905

الدور الإيراني في الحرب على داعش: بين التعاون والمشاركة والرفض والاستبعاد

انتقل التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” من حيّز الفكر إلى حيّز التنفيذ، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بشن غارات جوية على مواقع لتنظيم “داعش” في مدينة الرقة السورية يوم 22 سبتمبر 2014، حصل ذلك بمباركة ومشاركة قوى إقليمية ودولية، وهنا تُطرح التساؤلات حول الدور الحالي والمستقبلي لإيران من وفي هذه الحرب، لجهة هل تم استبعاد إيران من هذا التحالف أو لم تتم دعوتها أصلاً، أم أنها هي من رفضت المشاركة، وبالتالي ما هي الأسباب التي دعت لكل ذلك، وما هي الدوافع والموانع لدى الأطراف كافة في هكذا قرار.

بناء التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”

أكدت الولايات المتحدة أنّ أكثر من 40 دولة ستشارك في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ليس من بينها إيران، وقد وردت أسماء 25 دولة في إحصاء لوزارة الخارجية الأمريكية، أما الجهات الأخرى فستشارك سراً في مختلف المجالات، الدبلوماسية والاستخبارات والمساعدة العسكرية ومكافحة التجنيد والشبكات المالية لتنظيم الدولة الإسلامية (1).

في قمة جدة -التي انعقدت بتاريخ 11 سبتمبر2014- تم تحديد الدول العربية التي ستشارك في هذا التحالف وهي مصر والعراق والأردن ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد تضمّن “إعلان جدة”، التزام الموقعين عليه بـ”تقاسم المسؤوليات للقضاء على خطر التنظيمات الإرهابية”، بما فيها تنظيم “داعش”، والتي تشكل تهديداً للمنطقة والعالم (2).

إيران التي رحبت بالمشاركة في أي جهد للقضاء على “الدولة الاسلامية”، وأرسلت نائب وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان إلى الرياض من أجل التنسيق والتعاون، وجدت نفسها “غير مرحب بها في هذا التحالف، وفي مؤتمر باريس الذي انعقد في 15 سبتمبر2014 قامت أكثر من ثلاثين دولة بوضع اللمسات الأخيرة لهذا التحالف. واتخذ المؤتمر، قراراً بمساندة الحكومة العراقية في حربها مع قوات “الدولة”. وقد سبقه قرار آخر لمؤتمر جدة بتأييد الحرب على الإرهاب، واعتبر أنّ “داعش” هو الممثل للإرهاب الذي ينبغي محاربته (3).

في هذه المرحلة التأسيسية للتحالف، بدأت تتضح مواقف الأطراف الإقليمية من هذا التحالف، وكان الموقف الإيراني ضبابياً ومراوغاً، بمعنى أنها كانت تود الدخول في الحرب على داعش، ولكن مقابل تحقيق مصالحها في العراق وسورية بدرجة أولى، واستخدام ذلك لخدمة ملفات إيرانية أخرى، وفي الوقت نفسه أيضاً يبدو التنسيق الإيراني-الأمريكي العلني صعباً ومعيقاً لجهود بناء هذا التحالف.

الاستبعاد الأمريكي والرفض الإيراني

يبدو التحالف ضد تنظيم داعش، حرباً تعتمد على الغارات الجوية وليست حرباً برية، حيث قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما إنه لن يتردد بتاتاً في شن غارات جوية عسكرية على أهداف تابعة لتنظيم داعش في العراق وسورية، وأضاف أوباما، في خطاب وجهه عشية الذكرى الثالثة عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2014، إنه لن يرسل قوات عسكرية إلى الشرق الأوسط لقتال داعش، وقال أوباما إن استراتيجية إدارته لمواجهة داعش تعتمد على محاور هي: تنفيذ سلسلة من الهجمات الجوية ضد داعش، وإرسال 475 عنصرا إضافياً من القوات العسكرية الأمريكية لتدريب القوات العراقية، والعمل مع شركاء واشنطن لوقف تنقل المقاتلين المتطرفين من وإلى الشرق الأوسط.

وأقر أوباما بأنّ أمريكا لم ترصد بعد مخاطر مباشرة عليها أو على حلفائها من التنظيم، ولكنه لفت إلى أن قيادة داعش هدّدت أكثر من مرة أمريكا والدول الحليفة لها، كما يضم التنظيم آلاف المقاتلين، وبينهم أمريكيون وأوروبيون، قد يعودون إلى بلدانهم لشن هجمات.

أما بالنسبة لسورية، فقد أكدّ أوباما أنّه سيطلب من الكونغرس المزيد من الصلاحيات والموارد لوضع خطط تدريب وتسليح المعارضة بحربها ضد داعش مضيفاً: “بالحرب ضد داعش، لا يمكن لنا الاعتماد على نظام الأسد الذي أرهب شعبه، هذا النظام لم يكتسب مجدداً الشرعية التي خسرها، وعوضاً عن ذلك علينا تقوية المعارضة كخيار أفضل لمواجهة المتطرفين، بالتزامن مع العمل من أجل الوصول إلى حل سياسي نهائي للأزمة السورية (4)“.

بموازاة هذا الحراك الدولي ضد تنظيم داعش ثمة حراك آخر يحاول عرقلة قيام التحالف الدولي، يتمثل بانضمام إيران إلى موسكو ودمشق في مساعيهما المعاكسة، فقد اتّهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني الولايات المتحدة بالسعي إلى انتهاك سيادة الدول بذريعة مكافحة الإرهاب، وقال إنّ واشنطن تريد مواصلة سياستها الأحادية في انتهاك سيادة الدول. وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قد اعتبر الولايات المتحدة “غير جادة بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية”، مقترحاً التعاون بين دول المنطقة لمواجهة التنظيم (5).

وأعلن مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي أنّ بلاده رفضت طلباً أمريكياً للتعاون في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وأعلنت إيران أنّ التحالف للحرب على داعش يعدّ تحالفاً انتقائياً، ويصب في مصلحة أمريكا فقط. في الوقت الذي أكدت فيه الإدارة الأمريكية أنّ الباب لا زال مفتوحاً أمام فرصة نادرة وثمينة للتعاون الثنائي بين الجانبين (6).

في هذه المرحلة التي سبقت مباشرة إعلان الحرب على تنظيم داعش، كثُرت البيانات والاتهامات المتبادلة، وتقدير الإيجابيات والسلبيات جرّاء انضمام إيران لهذه الحرب أو استبعادها، وقد يكون من بين أسباب استبعاد إيران عن هذا التحالف ما قد يسبّبه إشراكها من رد فعل سلبي لدى العديد من الدول المشاركة في التحالف -في مقدمتها الدول الخليجية- وقد يدفعها دخول إيران هذا التحالف إلى الانسحاب منه. ومن بين الأسباب أيضاً ضلوع إيران في أحداث سورية وتأثيرها الواضح في بقاء نظام الأسد، وكون إيران هي جزء من المشكلة، وأنّ سياستها الطائفية وسياسة حلفائها في سورية والعراق، قد أسهمت في صعود التنظيم وغيره من التنظيمات الراديكالية، كما أنّه لا يمكن محاربة داعش بتحالف علني مع إيران، لأنّ ذلك سيحوّل أمريكا إلى طرف في حرب طائفية في المنطقة.

 الموقف الإيراني بين التمنع والرغبة

تنظر إيران إلى الأحداث الجارية في العراق من تقدّم لقوّات “داعش” وتراجع للقوّات العراقية على أنّها خطر يهدد أمنها القومي، إضافة إلى رفضها أي تدخل أمريكي في العراق، وجاء في تقرير لمركز الأبحاث الاستراتيجية التابع للبرلمان الإيراني أنّ هذا القلق ليس نابعاً من تقويض الحكم الشيعي في العراق وهو مهم لإيران، لكن القلق الأكبر ينبع من ثلاثة محاور أيضاً، هي (7):

1ـ سيطرة تنظيم متشدّد “داعش” على منطقة ما في العراق وتأسيس حاضنة له هناك وهذا يعني وجود جيب في العراق يخطط ويجهّز ويرسل المفخّخات والانتحاريين إلى إيران، فهناك خمس محافظات إيرانية لها حدود مع العراق وتنظيم داعش بات قرب ديالى وبعقوبة القريبة جداً من الحدود ما يعني قدرته على الوصول للحدود، الإيرانية وبسهولة.

2ـ أن تقود الحرب على “داعش” إلى وضع عراقي جديد يتشكّل فيه إقليم جديد سنّي الهوية يشبه كردستان بحكم شبه ذاتي وهذا تهديد مباشر لإيران.

3ـ أن تتّخذ الحرب على “داعش” طابعاً مذهبياً علنيا بين السنة والشيعة، وهذا سيدخل إيران الشيعية في المعادلة حتّى لو حاولت النأي بنفسها عنه.

عدّت إيران -على لسان رئيسها حسن روحاني- الغارات الأمريكية غير شرعية، لأنها جاءت دون موافقة الحكومة السورية أو قرار من مجلس الأمن (8). أي أنها قد تّصبح شرعية لو أنّ إدارة أوباما قبلت عرض إيران والنظام السوري التنسيق معها بوصفها جزءاً من التحالف ضد داعش، الذي وجّه ضربة قوية للمشروع الإيراني في المنطقة. لذلك كان من الطبيعي أن تعرض إيران التعاون مع واشنطن في الحرب عليه، من خلال التأكيد أنّ تنظيم لدولة لا يمكن القضاء عليه بضربات جوية بل يحتاج إلى تعاون وتنسيق إقليمي ودولي.

أعلنت إيران، التي تم استبعادها من التحالف، أنها لا تريد المشاركة أصلاً في هذا التحالف وأكدّ مرشدها رفضه الانضمام إليه، في الوقت الذي تقدِّم فيه طهران مساعدات واستشارات للمقاتلين الأكراد الذين يقاتلون التنظيم في شمالي العراق. لكن إيران تؤكد أنها لا تقوم بالتنسيق مع الولايات المتحدة أبداً، كما استبعدت الولايات المتحدة أي تعاون لها مع إيران. إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود نوع من الانسجام والتناغم والتفاهم بين البلدين وإن لم يكن علنياً. وتحرّي إيران كافة السبل للمشاركة في التحالف الدولي والإقليمي ضد داعش، بهدف توظيف هذه المشاركة لإعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية والدولية، وتهيئة الفرص ليكون النظام السوري جزءاً من التحالف أيضاً.

نقاط الالتقاء وفرص التعاون

بالرغم من التصريحات الأمريكية التي تستبعد التعاون العسكري مع إيران في الحرب على داعش، وتشكيك طهران في أهداف استراتيجية الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمحاربة هذا التنظيم، يتفق الطرفان على أنّ داعش يشكل خطراً كبيراً على المنطقة. فاستثناء أو استبعاد إيران من المشاركة العسكرية في هذا التحالف لا يعني أبداً عدم التنسيق معها. فالدعم الإيراني للبشمركة هو نقطة اتفاق أمريكية-إيرانية، إضافة لاتفاق الطرفين على دعم الجيش العراقي وحكومة حيدر عبادي العراقية وتقويتها في محاربة هذا التنظيم. كما برز هذا التعاون في الدفاع عن بغداد ومنع مسلحي الدولة الإسلامية من دخولها وتهديد أمنها والسيطرة عليها.

مع تقدّم “داعش” صوب كردستان العراق وتهديدها لحليف الولايات المتحدة هناك، قادت إدارة أوباما الجهد العراقي والإقليمي والدولي لإخراج المالكي من الحكم، وتمكنت من إقناع القوى الشيعية الرئيسة في بغداد وراعيها الإقليمي في طهران، بأنّ المالكي لم يعد صالحًا للحكم. وطوت الإدارة الأمريكية ورقة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتنسيق مع إيران، حيث أكّد بعض مسؤولي الأخيرة أنّ التوافق على حيدر العبادي جاء بعد محادثات أميركية–إيرانية (9). كما برز هذا التوافق من خلال تعاون قوات الجنرال الإيراني قاسم سليماني وميليشيات الحشد الشعبي الشيعية مع قوات البشمركة الكردية لتحرير مدينة آمرلي الشيعية من حصار داعش تحت غطاء جوي أمريكي.

ووفقاً لكريستوفر شيفيز من مؤسسة راند أنّه من “غير المرجح أن تنسق واشنطن مع طهران مباشرة والتركيز سيكون في العمل مع البشمركة والقوات العراقية (10)“. وفي الحالة السورية، ووفقاً لبعض المحللين إنّ النظام السوري مدعوماً بإيران، سمح لتنظيم داعش بالامتداد حتّى يضع أمام الولايات المتحدة وأوروبا خياراً صعباً. ولذلك فإنّ جميع الأطراف في هذه الأزمة يتحملون جزءاً من المسؤولية إزاء الوضع الذي نواجهه وعلى سبيل السخرية أنّ إيران الآن تريد من الولايات المتحدة أن تقاتل وحشاً خلقته بنفسها. وهذا يفرض على الطرفين الإيراني والأمريكي أشكالاً من التعاون _ليس بالضرورة أن تكون علنية_، تختلف حسب مراحل الحرب وتطوراتها والحاجة الأمريكية لإيران في هذه الحرب الممتّدة.

خاتمة

يشكّل “بقاء وتمدّد” تنظيم الدولة الإسلامية عبئاً مشتركاً بالنسبة للولايات المتحدة والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط، ولإيران مصلحة في اقتلاع داعش. لكن شروط اقتلاعه تقلص من نفوذ إيران في المنطقة. فأي حكومة متوازنة وواسعة التمثيل في العراق تقلّص قدرة إيران على إدارة العراق. وأي حل سياسي في سورية يقلص قدرة إيران على التفرد بإدارة الوضع السوري خصوصاً أنه يعني بالضرورة تغييراً في موقع النظام السوري فضلاً عن خروج حزب الله اللبناني من الأراضي السورية، لهذا ليس سهلاً إشراك إيران في التحالف وليس بسيطاً تجاهلها.

عبد الكريم عنكير

كاتب وباحث سوري

خاص بمركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

مراجع

([1]) “أكثر من 40 دولة تشارك في التحالف الدولي ضد “داعش””، زمان عربي، 10 سبتمبر 2014.

http://www.zamanarabic.com/?p=9299

(2) “أمريكا و10 دول عربية تعلن تشكيل جبهة موحدة لمحاربة “داعش” لا تضم سوريا”، cnn بالعربية، 11 سبتمبر 2014.

http://arabic.cnn.com/world/2014/09/11/isis-arab-us-saudi

([1]) عبد الوهاب القصاب، “التحالف الدولي و”داعش”… أنماط القتال المتوقعة”، العربي الجديد، 17 سبتمبر 2014.

http://www.alaraby.co.uk/politics/01a15a91-4d2e-4ae4-a19a-0c199276949f

([1]) أوباما يتعهد بتدمير داعش: التنظيم غير إسلامي ونعتمد على الأكراد والعراقيين والمعارضة السورية.. ولا مكان للأسد، cnn بالعربية، 11 سبتمبر 2014.

http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/09/11/obamaisilstrategy

([1]) “طهران تتهم واشنطن بـ”انتهاك سيادة الدول””، سكاي نيوز عربية، 13 سبتمبر 2014.

http://www.skynewsarabia.com/web/article

([1]) “خامنئي: رفضنا التعاون ضد تنظيم الدولة”، سكاي نيوز عربية، 15 سبتمبر 2014.

http://www.skynewsarabia.com/web/article/688331

([1]) أحمد المصري، “إيران قلقة من وجود «داعش» على حدودها وتخشى نشوب حرب مذهبية بين الشيعة والسنّة”، القدس العربي، 28 يونيو 2014.

http://www.alquds.co.uk/?p=186323

([1]) “تقدير موقف.. إيران تنسف ادعاءات حليفها الأسد بالتنسيق مع أمريكا”، زمان الوصل، 27 سبتمبر 2014.

 https://www.zamanalwsl.net/news/53756.html

([1]) “سر التوافق الأمريكي الإيراني للإطاحة بالمالكي”، زمان الوصل، 28 أغسطس 2014.

 https://www.zamanalwsl.net/news/52789.html

([1]) “لا نجاح للتحالف ضد داعش دون قيادة سعودية لكن ماذا عن خبرة إيران الميدانية؟”،

cnn بالعربية، 11 سبتمبر 2014.

http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/09/09/isis-mideast-nations

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق