الأحواز

الحكم الذاتي في الأحواز، ما بين خميني ورجوي … أيهما أصدق؟

لم يسقط النظام البهلوي الفارسي لولا تضافر الجهود بين الشعوب القاطنة في جغرافية إيران السياسية في كل من إقليم الأحواز العربي وكردستان وأذربيجان وبلوشستان وتركمنستان. وبالتأكيد، لم يكن الحال في إيران بعد انتصار الثورة كما هو الحال الآن لولا خيانة الفرس لهذه الشعوب وعلى رأسهم خميني، إلى أن شاءت الأقدار وانقلب خميني والقادة العنصريون من بقايا العهد البهلوي الفارسي الشوفيني ونكثوا بوعودهم وعهودهم للمطالب التاريخية والقومية والسياسية للشعوب غير الفارسية، والتي كانت تتمحور في تلك المرحلة -أي أثناء الثورة وأحداثها- حول الحكم الذاتي.

ويبدو، أنه بعد ما استعصى الأمر على خميني والمحيطين به في المضي قدماً بالثورة، طلبوا العون من قادة الشعوب، لإلحاق أقاليمهم ذات الثقل السكاني والاقتصادي بالمركز، حيث موطن الفرس، لإسقاط الشاه وحكمه العنصري الفارسي. غير أنه كان لهذه الشعوب وقادتها رأي آخر، واشترطت قادتها على خميني أن يتعهد لهم خطياً في حال نجحت الثورة المفترضة أن تنال هذه الشعوب حقوقها التاريخية والقومية والسياسية المغتصبة منذ مجيء الشاه الأب مؤسس الدولة الإيرانية الحالية والحكم البهلوي الشاهنشاهي. فكان الحكم الذاتي مطلباً عادلاً لهذه الشعوب في تلك المرحلة بالتحديد، وذلك لجبروت ووحشية الدولة المركزية ذات المشرب القومي الفارسي الرافض لوجود الغير من حيث المبدأ، لعل وعسى أن تتخلص من الشاه وتستبدله بنظام تتفق عليه الشعوب يضمن لهم العيش والحياة الكريمة.

وبعد ما انتصرت الثورة وجاء خميني إلى طهران، كان بحاجة ماسة إلى تقديم رؤيته وتوجهاته السياسية والفكرية للإعلام الغربي -والفرنسي تحديداً-، وخصوصاً أن هذا الإعلام كان يترقب التوجهات التي ستسلكها إيران الجديدة. وهو ما دفع خميني إلى قبول مقترح إبراهيم يزدي (أحد مستشاري خميني في تلك المرحلة، والسياسي الفارسي البارز والقيادي في جبهة آزادي الإيرانية -جبهة تحرير إيران-)، بكتابة مسودة دستور، والتي صاغها من باريس حسن إبراهيم حبيبي، بناءً على طلب يزدي (كما ورد في كتاب ذكريات إبراهيم يزدي).

يقول إبراهيم يزدي في إحدى رسائله مخاطباً نجل خميني المغدور به من قبل المخابرات الإيرانية، أحمد خميني، عندما تم تخوين يزدي والتشهير به من قبل النظام: “أنت تعرف جيداً أنا الذي كتب لوالدك برنامجه السياسي والتنفيذي … وأنا من أعطى فكرة تأسيس الحرس الثوري ولاسيما فكرة يوم القدس العالمي… وغيرها من المؤسسات الأخرى». إلا أنه لكثرة القوى والأحزاب في جغرافية إيران السياسية وتنوعاتها القومية ومشاربها السياسية المتضاربة بعد انتصار الثورة، رُفِضَت هذه المسودة التي كتبها حسن حبيبي ونقحها خميني في ذلك الوقت في باريس، بما يتناسب ومشروعه السياسي الذي تُستَمد أفكاره أساساً من طروحات حسن البنا وسيد قطب، وعبر القوى والتيارات السياسية والقومية والدينية الفاعلة والنشطة جداً في الشارع الإيراني في أوائل الثورة كدستور نهائي للبلاد.

وعلى ضوء تصاعد حدة الاجتجاجات في العاصمة طهران والأقاليم غير الفارسية، كلّف خميني رئيس الوزراء مهدي بازركان بتشكيل هيئة تأسيسية لكتابة الدستور، ريثما يتمكن خميني ورجال الدين من القضاء على الخصوم والمطالب القومية والسياسية، وفعلاً وافقت الحكومة على تأسس المجلس الأعلى للتصميمات الثورية، وأنيط بهذا المجلس مهمة كتابة الدستور في تاريخ 28 مارس 1979.

وعليه، يبدو أن هذا المجلس لم يأخذ بعين الاعتبار المطالبات التاريخية والقومية والسياسية للشعوب غير الفارسية، ولا سيما تلك الوعود التي قطعها خميني ومن حوله لقادة الشعوب والحراك الجماهيري الثوري في الأقاليم، والتي لولاها لما انتصرت الثورة أبداً. ومن هنا، انتفضت الأقاليم وخاصة الأحواز وكردستان وتركمنستان مطالبة بحقوقها التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، استمراراً لنضالها الرامي للخلاص من الاستعمار الفارسي الذي بدأ في الربع الأول من القرن المنصرم.

وفي إقليم الأحواز الذي يشكل الشريان الاقتصادي لعموم جغرافية إيران السياسية، كانت مدينة المحمرة عاصمة الشيخ خزعل الكعبي، آخر أمراء الإقليم العربي، مركزاً نشطاً للحراك القومي العربي، وذلك لقرب المحمرة من مدينة البصرة العراقية ذات الثقل العربي، ومنفذاً من منافذ الأحواز للخليج العربي من جهة، ولجوارها -أي مدينة المحمرة- لمدينة عبادان أهم المدن العربية في الشرق الأوسط آنذاك لمكانتها الاقتصادية كونها تحتضن أكبر مصفاة لتكرير النفط وخزان الوقود في عموم المنطقة من جهة ثانية.

وبذلك، وبعدما اشتدت المطالب العربية في الأحواز، تحول رجل الدين العروبي آية الله الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني، إلى زعيم روحي، والتفت حوله الجماهير العربية، لتتحول مدينة المحمرة وبيت آل شبير الخاقاني والمراكز الثقافية ومقر المنظمة السياسية للشعب العربي الأحوازي عموماً، إلى مركز للحراك والنشاط السياسي، ومنطلق حقيقي للمطالب العادلة للشعب العربي الأحوازي .هذا الوضع السياسي المضطرب جداً في عموم إيران وأقاليم الشعوب بدءً من فارس وعاصمتها طهران، ومروراً بتركمنستان وبلوشستان، وحتى أذربيجان وعاصمتها تبريز، استوجب على حكومة مهدي بازركان أن تتدخل لتهدئة الوضع.

كانت كردستان باكورة هذه الاحتجاجات للمطالبة بالحقوق، إضافة إلى احتجاجها على الدستور الجديد وما تضمنه من مخالفات حقيقية للحقوق القومية والسياسية للشعوب غير الفارسية. فشكلت حكومة مهدي بازركان المؤقته برئاسة داريوش فروهر، هئية سميت بهئية المساعي الحميدة (هيئت حسن نيت)، وذهبت لإقليم كردستان لتدارك الوضوع هناك. ويبدو أنها أجرت مناقشات مطولة مع الهيئة الشعبية للشعب الكردي برئاسة عبد الرحمن قاسملو، وتمت الموافقة على أن ينال الكرد الحكم الذاتي لإدارة شؤونهم. إلا أن الفرس انقلبوا على ذلك، واندلعت الحرب هناك، واستخدمت الحكومة الفارسية الدبابات والطائرات وقتلت الكثير من المواطنين الكرد وأحرقت المدن والقرى على رؤوس ساكنيها.

وأما الأحواز ولأهميتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي، فقد جاء رئيس الحكومة المؤقتة مهدي بازركان للمحمرة شخصياً والتقى محمد طاهر آل شبير الخاقاني، وتباحث الطرفان حول الآلية المناسبة التي من شأنها أن ينال الشعب العربي الأحوازي حقوقه التاريخية والقومية والسياسية والاقتصادية في إطار الدولة والنظام الجديد. وفي ضوء هذا اللقاء، اتفق الطرفان بأن يذهب وفد أحوازي لطهران ليطرح المطالب العربية هناك. وبالفعل، ذهب الوفد الأحوازي للعاصمة الإيرانية متشكلاً من 30 شخصية أحوازية تضم كافة الشرائح السياسية والحقوقية والدينية، وكذلك ثلاثة ممثلين عن آية الله محمد طاهر آل شبير الخاقاني، والتقى الوفد أهم قادة الثورة والحكومة المؤقتة وعلى رأسهم آية الله محمود طالقاني. فيما وافق رئيس الوزراء الإيراني مهدي بازركان على أن يتضمن الدستور الإيراني كافة المطالب العربية الأحوازية. كما ذهب آية الله آل شبير الخاقاني لمدينة قم الإيرانية والتقى خميني وأكد الأخير على مشروعية المطالب الأحوازية وضرورة تحقيقها وإدراجها في الدستور الإيراني المفترض.

وأما المطالب التي قدمها الوفد نيابة عن الشعب العربي الأحوازي والتي انتشرت في الصحف الفارسية في تلك البرهة من التاريخ السياسي النضالي الأحوازي، فكانت كالتالي:

  • الاعتراف بالشعب العربي الأحوازي في إيران، وأن يتضمن دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذا الاعتراف.
  • الحصول على الحكم الذاتي وتأسيس مجلس محلي مسؤوليته تشريع القوانين والإشراف على تنفيذ هذه القوانين. وكذلك، مساهمة الشعب العربي الأحوازي في المجلس التأسيسي، والمجلس القومي والمشاركة في مجلس الوزراء الإيراني وفقاً لنسبة السكان العرب في إيران.
  • تأسيس محاكم عربية لحماية حقوق الشعب العربي الأحوازي وذلك في إطار قوانين الجمهورية الإسلامية.
  • اللغة العربية، اللغة الرسمية لإقليم الأحواز المستقل ذاتياً، إلا أن اللغة الفارسية تبقى اللغة الرسمية في عموم جغرافية إيران السياسية.
  • يكون التعليم في المدارس الابتدائية باللغة العربية، وفي المستويات الدراسية الأخرى يتم تعليم اللغة الفارسية كلغة ثانية.
  • تأسيس جامعات ومعاهد عربية في الإقليم، ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار موضوع المنح الدراسية في الخارج ليتسنى للطلاب والشباب العربي الأحوازي الاستفادة منها.
  • حرية البيان وإصدار ونشر الكتب والصحف باللغة العربية، وكذلك إيجاد البرامج التلفزيونية والإذاعية باللغة العربية، على أن تكون مستقلة كلياً عن الشبكة الفارسية في المركز. كما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن الرقابة وبكافة صورها مرفوضة كلياً.
  • أحقية التوظيف في كافة القطاعات الحكومية والخاصة داخل الأحواز، لأبناء الشعب العربي، ومن ثم لأبناء القوميات ممن ولدوا ومازالوا يعيشون في إقليم الأحواز.
  • تخصيص حصة كافية من عائدات النفط لإعمار الإقليم وازدهار الصناعة والزراعة فيه.
  • إعادة الأسماء العربية للمدن والقرى الأحوازية التي تم تغييرها في عهد النظام الفاشي البهلوي.
  • مشاركة أبناء عرب الأحواز في الجيش والشرطة وذلك في إطار الحكم الذاتي. لاسيما السماح لهم بتولي المناصب السياسية والإدارية العليا وكذلك المناصب العسكرية.
  • إعادة النظر في مسألة توزيع الأراضي مع الأخذ بعين الاعتبار ملكية الأراضي لمن يزرعها.

وفي خضم المباحثات والمناقشات المقررة بين الشعب العربي الأحوازي وحكومة مهدي بازركان، الذي وافق أن يتضمن الدستور الإيراني الجديد الحقوق القومية والسياسية العربية، أرسل الأخير كتاباً لآية الله محمد طاهر آل شبير الخاقاني أكد من خلاله موافقة الحكومة على المطالب الآنفة الذكر، إلا أنه وفي نفس الوقت كانت الحكومة الفارسية تُعِدّ العدة للقضاء ثانية على عاصمة العرب المحمرة في الأحواز. وفي فجر يوم الأربعاء الموافق لـ 30 مايو/أيار من عام 1979 تمت محاصرة المدينة من كل الأطراف، وذلك بعد ما حشدت الحكومة الإيرانية قواتها الخاصة والبحرية وكذلك قوات التعبئة والحرس الثوري الذي تأسس حديثاً بقيادة الجزار الأدميرال أحمد مدني، لتُفتَح نار الحقد على المواطنين العرب العزل من أفواه المدافع والدبابات، ولم يسلم منها أحد، إذ راح ضحية هذا العدوان الغاشم المئات من أبناء الشعب العربي بين شهيد وجريح وأسير، وليُعرف هذا اليوم من تاريخ الشعب العربي الأبي بالأربعاء الأسود.

ومما لا شك فيه أن الخلاص من النظام الجمهوري الإسلامي في طهران مصلحة مشتركة بين الشعوب العربية وحكوماتها من جهة والشعوب القاطنة في جغرافية إيران السياسية عموماً من جهة ثانية، ولاسيما منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وتعتبر منظمة مجاهدي خلق فصيلاً إيرانياً واحداً لا غير، ولا تمثل كافة القوى الفارسية، فما بالك بالشعوب غير الفارسية التي لا تربطها أي تفاهمات سياسية أبداً –ما عدا الأكراد-. إلا أن تحقيق هذه الأمنية -أي التخلص من النظام الإيراني الحالي- باتت ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.

وعليه، ما لم تعترف منظمة مجاهدي خلق بالحقوق التاريخية والجغرافية والقومية والسياسية والثقافية والاقتصادية لهذه الشعوب التي تشكل تقريباً 70 بالمئة من مجموع السكان في إيران، وأن يتضمن (حرفياً) دستورها ونظامها الأساسي العام وخطابها السياسي هذا الاعتراف. وغير ذلك، لا أعتقد أن منظمة مجاهدي خلق أو أي فصيل فارسي آخر، سيتمكن من الانتصار في معركته القادمة مع النظام في طهران، والذي يعاني منه الإقليم بأكمله، إلا إذا اعترفت منظمة مجاهدي خلق بالحقوق القومية والسياسية للشعوب غير الفارسية كافة دون انتقاص.

وأخيراً وليس آخراً، فإن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في منظمة مجاهدي خلق محمد محدثين، وفي أكثر من مناسبة وفي أهم القنوات الفضائية العربية، ومنها قناة العربية والإخبارية السعودية، أكد على أن الحكم الذاتي في إيران الديمقراطية -أي إيران المستقبل- حق مشروع للأقاليم غير الفارسية. ويضيف محدثين: “يجب أن تحظى هذه الشعوب بحكمها الذاتي واستخدامها للغتها، وإدارتها الذاتية والاقتصادية، وبرلمانها المحلي، وجميع حقوقها”. ويؤكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية لمنظمة مجاهدي خلق، أن هذا ورد في الدستور العام للمنظمة.

إلا أنني بعدما اطلعت على النظام الأساسي للمنظمة، والمنشور على موقعها في الإنترنت، لا يوجد فيه أي اعتراف بحقوق الشعوب غير الفارسية، ما عدا الحكم الذاتي للشعب الكردي، الذي بات من الماضي، في ظل المتغيرات المتسارعة في المنطقة والتي تصب جميعها في مصلحة الشعب الكردي.

فيا ترى، إذا كانت فعلاً منظمة مجاهدي خلق صادقة في طرحها هذا، فلماذا لم يتضمن دستورها ونظامها الأساسي بعد هذا الحق الطبيعي والقانوني الذي تنص عليه كافة الأعراف والقوانين الدولية؟ وهل تساءل الأشقاء العرب الذين يتسابقون لمشاركة منظمة مجاهدي خلق احتفالاتها، لماذا الحكم الذاتي حلال للأكراد وحرام على أشقائهم العرب في الأحواز؟

جمال عبيدي

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق