المحور السعودي

السعودية تقود محوراً لمواجهة الأزمة في سورية

تركت الثورات العربية فراغا ملأته إيران وأدارت ملئ هذا الفراغ بمقايضات مع الغرب حول الملف النووي، أي أنها ضمنت حيادية القوة العربية المنشغلة بالثورات العربية، أو شراء الدول التي لم تضربها الثورات العربية السلم الاجتماعي لتضمن بقاءها خارج دائرة استهداف الثورات، كما ضمنت إيران حيادية الغرب المنشغلون في التوصل إلى اتفاق حول النووي معها، لكن في النهاية فطن الغرب لتلك المراوغة ووضع نهاية لتلك المفاوضات المأساوية مع نهاية مارس 2015.

في نفس الوقت أدركت السعودية أن الولايات المتحدة رغم ضجيج الجمهوريين، فإن الرؤساء الأمريكيين في المستقبل ملتزمون بقيود العالم متعدد الأقطاب، ولن تستطيع الولايات المتحدة بمفردها إخماد النيران المشتعلة في الشرق الأوسط، لأنها منشغلة بوقف زحف روسيا داخل أوكرانيا، وبوقف التوترات في شرقي آسيا التي تغذيها الصعود الصيني، ما جعل روسيا وإيران ونتنياهو يتحدون الولايات المتحدة بعدما غاب عن هذا التحدي العرب وأصبحت ساحتهم استهداف لهذه القوى.

هذه الحقيقية التي هي أكثر من مجرد مصادفة، بل إن نهاية التاريخ التي تحدث عنها فوكوياما بعد انهيار الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفيتي عام ،1991 لم تتحقق تلك النظرية، ولم تستمر الهيمنة الأمريكية المنيعة، التي من شأنها أن تضع شروط العلاقات الدولية لمعظم القرن الحادي والعشرين، قد يكون هناك استيعاب للقوى الجديدة الصاعدة حتى تواصل الولايات المتحدة دور الضامن للسلام العالمي.

 تحولت نظرية نهاية التاريخ إلى مجرد وهم، ودشن لعصر الاضطرابات نتيجة تراجع قوة الولايات المتحدة الذي سيؤثر في عودة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، وبشكل خاص في سوريا، بل ستشهد منطقة الشرق الأوسط بشكل عام تفكك كبير وتصدعات أسقطت نظام ما بعد الحرب الباردة التي كانت تحرسها الولايات المتحدة.

 هذا لا يعني نهاية القرن الأمريكي، لكنها لا تمتلك نفس القدرة في تشكيل النظام الجيوسياسي بالطريقة التي فعلتها في القرن العشرين، خصوصا بعد انضمام بريطانيا إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى عضوية بنك التنمية الجديد بقيادة بكين أحد الفصول المبكرة في منافسة متنامية بين الولايات المتحدة والصين على كتابة قواعد الاقتصاد العالمي للقرن ال21 وهو بنك آسيوي استثماري بقيمة 50 مليار دولار يمكن أن تنتهي إلى منافسة البنك الدولي القائم في واشنطن الذي يعتبر من بقايا مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

نتيجة ذلك هناك ارتباك في سوريا من قبل الولايات المتحدة، وهدف تدريب 5 آلاف معارض سوري معتدل لمحاربة داعش وليس النظام السوري وحتى داعش من أجل التصدي له لا من أجل هزيمته يكشف عن مدى ارتباك إستراتيجية الولايات المتحدة وأنها لا تمتلك إستراتيجية واضحة في منطقة الشرق الأوسط نتيجة التحولات التي يمر بها العالم.

تصريحات جون ألن بأن مبعوث الرئيس الأمريكي للتحالف ضرب النظام السوري سيكون هناك رد إيراني على العناصر الأمريكية في العراق، ولا تريد الولايات المتحدة مواجهة لا إيران ولا روسيا في سوريا، وأولويات الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي مع إيران، والملف الثاني يتعلق بالإرهاب.

هناك خلاف كبير بين الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وفرنسا بعد استخدام النظام السوري الكيماوي عام 2013 عندما تراجع أوباما في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربة محددة ومحدودة للنظام، وهي ليست المرة الأولى التي يظهر هذا التباين حول سوريا.

 لا يزال هناك خطان متوازيان لا يلتقيان في أمريكا حول الأزمة في سوريا، خصوصا بعد سياسة التدخل التي انتهجها بوش تبعا لمصالح إمبريالية اتبع الأمريكيون سياسة عدم التدخل المتشنجة في عهد أوباما وأتت كلتاهما بعواقب وخيمة.

لم يكن لدى الإدارة الأمريكية إدراك حقيقي لما يدور في سوريا، والعلاقة السورية الإيرانية، لذلك فهي غير جادة في دعم المعارضة السورية، ولا زالت الأزمة السورية بعد أربع سنوات، وفي 15 مارس دخلت الأزمة السورية عامها الخامس، ولا تزال ترفض الولايات المتحدة فرض مناطق عازلة مثلما تصر تركيا على الولايات المتحدة لحماية اللاجئين.

فشلت السياسة الأمريكية خصوصا حينما المح كيري إلى ضرورة انفتاح أميركي على الرئيس بشار الأسد، وضرورة التفاوض معه بشأن انتقال سياسي لإنهاء الحرب، أثارت ردود فعل عالمية حتى من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة ومن ضمن الحلفاء بريطانيا، أي أن سوريا ليست الأولوية لدى الولايات المتحدة، بينما العراق هو الأولوية الأولى، وداعش الأولوية الثانية.

 تقود السعودية المرحلة المقبلة في سوريا بالتحالف مع تركيا لإنقاذ سوريا من كارثة إنسانية وإستراتيجية، حتى لا تترك سوريا ساحة لدول تدعم جماعات وعملاء مفضلين لديها، كما فعل الأمريكيون أيضا.

 هذه الفوضى لم تسمح للمعارضة من إنشاء قيادة مشتركة، مما ساهم في تشرذم قوى المعارضة، ما ساعد إيران وحزب الله والأسد على إضعاف قوى المعارضة المشتتة، أضعفها التفوق العسكري للنظام.

 تبحث السعودية عن تعزيز الدور العربي للخروج من الأزمة السورية، ورغم الأهمية البالغة للدور المصري والعربي في حل الأزمة السورية بالوسائل السياسية، وتقدير السعودية لعودة مصر للاضطلاع بدورها الإقليمي، يبقى دور مصر في تقوية ظروف الحل السياسي.

يبدو أن المقعد السوري في جامعة الدول العربية الذي منح للمعارضة ممثلة في الائتلاف السوري المعارض خلال قمة الدوحة عام 2013، لكن قمة الكويت اتخذت موقفا محايدا عندما ظل المقعد شاغرا، يبتعد المقعد عن يد الائتلاف المعارضة السورية في قمة شرم الشيخ في ظل معارضة دول عربية لذلك المنهج، وصلت إلى حد التهديد بالانسحاب من الجامعة في حال استمرار الائتلاف في المقعد السوري في قمة شرم الشيخ المزمع إقامتها نهاية شهر مارس 2015.

هذه الدول مع اختلاف درجات معارضتها، أبرزها الجزائر والعراق ولبنان ومصر، ترى أن الحل السياسي للأزمة السورية يتطلب عدم تنحية النظام السوري تماما عن جامعة الدول العربية، لأن ذلك يحسم الموقف بالوقوف إلى جانب أحد طرفي المعادلة، مما يضع الطرف الآخر في موقع الخصم، وحتما سيفشل أي جهود للحوار.

لكن السعودية وتركيا يريان أن الرضا بالظلم ظلم ومن يقف إلى جانب النظام ظالم مثله، تلك عبارة صادرة عن تصريح من إردوغان، حينما انتقد زيارة سياسيين أتراك للأسد، لذلك يقتصر دور القاهرة على المشورة، وتقديم الدعم لنشاط مجموعة القاهرة التي تؤمن بالحل السياسي.

السعودية وتركيا يريان بأن الأسد جزء من الحل فكرة ليست بالحكيمة ولا بالأخلاقية، وبيان جنيف ينص على التفاوض من أجل انتقال سياسي، وهذا من شأنه من ناحية نظرية استبعاد بشار الأسد، وهذا يتطلب ضغطا عسكريا أكبر على النظام وتعزيز الشركاء المحليين في المعارضة.

نتيجة هذه التناقضات لا توجد إستراتيجية يمكن أن تعدنا بالنجاح في سوريا، رغم أن الجميع يقرون بأن سوريا هي كارثة إنسانية وإستراتيجية، خصوصا في ظل خفوت الدعوة لرحيل الأسد من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وحتى العربية، وتحول الأولويات إلى محاربة تنظيم داعش وهو الكمين الذي نجح فيه النظام السوري وإيران في نصبه للعالم بأسره.

 أثبت النظام السوري بأن البديل الوحيد له هم المتطرفون، ووجد التنظيم أنه من المناسب له أيضا أن يحارب الفصائل الأخرى وليس نظام الأسد، لقد وجدا الطرفان أنه من المناسب أن يخلقا واقعا مزدوجا غير أن الخاسر الوحيد هنا هو السوريون.

 لذلك ترى السعودية وتركيا بأن حاضر ومستقبل سوريا ومن بينها آفاق تحقيق حل سياسي من منطلق بيان جنيف 1 وجنيف 2 خصوصا في ظل توسع تنظيم داعش في العراق وسوريا، خصوصا وأن خوض الحرب التي تقودها المعارضة ضد النظام مفروضة عليه من قبل النظام نفسه على شعبه.

كما ترى كلا من السعودية وتركيا أن وجود الأسد في السلطة يشكل مغناطيسا جاذبا للجهاديين من كل أنحاء العالم للمجئ إلى سوريا، وأن الهدف هو تغيير ميزان القوى في ظل غياب حل سياسي حتى يشعر الروس والإيرانيين بأن مساعدتهم للأسد سيزداد كلفة خصوصا وأن السعودية ترفض المساهمة في رفع أسعار النفط ما لم تتوقف الدولتان عن مساعدة النظام السوري والتعاون في وضع حلول سياسية عملية تعيد للسوريين أمنهم واستقرارهم من خلال حكومة انتقالية مشتركة لإنهاء الصراع الذي يتم تغذيته من قبلهم.

لا مناص من أن تقود السعودية وتركيا إدارة الأزمة في سوريا، وعدم تركها لأكبر فشل لسياسات أوباما، بسبب الثمن الإنساني الذي تسببت فيه سياساته، وقد سبق لوزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ووزير دفاعه بانيتا ورئيس الاستخبارات الأميركية باتريوس، أن طلبوا من أوباما المضي قدما بمطلبه، الذي نص على أن الأسد يجب أن يرحل، وذلك بدعم حقيقي للمعارضة، غير أن أوباما رفض لمجرد أنه لا يحبذ مواجهة الأسد حتى لا يزعج إيران، الأمر الذي يهدد المفاوضات النووية التي يشعر أوباما بأنها أكثر أهمية بالنسبة له.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق