العزم يجمعنا

“العزم يجمعنا”: قمم الرياض التي قد تغير قواعد اللعبة

تريد الولايات المتحدة أن تحافظ على مركزها التكنولوجي العالمي خصوصا مستقبلا لكن مع ذلك تعمل دول أخرى مثل الصين بحماس لصناعة آلة المعجزات الخاصة بها، لكن ترى الولايات المتحدة انه سيكون على حساب مركزها العالمي خصوصا وأن الصين توسع نفوذها الاقتصادي في أفريقيا وبقية أنحاء العالم.

 بالطبع ستكون المملكة العربية السعودية ودول إسلامية وعلى رأسها الباكستان وماليزيا وإندونيسيا ودول عربية وإسلامية أخرى ممرات لطريق الحرير الجديد، خصوصا بعدما افتتحت الصين قمة طريق الحرير الجديدة وسط قلق أوربي وأمريكي قاطعت الهند هذه القمة بسبب مخاوف تتعلق بالسيادة ورفضت الدول الأوربية التوقيع على اتفاق بكين.

طريق الحرير الجديد العولمة بمواصفات صينية حيث شارك في القمة بمشاركة 29 رئيس دولة وحكومة، وأكثر من 1500 شخصية يمثلون أكثر من 130 دولة وعشرات المنظمات الدولية حيث تطمح هذه القمة إلى تعزيز العلاقات التجارية مع أوراسيا وأفريقيا إلى إحياء طريق الحرير القديمة التي كانت تستخدم لنقل منتجات إمبراطورية الوسط إلى أوربا والعكس بالعكس عبر آسيا الوسطى، لكن الجديد في هذا الخط الوصول إلى أفريقيا عبر المملكة العربية السعودية كمعبر حيث تستثمر نحو 40 مليار دولار في مشاريعها التي تقدر تكلفتها الإجمالية بأكثر من تريليون دولار وهناك متابعة 900 مشروع في 60 دولة تزيد قيمتها على 890 مليار دولار.

بالطبع تعتبرها الولايات المتحدة صفقة اقتصادية جيوسياسية مزدوجة تهدف إلى توسيع النفوذ الصيني من خلال دبلوماسية البنية التحتية وفي نفس الوقت تريد السيطرة على آسيا وإبعادها عن النفوذ الأمريكي، ما يعني أن الولايات المتحدة تسيطر على النصف الغربي من الكرة الأرضية والصين تسيطر على النصف الشرقي منها ولكن الصين تريد أن تجعل من بكين مركزا تجاريا حيث ينتهي كل طريق في هذه الشبكة إلى بكين.

الولايات المتحدة منزعجة من الفجوة العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين التي اتسعت من 234 مليار دولار عام 2006 إلى 347 مليار دولار عام 2016 رغم أن الصين وقعت اتفاقا تجاريا مع الولايات المتحدة يطوي صفحة الحرب التجارية وفتح أسواق الصين للحوم والغاز الأميركيين لتخفيض العجز رغم عدم قناعة المشككين ما جعل وزير التجارة الأمريكي يصرح بأن أمريكا حققت في 40 يوما ما لم ينجزه المفاوضون خلال قرن.

الفجوة التجارية ليست فقط مع الصين، بل تجارة الولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2015 هي أقل دول السبع الكبار حيث تبلغ نسبة الولايات المتحدة 28 في المائة وهي أقل دولة في السبع الكبار، بينما ترتفع في ألمانيا إلى 86 في المائة ثم كندا بنحو 66 في المائة ثم فرنسا بنحو 61 في المائة وتتساوى النسبة في كل من إيطاليا وبريطانيا بنحو 57 في المائة فيما تبلغ النسبة في اليابان بعد الولايات المتحدة بنسبة 36 في المائة.

رغم ذلك لم تخف الولايات المتحدة قلقها بسبب أن الصين خصصت 124 مليار دولار لمشروع طريق الحرير والمبادرة تحظى بدعم 65 دولة تمثل 60 في المائة من سكان العالم ونحو ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي والشركات الصينية تنشط في تنفيذ مشاريع التنمية السعودية خصوصا بعد زيارة الملك سلمان لآسيا وكأنها رحلة لدعم خطة طريق الحرير خصوصا وأن الملك سلمان زار دول إسلامية على رأسها أندونيسيا وماليزيا وهي محطات أساسية في طريق الحريري البحري للقرن ال21 الذي يلحم الطريق والموانئ، كما أن المملكة وروسيا تباغتان الأسواق باتفاق لتمديد خفض الإنتاج 9 أشهر جديدة قبل زيارة ترامب للملكة العربية السعودية الجديدة.

يدرك ترامب أن الرياض لن تجدد علاقاتها مع الولايات المتحدة وهي التي تحتاجها بعدما اتجهت شرقا إلا إذا تم التوافق على أن تسريح الجيش العراقي في زمن بول بريمر لم يكن هدية لإسرائيل بقدر ما أنه كان هدية كبرى لإيران والتي جعلت من داعش تنظيم وظيفي للإمساك بالأراضي من أجل تشكيل مليشيات الحشد الشعبي بهدف تنفيذ مخطط إيران التوسعي في المنطقة، والذي بدأ يضرب في سوريا واليمن والبحرين وهي تهدف للسيطرة على مسارات التجارة في البحر الأحمر من أجل محاصرة السعودية وبقية دول الخليج، وتهديد التجارة العربية وهو ما جعل المملكة ودول الخليج يقوقعون تجارة حرة مع الصين للبحث عن شركاء من الدول الكبرى معها لتحييد الدور الإيراني في منطقة الخليج.

قمم الرياض تحقيق مصالح للطرفين ستكون القمة الأولى الخليجية الأميركية والقمة الأخرى العربية الإسلامية بمشاركة 55 قائدا وممثلا عن الدول الإسلامية بجانب القمة الثنائية بين ترامب والملك سلمان يتبعها قمم أخرى تختص بمحاربة الإرهاب كافتتاح المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف بجانب قمم أخرى. اعتبرتها إيران وحسن نصر الله حج الدول إلى المملكة العربية السعودية لضمان التبعية لأمريكا ولم يذكروا أن هذا الحج يدل دلالة على أهمية السعودية وهي أول زيارة لرئيس أمريكي إلى السعودية بدلا من إسرائيل أو كندا أو المكسيك كما ذكر ترامب بأن السعودية تمثل قلب العالم العربي والإسلامي وهي عضو في مجموعة العشرين ولديها اقتصاد قوي وهي في طور الإصلاحات الاقتصادية وهي الدولة الوحيدة التي تحارب الإرهاب بجميع أشكاله وأن إيران هي مصدر الإرهاب وراعيته.

تعتبر المملكة العربية السعودية زيارة ترامب حدث تاريخي خلال الفترة 20-21 من مايو 2017 برؤية واحدة سويا نحقق النجاح ولنجدد التزامنا المشترك نحو الأمن العالمي والشراكات الاقتصادية الراسخة والعميقة والتعاون السياسي والثقافي البناء.

المملكة تهدف جمع العالم لمحاربة التطرف والإرهاب والعمل مع شركائنا في الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بعدما ذاق العالم مرارة الإرهاب الذي ضرب في كل ناحية من أنحاء العالم، وبدأت موجة اللاجئين تضرب أوربا التي جعلت الشعبويين يفيقون.

 لكن الشراكة السعودية الأمريكية مسؤولة عن إعادة الأمل للعالم ووقف الإرهاب لكن بوقف مصدره الأساسي إيران خصوصا وأن ترامب سيرمم آثار مغامرات بوش التي تسببت في ديون على الولايات المتحدة وأوباما القيادة من الخلف التي سمحت لروسيا بالتحالف مع إيران والصين في التمدد في المناطق التي تخلى عنها أوباما، لذلك ستعود أمريكا مرة أخرى لملئ الفراغ الذي تركه أوباما في العراق وفي أفغانستان وسوريا والخليج لمواجهة التمدد الإيراني الذي بدأ يهدد المصالح الأمريكية وسمح للنفوذ الصيني يتمدد.

قوة الشراكة بين المملكة العربية السعودية وأمريكا هي بمثابة منصة انطلاق لجميع العرب والمسلمين لاتخاذ خطوات جريئة جديدة لتعزيز السلام ومواجهة إيران وأذرعها وتنظيمات داعش الذين يسعون لإشاعة الفوضى والعنف في جميع أنحاء العالم من خلال سبل الشراكات الأمنية الأكثر قوة وفاعلية من أجل مكافحة ومنع التهديدات الدولية والإقليمية المتزايدة.

هذه الزيارة أتت متزامنة مع الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها المملكة وفق رؤية 2030 وامتلاك المملكة أكبر احتياطي نفطي فيما لا تمتلك أمريكا سوى 34 مليار برميل من النفط وهي لا تعول كثيرا على البترول والغاز الصخري لما له من أضرار بيئية.

 إضافة إلى موقع المملكة الجغرافي المطلين على ساحلين مفتوحين وهي إحدى دول العشرين وذات مكانة عربية وإسلامية وعالمية وهي الدولة الكبرى في منطقة الخليج ما يعني أن العلاقات ستتجه نحو النضج بحيث يحرص البلدان على المحافظة عليها في مختلف الظروف لتصبح أكثر قوة ومتانة من ذي قبل لإدارة مصالحهما المشتركة.

وشهدت زيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة اجتماعات مع عدد من الشركات المتخصصة في الصناعات العسكرية منها بيونغ ريثيون الدولية ولوكهيد مارتن الدولية من اجل توطين الصناعات العسكرية وما تشمله من أنشطة صناعية وتقنية وخدمات تدريبية.

 وقد أبدت الشركات ترحيبها ببرامج المملكة الطموحة واستعدادها للمشاركة بدور فعال، والحديث عن تعزيز الشراكة وفرص العمل بين البلدين بما فيها استقطاب استثمارات واعدة لتوطين التقنية وتأهيل الكوادر البشرية الوطنية، خصوصا وأن المملكة مقبلة على الخصخصة من حيث زيادة مشاركة القطاع الخاص والتي تساهم في التنويع الاقتصادي.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق