راغدة درغام

الخليج وإيران الجديدة

أي إيران ستولد في أعقاب الاتفاق النووي المزمع التوصل إليه اليوم – ما لم يفشل في الساعات الأخيرة – والذي سيُطلق العصر الذهبي للجمهورية الإسلامية بمئات البلايين من الدولارات، وينصبها «قوة إقليمية ناجحة جداً»، كما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما؟

هل ستكون قوى الاعتدال داخل إيران قادرة على إحداث تغيير جذري في التوجّه الإقليمي للجمهورية الإسلامية، فتتصرف طهران كقوة إقليمية عاقلة وحكيمة وبنّاءَة؟ أم إن قوى التطرف ستملأ جيوبها بالبلايين الكافية من الدولارات لتنفيذ مشاريع السطوة الإقليمية للتحكم بالعراق وللتمسك ببشار الأسد في سورية وللتخريب في اليمن ولامتلاك لبنان عبر «حزب الله»؟

القرار سيكون إيرانياً بالدرجة الأولى في حال انتصر تيار الاعتدال أو نجح تيار التطرّف أو في حال حدوث تنسيق تبادل أدوار بين التيارين. إلا أن مسؤولية ما سيؤول إليه الدور الإيراني في الشرق الأوسط، بناءً كان أو تخريبياً تقع على عاتق الدول الست التي رعت إبرام الصفقة التاريخية مع إيران. فالولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا عقدت العزم على التعاون مع روسيا والصين من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران بكثير من التنازلات. وهذه الدول رضخت لإصرار طهران على الاستبعاد الكامل لأدوارها الإقليمية من المفاوضات النووية.

الدول الست، إذاً، وافقت على التخلي عن أدوات التأثير في التوجهات الإيرانية الإقليمية، بل إنها كانت تعي تماماً أن رفع العقوبات عن إيران سيدر عليها فوراً ما بين 100 و150 بليون دولار ستمكّن طهران من تعزيز كامل قدراتها العسكرية ومؤسساتها العسكرية، كما ستمكّن معسكرها للهيمنة الإقليمية من فرض تلك الهيمنة على الأراضي العربية. فلا أحد جاهل بما هو آتٍ إلى منطقة الشرق الأوسط ما لم يتخذ الرئيس الأميركي قرارات إقليمية جاهزة في جيبه حفظها إلى حين الانتهاء من الاتفاق النووي وينوي لها أن تكون بدورها تاريخية.

غير أن الرئيس الأميركي ليس المساهم الوحيد في صنع التاريخ في الشرق الأوسط. روسيا والصين شريكان استراتيجيان في علاقاتهما مع الجمهورية الإسلامية، وهذه الشراكة ستنمو وتتعزز كثيراً عبر نادي «شنغهاي» فيما نادي «بريكس» كان السند الكبير لإيران وحليفها في دمشق مذ كانت دول «بريكس» في مجلس الأمن.

أوروبا أيضاً متأهبة للاستفادة الاقتصادية بعد رفع العقوبات عن طهران، وشركاتها جاهزة لمزاحمة الشركات الأميركية للاستفادة من العصر الذهبي الآتي. حتى الآن، لا مؤشر إلى أي استراتيجية عربية أو خليجية جديدة أخذت في حسابها هذه التغييرات الجذرية في موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أميركياً ودولياً وإقليمياً. لعل في الجيب الخليجي وعود أميركية تطمئنه أو خطط نووية في موازين الرعب. لكن ما تتطلبه هذه المرحلة الفاصلة يجب أن يكون جديداً بأفكار متجددة خارج الصندوق التقليدي. فشراء القدرات النووية للتوازن في معادلة الرعب لن يشفي المنطقة العربية من كوارثها في سورية واليمن وليبيا والعراق ولبنان وتونس ومصر، ولن ينقذها في المنطقة الخليجية.

قبيل الموعد المرتقب لإتمام الصفقة النووية للدول الست مع طهران، توجه الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى روسيا للمشاركة في عرض سياسي مهم استضافه الرئيس فلاديمير بوتين في قمتي «منظمة شنغهاي للتعاون» التي تضم روسيا والصين وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان، و «مجموعة بريكس» التي تضم كل من روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، أي نصف البشرية.

الهند وباكستان ستُمنحان عضوية كاملة في منظمة شنغهاي في قمة مدينة أوفا التي تستضيف القمتين معاً. وجميع الاستعدادات تم اتخاذها لانضمام إيران إلى هذه المنظمة فور رفع العقوبات الدولية عنها بعد توقيع الاتفاق النووي، علماً أن لطهران الآن صفة المراقب في المنظمة إلى جانب أفغانستان، فيما لتركيا صفة «الشريك في الحوار».

بوتين ينظر إلى القمتين باعتبارهما تظاهرة سياسية لتعزيز تحالفاته الإقليمية في مواجهة الغرب وتعزيز العمق الآسيوي في التحالفات الإقليمية. فالصين لروسيا «حليف استراتيجي» منذ زمن، وإيران لروسيا والصين شريك استراتيجي، وأفغانستان للصين كما هي لباكستان مع اختلاف الأسباب. والعلاقة بين الصين والهند لها تاريخها كما للخلاف بين الهند وباكستان تاريخه الطويل.

منذ البداية، تركت الصين لروسيا لعب دور العرّاب في ملف إيران النووي وحلفها الإقليمي عبر سورية، وكان ذلك في إطار التحالف الاستراتيجي بينهما. الصين استفادت سرّاً وهي ستستفيد علناً من النفط الإيراني بعد رفع العقوبات. أما روسيا فإنها مُقبِلة على سوق جاهزة لتصدير السلاح، وستكون الرابح الأكبر من استثمارها السياسي في الجمهورية الإسلامية التي باتت شريكاً استراتيجياً مهماً لها.

أوباما أيضاً عقد العزم على التوجه آسيوياً، وبالتالي يمكن اعتبار الولايات المتحدة «ضيف شرف» غائب عن قمتي أوفا على بعد 1100 كلم شرق موسكو، لكنه حاضر في «التحول نحو آسيا» بعيداً من الاعتماد التقليدي على دول الخليج والشرق الأوسط.

إيران ستصبح الشريك الشرق أوسطي الأول لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين بعد الاتفاق النووي الذي سيسجّل قفزة نوعية في العلاقة الثنائية الأميركية – الإيرانية. ولا يعني هذا العداء مع أي من دول مجلس التعاون الخليجي الست المنقسمة في مواقفها من طهران. عُمان رعت المفاوضات السرية الأميركية – الإيرانية، ورأيها أن السياسة الحكيمة يجب أن تعتمد إلى ركن المصالحة والتعايش والتعاون مع الجمهورية الإسلامية. والسعودية – يدعمها عدد من دول مجلس التعاون بنسب متفاوتة – ترى أن مجرد إرجاء موعد تفعيل إيران النووية لمدة عشر سنوات تطلب منها أن تتهيأ نووياً أيضاً كي لا ينتهي الأمر بها إلى «جار نووي تحكم فيه ولاية الفقيه»، وفق تعبير أحدهم. بالتالي لا بد من الحصول على القدرة النووية من باكستان أو السوق السوداء من أجل مواجهة «السطوة الإيرانية الإقليمية» الممتدة من العراق إلى سورية إلى لبنان واليمن، بهدف السيطرة على هذه المفاصل المهمة من المنطقة العربية.

جزء من الرأي العام السعودي والخليجي يدعم كلياً خيار الرد النووي عبر مبدأ «توازن الرعب»، ويقول أنه لا يمكن السعودية أن تخضع أمام إيران نووية طموحاتها الإقليمية التوسعية مباركة دولياً. هذا الجزء يرى أن لا مجال لاستعادة الثقة بالولايات المتحدة التي «خدعت» حليفها العربي واحتضنت إيران حليفاً بدل الحليف السعودي والخليجي عموماً. ويرى أن الوقت حان للمواجهة.

لكن يمكن القول أن من الأفضل أولاً الإصرار على «المظلة» النووية الأميركية التي تضمن للخليج تحييد القوى الإيرانية النووية عبر ترتيبات تشابه الترتيبات الأميركية مع اليابان مثلاً. وثانياً الإصرار على ضمان تحييد القوة النووية الإيرانية لعدم استغلالها لأغراض سياسية. هكذا، يتم التجميد الفعلي للسلاح النووي الإيراني وتعطيل السطوة الإيرانية.

الاندفاع الأميركي نحو إيران هزّ الثقة الخليجية بالولايات المتحدة، وربما لم يعد ممكناً أهل الخليج التعامل مع الرئيس أوباما. إنما هذا لا يمثل استراتيجية إزاء الحدث التاريخي في العلاقة الأميركية – الإيرانية التي تمثل أولاً اعترافاً أميركياً ودولياً بنظام الحكم في الجمهورية الإسلامية القائم على ولاية الفقيه. وثانياً إن التطبيع في العلاقة الأميركية – الإيرانية أمر تتفق عليه الإدارة والكونغرس في غالبيته والأكثرية من الرأي العام الأميركي. فأميركا قررت المهادنة ورفضت المواجهة واختارت طهران شريكاً إقليمياً لها بقرار مدروس له علاقة بغضبها من إرهاب 9 – 11 الذي أصابها في عمقها. وثالثاً إن الاتفاق النووي يقر لإيران بحقوقها النووية السلمية ويجعلها عملياً جزءاً من النادي النووي «على بعد برغي» من التصنيع العسكري، لو شاءت، فالعلماء بخير والأموال متوافرة بعد الاتفاق. ورابعاً إن الصمت الدولي على الطموحات الإقليمية التوسعية الإيرانية قد يعني عملياً مباركتها، أقله حتى الآن، علماً أن رهان الغرب على أن الاتفاق سيقوي الاعتدال وسيلجم التوسّع الإقليمي الذي يقوم به «الحرس الثوري»، كما يردد سفراء الدول الأوروبية أين ما كان.

هذه تحولات جذرية تستحق استراتيجيات جدية آنية وبعيدة المدى. لعل إشراك النفس في الجديد في العلاقة الدولية مع طهران، دعماً للاعتدال داخل إيران، يقع في المصلحة العربية والإيرانية على السواء، ولعله يساعد في تنفيس الاحتقان المذهبي المدمر للسنّة والشيعة على السواء. هكذا يمكن دول الخليج أن تكون مساهماً في دعم معسكر الاعتدال داخل إيران وأن تؤثر فيه ضمن شراكة دولية واضحة في إصرارها على لجم معسكر التطرف الذي يسعى إلى الهيمنة على الدول العربية. فالبعض في الغرب يرى فائدة في الحرب بين «داعش» و «الحرس الثوري» وميليشياته هي أن يصفّي كل منهما الآخر ويدمره. المأساة أن ساحة تلك الحرب المدمرة ليست إيرانية ولا أميركية ولا أوروبية ولا روسية، إنما هي الأرض والشعوب العربية. وهذه المأساة لن تنتهي ما دامت القرارات العربية ناقصة ومقيدة تأتي كرد فعل بدل استراتيجيات واقعية وجدية وعازمة وقادرة.

حان الوقت لاستراتيجية خليجية أساسها الكبح الإقليميregional restraint تتضمن خطة جديدة وخريطة طريق جديدة في سورية واليمن بالدرجة الأولى، وكذلك العراق ولبنان. حتى لو كانت المبادئ الأساسية ما زالت تشكل الإطار للحلول المرجوّة، توجد حاجة إلى طروحات تجديدية على ضوء التحولات التاريخية التي سيأتي بها الاتفاق النووي مع إيران، إذا أتى.

كبح النشوة المتوقعة في صفوف «الحرس الثوري» وشركائه في سورية ولبنان والعراق واليمن يجب أن يكون قراراً أميركياً وروسياً وأوروبياً وإيرانياً أيضاً، كي لا تترجم تلك النشوة بإجراءات تندم عليها واشنطن ويدفع ثمنها الاعتدال في إيران، وليس فقط هذه الدول العربية الواقعة في قبضة «الحرس الثوري».

إسرائيل حصلت على ضماناتها من الولايات المتحدة والقائمة على إبعاد القدرات النووية الإيرانية العسكرية لعشر سنوات مع وضع المفاعلات النووية تحت الرقابة، والاستعداد لإجراءات عسكرية في حال غشّت إيران وصنّعت القنبلة النووية. فما تقوله واشنطن لإسرائيل هو أنه تم «خلع أنياب» الخطر النووي الإيراني، ثم أيضاً تقديم الضمانات الأميركية للحد من الخطر الإيراني على إسرائيل. فالعلاقة الإيرانية – الإسرائيلية المهادنة أساساً ستعززها العلاقة الأميركية – الإيرانية الجديدة.

ولو كانت إسرائيل حقاً معارضة للاتفاق النووي مع طهران لجنّدت اللوبي الموالي لها في الولايات المتحدة وحشدت حقاً معارضة جدية في الكونغرس لمثل هذا الاتفاق. جميع المؤشرات تفيد بأن معارضة إسرائيل عرضية، وليست جذرية أو جدية.

الجمهورية الإسلامية ستخرج من العزل وستحصل على الأموال، وستدخل النادي النووي السلمي، وستبدأ علاقة تطبيع تاريخية مع الولايات المتحدة. كيف ستترجم قيادة إيران ولادتها الجديدة؟ المرشد أدرى، فهو الذي مكّن قوى التطرف من التوغّل في العراق وسورية ولبنان واليمن. وهو الذي أثبت قدرة إيران على المناورة وفن التفاوض والتقاط الفرصة. الأمل بأن يكون في ذهنه دعم قوى الاعتدال لتأخذ إيران إلى البناء في بيئتها الإقليمية.

نقلاً عن الحياة اللندنية

راغدة درغام

 

 

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق