب مجلس الأمن القومي بمراجعة النووي مع طهران بعد تصريح وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون بأن إيران تطبق الاتفاق لكنها لا تزال الراعي الرسمي للإرهاب.

هناك محللون يتحفظون على تقديرات للبنك الدولي حول بقاء أسعار النفط منخفضة وقيادة الصخري للأسعار، كما أن إينو إنرجي ترى أن هناك عوامل مضادة تؤثر في تعافي الأسعار أبرزها الإنتاج الأمريكي وتباطؤ انحسار المخزونات، فيما ترى السعودية بالتعاون مع المستقلين لديها تصميم قوي في التغلب على فائض المخزونات وإعادتها إلى المتوسط الطبيعي في 5 سنوات.

لذلك فإن منتجو النفط بقيادة السعودية يتحركون نحو تمديد اتفاق تخفيض الإنتاج بإشراك أمريكا وهو كفيل برفع الأسعار فوق 70 دولارا، يبدو أن العالم أصبح متشابك المصالح الذي تغير كثيرا وانتقل من الاستراتيجيات القديمة نحو استراتيجيات أخرى جديدة، وكيف أن الواقع العالمي الجديد فرض على ترامب أن يظهر قدرا من البراغماتية في السياسة الخارجية بعدما اتهم الصين باغتصاب الاقتصاد الأمريكي لكن بعد تولى ترامب الرئاسة أدرك أنه بحاجة ماسة إلى مساعدة بكين حول قضية كوريا الشمالية وهي ورقة ضغط  احتفظت بها بكين تستخدمها عند الحاجة.

 وبعدما كان ترامب يثني على الرئيس بوتين، لكن الآن تغيرت اللهجة فيما الدورين السعودي التركي سيحاولان التوسط نحو تخفيف حدة التوتر بين روسيا وأمريكا، ومحاولة استخدام روسيا ورقة ضاغطة على إيران من أجل سحب مليشياتها من سوريا والتخلي عن التدخل في الشأن العربي في العراق والبحرين واليمن ولبنان.

 والتي تسببت في خلافات تهدد وحدة التحالف الشيعي بالعراق، حيث يرى المالكي زعيم دولة القانون إبقاء الحشد الشعبي باعتباره قوة أمنية إلى جانب الجيش والشرطة، ويؤيد ذلك الفصائل الشيعية القريبة من إيران وأبرزها منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء وهذه المليشيات تدين بالولاء للمرشد الإيراني علي خامنئي، أما ائتلاف المواطن ما زال موقفه متأرجحا بين الموقفين وهو يؤيد بقاء المليشيات قوة أمنية تابعة إلى الحكومة، لكن الفصائل التابعة له مثل سرايا عاشوراء وسرايا الجهاد والبناء وسرايا أنصار العقيدة لها علاقات وثيقة مع الفصائل الموالية لإيران.

لكن ترفض الفصائل التابعة إلى الحكيم ومقتدى الصدر المشاركة في الصراع السوري، فإن الفصائل الموالية لإيران تعتبر العراق وسورية جبهة واحدة وهو الذي يعرقل الحل السياسي في سوريا، لذلك هناك ضغط على العبادي من أمريكا والسعودية التي تريد أيضا من روسيا دورا في إقناع إيران بسحب المليشيات الموالية لها من سوريا.

الخلاف الآخر في العراق وهو خلاف داخلي حيث يروج المالكي زعيم دولة القانون لمبدأ الأغلبية السياسية في الانتخابات المقبلة، وهي التي يرفضها التيار الصدري وانضم أخيرا إلى التظاهرات الشعبية التي ينظمها التيار المدني ويجري محادثات للتحالف مع إياد علاوي، فيما يطرح الحكيم رؤية جديدة للحكم أطلق عليها اسم الأغلبية الوطنية التي تعتمد على كتل سياسية ليست مذهبية وهي فكرة صعبة التحقق في الوقت الراهن بسبب الانقسامات الحادة داخل الأحزاب الشيعية والسنية والكردية.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق