السعودية

السعودية تثبت للغرب ولروسيا أنها قيمة استراتيجية أكبر من إيران

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وما تلاه من ثورات الربيع العربي، تدخل المنطقة في حالة من إعادة ترتيب نفوذ القوى الكبرى وحتى القوى الإقليمية، وهو ما جعل النظام العربي برمته مهدد ويتحول إلى دائرة جديدة ممثلة في مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية، إلى جانب الدائرتين التركية والإيرانية.

تاريخيا ترى روسيا في إيران قيمة جيوستراتيجية عالية جدا بالنسبة لها منذ الحرب الروسية الفارسية عام 1796 حتى تغلغل روسيا مع مطلع القرن التاسع عشر في جنوب القوقاز بعد تلقي أكثر من طلب من جانب جورجيا لحمايتها من الغزوين التركي والفارسي، فيما شهد عام 1806 حرب بين روسيا وتركيا.

بدأ التنافس الروسي البريطاني في بلاد فارس استمر نحو مائة عام، وشهد عام 1834 الصراع على أفغانستان بعدما أحكم الفرس الحصار على هرات عام 1833 فرض على الانجليز قيادة مقاومة لتحرير هرات من الفرس.

أثارت هزيمة روسيا في حرب القرم التي اندلعت بين روسيا والدولة العثمانية المدعومة من بريطانيا وفرنسا ومملكة سردينا (إيطاليا) التي بدأت عام 1853 وانتهت بهزيمة روسيا في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا حاليا بعد دخول فرنسا وبريطانيا إلى جانب الدولة العثمانية التي انتهت في عام 1856 بتوقيع اتفاقية باريس، بعدما احتلت روسيا رومانيا التي كانت تتبع الدولة العثمانية، وأبلغت الدول الأوربية أنه لن تدخل في حرب شاملة مع الدولة العثمانية، وأن ما قامت به هو إجراء وقائي حتى تعترف الدولة العثمانية بحقوق الأرثوذكس في كنيسة القيامة في القدس مثلما تعترف بحقوق الكاثوليك التي ترعاها فرنسا، وهو سيناريو تمارسه اليوم روسيا في سوريا.

هذه الحرب وضعت بلاد فارس على الصعيد العالمي، خصوصا بعدما احتلت إيران هرات عام 1956 مستغلة هزيمة روسيا في حرب القرم، لكن أعلنت بريطانيا الحرب عليها وقضت معاهدة باريس عام 1857 بتحرير مدينة هرات في أفغانستان، وتم رسم الحدود في عام 1887.

تحولت إيران إلى قاعدة بحرية بريطانية انطلقت منها العمليات الحربية ضد الدولة السوفيتية، إذ كان البريطانيون يخضعون احتلال منطقة جنوب القوقاز الروسية كلها ومثلها مدينة باكو انطلاقا من الأراضي الإيرانية.

لكن في الحرب العالمية الثانية 1934-1941 اقترب شاه إيران من هتلر، وكان ينظر إلى ألمانيا نموذجاً يمكن الاقتداء بها، فدخلت القوات الروسية بالتحالف مع بريطانيا إيران عام 1941 وتمكنت من طرد الألمان من إيران، وأسفر هذا التدخل عن ضم إيران إلى التحالف ضد ألمانيا، حتى عام 1946 كانت تتواجد القوات السوفياتية، وانسحبت تلك القوات بعدما أقنعت الميرة أشرف بهلوي الشقيقة التوأم لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي وأقنعت الديكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين بسحب قواته من شمال إيران، بعدما أقنعته بأن إيران بعد الرحب العالمية الثانية لن تكون قاعدة للعدوان على الاتحاد السوفياتي.

في عام 1955 أعلن رئيس الوزراء الإيراني حسين غلام انضمام بلاده إلى حلف بغداد الذي أثار ردا سلبيا من جانب موسكو، وندد خروشوف بهذه الخطوة، ووصف الحلف بالفقاعة، وأنه سينفجر كفقاعة الصابون، رد عليه رئيس الوزراء الإيراني بالمثل، لكن عقدت اتفاقية عام 1957 بين طهران وموسكو وتم تبادل الزيارات، وأعلن البلدان عام 1962 أن إيران لن تسمح بقيام قواعد أجنبية.

بل حتى الصين ترى في إيران قيمة جيوستراتيجية كمحور رئيس في تقدم الصين باتجاه الغرب، بل تعتبره ضروريا لمواجهة كل من استدارة واشنطن نحو الشرق والتفوق البحري الأمريكي.

وجدت روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أن الصراع على التسلح أنهكهم، وسط غياب عن عوالم الطاقة الضرورية، فوجدت البحث عن مكامن القوة حيث توجد الطاقة، وها بدأ يتجلى الصراع الروسي الأمريكي في أبرز عناصره، فأرادت روسيا ما يشبه احتكار الغاز في مناطق إنتاجها، أو نقلها وتسويقها على نطاق واسع، لذلك هي تحرص على الحضور في سوريا لحماية مشروعها الغازي، الذي تحاول الولايات المتحدة أن تنافس روسيا من خلال مشروع موازي نابوكو على قسمة دولية على أساسها ستتحدد آفاق القرن سياسيا وإستراتيجيا، بل تحاول واشنطن إبعاد تركيا عن روسيا وتصبح المخزن البديل لروسيا لتأمين أوروبا، وهي خطة نجحت فيها واشنطن بعد ضرب تركيا الطائرة العسكرية وتوقف السيل التركي القادم من روسيا نحو أوروبا، وتريد تركيا أن تحقق الانضمام لأوروبا التي تدعمها واشنطن، في المقابل تعيد تركيا علاقتها بإسرائيل.

سياسة التحالفات تتغير في المنطقة، وهي ليست كما كانت خلال العقود الماضية، وجدت السعودية أنه من الواجب الاعتماد على الموارد الذاتية، فخطط الولايات المتحدة تغيرت، خصوصا بعدما وجدت من إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي قدمت لها خدمات لوجستية في أفغانستان وفي العراق، فلما لا تتحول إيران إلى حليف استراتيجي خصوصا بعدما وافقت إيران على توقيع الاتفاق النووي.

ليس فقط السعودية وبقية دول الخليج قلقين من هذا التقارب بين الولايات المتحدة وإيران، بل حتى روسيا قلقة من هذا التقارب، وهي تشعر بالقلق إزاء بعض أنشطة إيران الإقليمية، ومن التهديد المتمثل في تقارب إيران مع الولايات المتحدة، ومن دور إيران المحتمل كنقطة انطلاق في صراع آخر.

السعودية تشتغل على عدد من الجبهات، أهمها إيقاف التمدد الإيراني في المنطقة عبر إنشاء عدد من التحالفات العربية والإسلامية، وأثبتت بأن التحالف ضد الإرهاب ليس فقط ضد داعش، بل يشمل أيضا الإرهاب الطائفي الذي تتزعمه إيران ووقف تغولها في المنطقة، ولن تسمح لها بأن تصبح شرطي المنطقة، إلى جانب  إثبات للولايات المتحدة بأن السعودية قيمة جيوستراتيجية أكبر من القيمة الجيوستراتيجية لإيران، والجبهة الأخرى التي تعمل عليها السعودية البحث عن تقارب مع روسيا في الالتقاء حول مصالح جيوسياسية، مع محاولة إقناع الصين بالدخول في الصراع شرق الأوسطي كطرف فاعل.

استطاعت السعودية قيادة حقبة جديدة في تصحيح التوازنات الإقليمية، ومواجهة الاندفاعات الإيرانية التي تريد أن تكون أمرا واقعا يسبق الاتفاق النووي، وان تصبح قوة محورية وحيدة في المنطقة بأن توافق على إعطاء الغرب اتفاقا نوويا وأن يغض الغرب الطرف عن دور قيادي إقليمي.

بعدما بدأت إيران بالإعلان عن سيطرتها على أربعة عواصم عربية هي بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، بل أعلنت أن سوريا هي الولاية 35، وأن بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الإيرانية، وتطالب بإلغاء الحدود من طهران إلى سواحل المتوسط في غزة ولبنان، وإحكام الطوق حول الخليج من مضيق هرمز جنوبا إلى باب المندب شمالا، بل اعترفت إيران بتصريحات على لسان قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري بأن طهران دربت مائتي ألف مقاتل في خمس دول عربية بينها سوريا والعراق واليمن.

بل اتجهت إيران إلى تصريحات على لسان قاسم سليماني بأن طهران أضافت الأردن إلى قائمة الدول التي تتحكم فيها، وأن الأردن تتوفر فيه إمكانية اندلاع ثورة إسلامية على غرار الثورة الخمينية يمكن أن تتحكم فيها طهران، وكان السفير الإيراني في عمان قد أعلن عن استعداد بلاده لتقديم النفط والطاقة للأردن مجانا لمدة 30 عاما مقابل تبادل للبضائع وفتح المجال أمام السياحة الإيرانية في الأردن، لكن الأردن وجد في قبول مثل هذا العرض ما سيترتب عليه من تنازلات وتحولات سياسية لن تصب في صالح الأمن الوطني للأردن.

لكن التصعيد الإيراني العنيف ضد السفارة والقنصلية السعودية عقب تنفيذ السعودية أحكام شرعية ضد إرهابيين أدت إلى تصاعد الإدانات الخليجية والعربية والإقليمية متهمة طهران بتسهيل حرق السفارة والقنصلية السعوديتين، وشكلت نقطة تحول انطلاقا من عاصفة الحزم التي افتتحها الملك سلمان بحقبة جديدة من ردع إيران، بل تمكنت السعودية من تأسيس موقف سياسي جماعي يترجم حقبة الحزم ضد التدخلات الإيرانية، وتحولت السعودية إلى قاعدة عمل مشترك بدلا من المواقف المنفردة في خلال ال 35 عاما الماضية.

أمهل وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم في القاهرة في يناير 2016 شهرين للتوقف عن التصريحات الاستفزازية والكف عن التدخل في شؤون الدول العربية، وإثارة العنف ودعم الإرهاب، وسوف تصدر منظمة التعاون الإسلامي الذي سينعقد في تركيا قرارات الإنذار الأخيرة لطهران، وبعد ذلك لا تلوم إلا نفسها بسبب هذا التصعيد غير المبرر.

عندما وجدت إيران أن السعودية تترجم عبر سياسة الحزم إعادة فرض الدور المحوري السعودي في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي وبقية أنحاء العالم، اتجهت إلى سياسة احتواء التوتر القائم مع السعودية والدول العربية عبر الإعلان عن اتخاذ عدد من الإجراءات مثل القيام بإجراءات عقابية ضد الذين هاجموا السفارة والقنصلية وأحرقوهما، وإقالة نائب حاكم طهران لشؤون الأمن صفر علي باراتلو.

أدركت السعودية الواقع الجديد منذ أن انخراط الأمريكيون في التفاوض السري مع إيران حول الملف النووي، وتعامي واشنطن عن تدخلاتهم السلبية، وعربدتهم طمعا بدفعهم إلى الاتفاق النووي، ولن تقتنع السعودية برسائل التطمينات التي تبعث بها الولايات المتحدة والغرب التي تؤكد أن الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1 لا يعني ضوءا أخضرا لإيران، بل تذكر واشنطن أنها وضعت النقاط على الحروف، فيما يتعلق بموقفها الرافض للعدوان الإيراني الدائم على دول الإقليم.

أربكت السعودية سياسة أوباما القائمة على التوازن التي كان يتبعها الرئيس نيكسون في السبعينات للحفاظ على توازن يحمي أمن الخليج، ولكنه اختل بعد وصول خميني إلى سدة الحكم، ويريد أوباما أن تتوصل الرياض وطهران إلى تفاهم من أجل إعادة تموضعها، والانسحاب إلى آسيا والمحيط الهادئ التي ينتهجها أوباما منذ عام 2009، لكن الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين السعودية وطهران الناجمة عن إعدام النمر بتهم الإرهاب تمثل أحد مظاهر التصدع الجيوسياسي المتفاقم في المنطقة بالنسبة لأوباما، حيث تفرض تلك الأزمة على الولايات المتحدة أن تعيد ترتيب أوراق المنطقة وملفاتها الكبرى، وعلى رأسها الأزمة السورية التي أصبحت تشكل هاجسا كبيرا في ظل عدم توصل الفرقاء واللاعبين الأساسيين في هذه القضية إلى حلول واضحة.

السعودية قطعت شوطا في قيادة تحولات كبرى في المنطقة، والانتقال من المهادنة إلى المواجهة في الحفاظ على الأمن الخليجي والعربي، خصوصا بعدما بدأت بالتحالف مع مصر والحد من توظيف الإسلام السياسي، وقطعت شوطا في محاربة الإرهاب وحرمانه من أهم روافده وأقوى دعائمه توظيف الصراع السني الشيعي بالتوازي مع منع التدخلات الإيرانية التي تمر عبر بوابة الدفاع عن الأقليات الشيعية.

تقيم السعودية تحالفا مع تركيا لترتيب اصطفاف إقليمي جديد يتزامن مع إقامة علاقة إستراتيجية أيضا مع باكستان القوة الإسلامية النووية الوحيدة القادرة على تحييد إيران بحكم موقعها الاستراتيجي في شمال إيران، بل كانت تصريحات قائد الجيش الباكستاني صفعة قوية لإيران واللوبي المؤيد لها في باكستان، عندما قال الجنرال الباكستاني راحيل شريف بأن من يفكر في التعرض أو التآمر على المملكة العربية السعودية والاعتداء عليها سيواجه بقوة باكستان المسلحة، وبما تملكه من قدرات، حولت كثيرا من المشككين في العلاقة بين السعودية وباكستان إلى الاصطفاف إلى جانبها وتقويتها.

وفي نفس الوقت تبذل السعودية جهودا كبيرة في تحجيم التدخل التركي تحت ذريعة دعم الإسلام السياسي بعدما اتخذت السعودية قرارها، بل هي تبحث عن تقارب المواقف بين تركيا ومصر لوقف خطر التمدد الإيراني في العمق العربي وخطر الإرهاب وتوظيف التنظيمات المؤدلجة أو المسلحة، أي أن السعودية تقود مرحلة مقاومة سورية منظمة ومتكاملة بدلا من أن تكون متقاطعة ومتعددة أو مؤدلجة استعدادا للمرحلة المقبلة للبحث عن حلول سياسية تحت مظلة الأمم المتحدة.

الوجود الروسي في سوريا ليس خدمة لطهران بل هي أتت لغاية تحجيم النفوذ الإيراني، لكن مصالحها تفرض تثبيت الأسد وهي تبحث عن فرصة التقارب مع السعودية وخصوصا مصر التي لديها نافذة تطل بها على السعودية غير المقتنعة بتثبيت الأسد تحت أي ذرائع.

تحولت سوريا إلى منطقة صراع النفوذ المكتوم بين إيران وروسيا، بجانب الخلافات الواضحة بين الأسد وإيران، ما يؤهل إلى تقارب بين روسيا والعرب لتفادي تكرار سيناريو بول بريمر في العراق في إنشاء نظام طائفي.

تشهد سوريا تشابكا كبيرا وتعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين، جعل السوريين وقودا لهذا الصراع، ولهذا التشابك، ما جعل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يصرح قائلا إن حصار المدن السورية بهدف تجويعها يشكل جريمة حرب، وطالب بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون قيود في كل أنحاء سوريا.

التحالف الجديد الذي تقوده السعودية مع تركيا ورغم الخلافات المعروفة على خلفية أزمة الإخوان، إلا أن تركيا أقرب إلى السعودية ومصر إقليميا وتاريخيا منها إلى إيران، خصوصا بعدما نجحت السعودية في كسب السودان وسحبه من المظلة الإيرانية وكذلك العديد من الدول العربية خصوصا تونس التي كادت إيران أن تمرر فيها مشروعها الطائفي عبر السياحة.

وإن كان الداخل العراقي منقسم بين الجهتين، جهة وجدت في تشكيل السعودية التحالف الإسلامي العسكري موجه نحو محاربة الطائفيين الذي يمثله الحشد الشعبي الذي يقتل السنة على الهوية، ويمارس تطهيرا طائفيا في مناطق عدة من العراق خصوصا في ديالي وتكريت على غرار ما يقوم به حزب الله في سوريا، بينما السعودية أعلنت عن تشكيل هذا التحالف من أجل محاربة التنظيمات الإرهابية على الأرض في عدد من الدول التي تعاني منه أيا كانت الخلفيات الدينية سنية أو شيعية لهذه التنظيمات، وأعلنت عن تشكيله في نهاية عام 2015 بمشاركة كل من يريد المساهمة فيه من الدول العربية والإسلامية.

وكانت اللجنة التنسيقية العليا بزعامة أسامة النجيفي لوحت إلى الذهاب إلى الأمم المتحدة لطلب الحماية الدولية للسنة العرب في العراق، وفهم الخزعلي أن ذلك تدويل لموضوع حماية السنة، وأنه يعتبر دخول قوات تحت أي ذريعة ستكون قوات محتلة وستقاومها فصائل الحشد الشعبي الذي هو صنيعة إيرانية، وهو يخشى أن يكون بداية تشريع دولي لدخول قوات التحالف الإسلامي إلى العراق، لا سيما أن هذه الفكرة لقت رواجا دوليا باعتبار أن الإرهاب في بيئات لا يمكن مقاومته إلا بقوات عربية ومسلمة، كما أعلنت الدول الغربية أن دورها فقط تقديم الدعم الجوي لأي قوات تتحرك على الأرض.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق