شيعة 00

التنظيمات الشيعية في لبنان: النشأة، البنية، المسارات، احتمالات المستقبل- الجزء الأول

القسم الأول:

حركة أمل

أولاً-المعطيات السابقة للنشأة:

تُعتَبر حركة أمل نواة العمل الشيعي السياسي المؤطَّر في لبنان، إلا أنّ نشأتها أتت تطويراً لعدّة عمليات سابقة لتأطير القوى الشيعية في كيان سياسي. كما تختلف ظروف نشأتها عن نشأة حزب الله لاحقاً، حيث ارتبطت بالمتغيرات الداخلية أكثر منه بالخارجية، وأبرز تلك المتغيرات:

انقسام المجتمع اللبناني وفق الهويات دون الوطنية (الدينية والمذهبية والطائفية)، منذ الاستقلال.

سيطرة أربعة تيارات فكرية على البنية اللبنانية: القومي العربي والقومي السوري، الإسلامي السياسي بشقِّه السني (الإخوان المسلمون)، التغريبي المسيحي، اليسار (الاشتراكي والشيوعي).

التنافس السياسي بين المسلمين السنة والمسيحيين على هوية لبنان وتوجّهاته.

غياب أي تأطير سياسي أو اجتماعي للشيعة في لبنان، وغياب تأثيرهم السياسي في الساحة اللبنانية (لم يتجاوز تمثيلهم 3 وزارات غير رئيسة، حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين).

تدنّي المستوى المعيشي للشيعة في لبنان، واعتماد غالبيتهم على المهن العمّالية والفلاحية.

انعزال الزعماء السياسيين الشيعة (الإقطاعيّين) عن جماعاتهم، وانعزال المراجع الدينية عنهم.

انخراط القوى الشيعية المتوسطة والمتعلمة في اليسار اللبناني.

ولعلّ المتغير الخارجي الأول والأبرز في مسار الحراك الشيعي في لبنان (متغير مباشر)، تمثّل في بروز “الناصرية” في العالم العربي بعد عدوان عام 1956 على مصر، وتصدير الخطاب القومي، وما ترتّب عليه لاحقاً من وحدة بين مصر وسوريا. والتي دفعت بكثير من النخب الشيعية الصاعدة (الجيل الشاب)، إلى التيار القومي العربي (بشكله الناصري، ثم البعثي)، بالاستناد إلى طروحات مواجهة إسرائيل.

أمّا المتغير الخارجي الآخر، فلم يكن ذو تأثير مباشر وواضح، بل احتاج لقرابة عقدين حتى يُحدِث تغييراً في التوجّهات الشيعية العامة في لبنان. ويتمثّل في دور إيران وموسى الصدر بإعادة بناء الهوية الشيعية في لبنان، وتعزيز دورها السياسي.

حيث شكّلت بيئة لبنان غير المستقرة (سياسياً وهوياتياً) من جهة، وتمتّعها بحرية حراك سياسي وفكري من جهة ثانية، بيئة قابلة للاختراق الخارجي. وخصوصاً مع بداية تشكّل مشروع فارسي لاختراق البيئة العربية، لضرب الهوية القومية العربية المتصاعدة، بالتوافق مع التوجّهات الإسرائيلية. حيث شكّل المدخل الديني/المذهبي، أنسب الأدوات لبناء المشروع الفارسي، وأقلّها مواجهة مع القوى الأخرى، وبالاستفادة من الوضع المعاشي للشيعة في لبنان.

وبحسب عددٍ من الدراسات، منها: كتاب موسى الموسوي (إيران في ربع قرن، الصادر عام 1972)، ومذكّرات شاهبور بختيار، آخر رئيس وزراء في عهد الشاه رضا بهلوي، ودراسات أخرى. فإنّ إيران أرسلت موسى الصدر إلى لبنان عام 1958، من أجل بعث الشعور المذهبي الشيعي، واستعادة ولاء الطائفة للحوزة العلمية في قم. وأمدّته بكل ما يلزم من أموال ومعلومات وعلاقات.

وحرص الصدر على أن يتّسم خطابه تجاه الآخر (غير الشيعي) في تلك الفترة بما يلي:

  • الانفتاح على كلّ الطوائف والمذاهب في لبنان.
  • توظيف القضية الفلسطينية.
  • محاولة اتخاذ مواقف سياسية متوازنة بين القوى الرئيسة، وعدم التواجه المباشر معها.

أمّا الخطاب الموجّه إلى الجماعات الشيعية في لبنان، فقد امتاز بأنّه:

  • خطاب ثوري، منافس للخطاب القومي المنتشر في الأوساط الشيعية.
  • خطاب اشتراكي تمّ تعديله وفق التراث الديني الشيعي، للوصول إلى شرائح الفقراء (غالبية شيعة لبنان).
  • خطاب ديني إصلاحي، يقرِّب المرجعيات الدينية من عموم الشيعة، ويُعيد صياغة الهوية الدينية الشيعية، بما يُمكِّنه من استعادة الحالة الإيمانية، وإعادة توجيهها.

وترافق مع محاولات وضع الأسس التنظيمية، قيام متغيرين آخرين، سيكون لهما تأثير كبير في بناء الهوية الشيعية اللبنانية وتوجهاتها، وهما:

  • انتقال الفصائل الفلسطينية للعمل في لبنان، بعد خروجها من الأردن إثر “معركة الكرامة 1970″، بخلفيتها العربية الثورية.
  • اندلاع الحرب الأهلية في لبنان 1975، بخلفيتها الدينية والمذهبية.

ثانياً-الأسس التنظيمية الأولى:

تتشكَّل الأسس التنظيمية الأولى التي سعى الصدر إلى بنائها، عبر الأساسات التالية:

  • الأساس الاقتصادي: الذي يُمكِّنه من بناء حاضن اجتماعي، وشرعية عمل في الأوساط الشيعية، بالاعتماد على الأولويات المعاشية، بحيث يقطع مع السلطة بناء على إخفاقاتها في تحقيق تنمية محلية للشيعة.
  • الأساس الديني: حيث يتمّ الانتقال إليه لاحقاً بعد تشكيل الحاضن الاجتماعي، بهدف تشكيل هوية متمايزة للجماعة الشيعية (للحاضن الشيعي)، ترفع من قيمة إدراك الذات. وتقطع مع الهويات الدينية الأخرى، وتحديداً مع الهوية الإسلامية السنية.
  • الأساس السياسي: ويكون تتويجاً لبناء الهوية الشيعية الأولية، يفتح المجال أمامها لطرح مطالبها ومشروع سياسي خاص بها، ويقطع مع المشاريع السياسية الأخرى في لبنان، ويُخرِج الجماعة من هويتها المحلية ومن هويتها القومية العربية، إلى هوية دينية-سياسية عابرة للحدود، وإن كان هذا المشروع سيحتاج إلى تحديث لاحق حتى يمكن إنجازه من خلال إطلاق حزب الله.
  • الأساس العسكري: والذي يأتي عقب مرحلة تمكين المشروع الديني-السياسي، وفرضه على القوى الأخرى.

وبناء على الأسس التنظيمية السابقة، تشكّل مسار البناء التنظيمي، وفق المراحل التالية:

الأساس الاقتصادي: استطاع الصدر بداية، وخلال عدة سنوات، أن يظهر قائداً مجتمعياً جديداً في الساحة الشيعية، وفي عموم الساحة اللبنانية، بالاستناد الأولي إلى الخدمات المعاشية والاقتصادية (الأعمال الخيرية) التي اشتغل على تأسيسها في المجتمع الشيعي، وبتمويل إيراني، ساعدته كذلك في الحصول على الجنسية اللبنانية عام 1963.

الأساس الديني: انتقل بعدها إلى عملية التأطير الديني، من خلال العمل على الانفصال عن دار الإفتاء اللبنانية التي كانت تضمّ كل المذاهب والطوائف الإسلامية، والسعي لإنشاء “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى”، ليكرّس بذلك ولاء شيعة لبنان الديني للمرجعية الدينية في إيران. ساعده في ذلك، تطلّعات الموارنة لإضعاف القوى الإسلامية السنية المنافسة لها، حيث دفعوا باتجاه إصدار قانون من البرلمان اللبناني يسمح بتأسيس المجلس الشيعي عام 1969. والذي ترأسّه الصدر، وبعضوية 9 أعضاء، دون أن يدفع إلى المواجهة المباشرة مع القوى الأخرى (الدينية والسياسية، الداخلية والخارجية)، من خلال برنامج عام للمجلس، ينصّ على:

  • تنظيم شؤون الطائفة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
  • القيام بدور إسلامي كامل فكراً وعملاً وجهاداً.
  • عدم التفرقة بين المسلمين والسعي إلى التوحيد الكامل.
  • التعاون مع كل الطوائف اللبنانية لحفظ وحدة لبنان.
  • ممارسة المسؤوليات الوطنية والقومية والحفاظ على استقلال لبنان وحريته وسلامة أراضيه.
  • محاربة الجهل والفقر والتخلف والظلم الاجتماعي والفساد الخلقي.
  • دعم المقاومة الفلسطينية والمشاركة الفعلية مع الدول العربية الشقيقة لتحرير الأراضي المغتصبة، في استراتيجية عربية موحدة.

 

ترافق ذلك مع حركة علمائية نشطة في الأوساط الشيعية اللبنانية، منذ سبعينيات القرن العشرين، موجّهة من إيران، من خلال عدد من العلماء الذين قدِموا من النجف وإيران إلى لبنان، إضافة إلى حزب الدعوة، وعمدوا لإعطاء الدروس الثقافية والدينية في المساجد والحسينيات، وتأسيس الجمعيات والهيئات الإسلامية ونشر الثقافة الإسلامية الشيعية، ما أدى إلى تأصيل الوعي الديني في صفوف الشباب الشيعي.

الأساس السياسي: وأتى تتويجاً للأساسين السابقين، من خلال إنشاء “حركة المحرومين”، عام 1973، التي تدعو مؤسسات الدولة إلى القيام بواجبها تجاه الجنوبيين المحرومين (الشيعة)، معلناً مبادئها التي تلخِّص المبادئ السبعة التي قام عليها المجلس الإسلامي الشيعي. وحين دعا الصدر أتباعه إلى التجمع في ساحة بعلبك، وحضره أكثر من مائة ألف شخص، أصبح من تلك اللحظة الزعيم الأوحد لشيعة لبنان. كما أراد الصدر بذلك اختبار قدرته على التعبئة الجماهيرية، تمهيداً للانتقال إلى العمل العسكري.

شكل رقم (1)

آلية تشكيل حركة أمل

 شيعة 01

ثالثاً-قيام حركة أمل، والأساس العسكري:

انتقل الصدر من خلال “حركة المحرومين”، إلى تأهيل كوادر شيعية عسكرياً، وبشكل غير علني، وبالتعاون مع النائب حسين الحسيني، منذ أواخر عام 1973، تحت ذريعة “مواجهة إسرائيل”، لتكون الجناح العسكري لحركة المحرومين، وتحت اسم سيتبلور لاحقاً “أفواج المقاومة اللبنانية”، والتي عرفت اختصاراً بـ “أمل”، وسيتم تأجيل الإعلان الرسمي عنها حتى عام 1975. وإن كانت أتت في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، ووَظَّفت مبرِّرات الحرب لتشكليها، إلا أنّها تبقى سابقة على الحرب. حيث خاطب الصدر حشوداً شيعية في 18/2/1974:

“إننا جماعة الانتقام، أي هؤلاء الذين يتمردون على استبداد حتى إذا كان ذلك سيكلفنا دمنا وحياتنا … لا ننحاز إلى المصالحات المهدئة التي اعتمدها الحسين بن علي، بل إلى التمرد الشاهر سيفه الذي اعتمده الحسين بن علي”.

وفي خطاب ألقاه الصدر بتاريخ 22/1/1975 بمناسبة ذكرى عاشوراء، دعا المواطنين اللبنانيين إلى تشكيل مقاومة تتصدّى للاعتداءات الإسرائيلية، وللمؤامرات التي تدبرها إسرائيل لتشريد اللبنانيين عن أراضيهم.

وفي مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 6/7/1975 أعلن عن ولادة “حركة أمل” إثر الانفجار الذي وقع في معسكر تدريبي لحركة المحرومين، قُتل فيه أكثر من 35 شخص في قرية عين البنية في قضاء بعلبك الهرمل، فضلاً عن أنّ الحرب اللبنانية الأهلية كانت قد بدأت في بعض المناطق، وإدراكه شمول هذه الحرب لكل المناطق والطوائف.

كل تلك العوامل دفعته إلى تأسيس الحركة سراً في البداية، ومن ثم أعلن عنها في الوقت المناسب. والتي نصّ ميثاقها على ما يلي:

  • تنطلق الحركة من الإيمان بالله بمعناه الحقيقي لا التجريدي، كما تعتمد على الإيمان بالإنسان ووجوده وكرامته وحريته.
  • تراث لبنان والشرق أجمع، الحافل بالتجارب الإنسانية والحضارات، هو الذي يرسم الخطوط التفصيلية، مع الاستفادة من تجارب الآخرين في كل أقطار الأرض.
  • الإيمان الكامل بحرية المواطن ومحاربة كافة أنواع الظلم ورفض الطائفية السياسية في لبنان.
  • رفض الظلم الاقتصادي وأسبابه، والاعتقاد بأحقية توفير فرص لجميع المواطنين.
  • حركة وطنية تحارب الاستعمار وتدافع عن الجنوب اللبناني.
  • السعي لتحرير فلسطين والوقوف إلى جانب شعبها.
  • الحركة ليست طائفية، لا تصنِّف المواطنين ولا ترفض التعاون مع اللبنانيين الشرفاء في بناء الوطن.

وإن كان ميثاقها يحمل ذات سمات برنامج المجلس الشيعي، إلا أنّ مسار ممارسات الحركة لاحقاً، سيتناقض مع هذا الميثاق، في كثير من نصوصه.

فيما تذهب بعض الطروحات إلى أن حركة (أفواج المقاومة اللبنانية)، وُلِدَت في نفس اللحظة التي أعلن فيها الصدر عن إنشاء حركة المحرومين، أو حتى قبلها، وأراد أن يستخدم الأخيرة للتمويه والتغطية على الحركة الأساسية. أو أنّ حركة المحرومين هي الاسم المعلن، وحركة أمل هي الجزء المغمور لكيان واحد. بدليل أنّ الصدر اتّفق مع خبراء منظمة فتح الفلسطينية على تدريب كوادر أفواج المقاومة اللبنانية منذ عام 1973، وأراد الإبقاء على التنظيم سرياً، وأوكل مسؤولية هذا التنظيم إلى مصطفى شمران. ومن أبرز من تدرّب على يد فتح كذلك:

  • آية الله جنتي، ممثل خميني لدى جبهة التحرير الفلسطينية.
  • زننغو، ابن آية الله محمد منتظري.
  • مصطفى شمران، أول وزير دفاع في عهد خميني.
  • محسن رفيق دست، أول وزير للحرس الثوري الإيراني في عهد خميني.
  • أفراد في حرس خميني.
  • ابنا خميني: أحمد ومصطفى.
  • قرابة 700 عضو من حزب الدعوة.
  • مقاتلو منظمة “مجاهدي الثورة الإسلامية”، الذين كانوا ينشطون ضدّ نظام الشاه.

لتنقلب حركة أمل على فتح والمنظمات الفلسطينية لاحقاً، وتعمد إلى المواجهة المسلحة معها. ويُنقَل عن الصدر حديثه مع أحد سياسيي الموارنة القريب من الطلائع المارونية:

“إن المقاومة الفلسطينية ليست بثورة، إنها لا تقبل البرهان على قضيتها بالشهادة، إن هذه ماكينة عسكرية ترهب العالم العربي … إن منظمة فتح عامل اضطراب في الجنوب، وقد نجح الشيعيون بالتغلب على عقدة نقصهم تجاه المنظمة الفلسطينية”.

وفي الوقت ذاته أعلن الصدر أن حركة أمل، هي عونٌ ومددٌ للجيش اللبناني (الماروني) في الجنوب، للتصدي للهجمات الإسرائيلية، وبهذا اكتسب الصدر شرعية لميليشياته، واستقلالية عن الدول اللبنانية. وفي حين استطاع إضعاف المنظمات الفلسطينية في الجنوب، ظهر إعلامياً بأنه مازال يدافع عن القضية الفلسطينية.

وجمعت الحركة في بنائها بين أيديولوجيتين، لكل منهما جمهوره:

  • أيديولوجية شيعية مرجعيتها ترتبط بقم، وتُعتَبر نواة المشروع الإيراني والشيعي في لبنان.
  • أمّا الأيديولوجية الأخرى، فهي علمانية، تمّ تعديلها لتتوافق مع الأيدلوجية الشيعية، ضمن ما سيُعرف لاحقاً في الفكر العربي عموما بـ “العلمانية المؤمنة”، بحيث تستهدف الفئات القومية واليسارية في الأوساط الشيعية في لبنان، كما تستهدف رسم صورة أقل مذهبية في لبنان والعالم العربي، تُمكِّن الحركة من ترويج مشروعها، وتخفِّف من حدّة العداء المذهبي والقومي لها. وبذلك تكون حركة أمل هي الحركة الأولى في تيار الإسلام السياسي التي تجمع بين أيديولوجية دينية وعلمانية.

ظلت حركة أمل تحت قيادة موسى الصدر إلى أن اختفى في ظروف غامضة عام 1978، فاستلم قيادتها رئيس مجلس النواب الأسبق حسين الحسيني، حتى عام 1980، حيث تسلم قيادتها رئيس مجلس النواب نبيه بري.

شكل رقم (2)

قيادات حركة أمل

 شيعة 02

ويُعتَبر المؤتمر العام، أعلى دائرة تنظيمية في الحركة، يجمع كلاً من أعضاء الإقليم وأعضاء المكتب السياسي والهيئة التنفيذية وأعضاء المناطق. وينعقد هذا المؤتمر لكلّ ثلاث سنوات مرة واحدة، ويُجرِي بعض التعديلات على نظامه الداخلي، ويرسم استراتيجيته السياسية في دورته المقبلة. وبعد ذلك تجري انتخابات لاختيار أعضاء المكتب السياسي ورئيس الحركة ونائبه والهيئة التنفيذية في المؤتمر العام.

شكل رقم (3)

البنية التنظيمية لحركة أمل

 شية 03

ويُشتَرط للحصول على عضوية الحركة (وفق نصوصها):

  • الإيمان بميثاق الحركة والعمل على تنفيذ مبادئها والتحلي بالانضباطية لجهة احترام القيادة وتنفيذ قراراتها.
  • أن يكون بالغاً وراشداً.
  • ألا يكون منتمياً إلى أي حزب أو تنظيم أو قوة سياسية غيرها، أمّا إذا كان الراغب منتمياً إلى حزب سياسي أو أية قوة تنظيمية وأوقف نشاطه فيجب إثبات انسحابه من الحزب بواسطة الممارسة العملية والفعالة للقواعد والأسس المبدئية للحركة كما يجب تجاوزه مرحلة الاختبار لمدة 6 أشهر.
  • أن ينصهر قلباً وقالباً بمبادئ الحركة وأهدافها وأن يكون مثالاً لهذه المبادئ والأهداف أمام الشعب.
  • أن يكون مدرّباً عندما يكون سليم الجسم.
  • أن يتحلّى بالصفات الخلقية والتربوية والاجتماعية اللائقة.
  • أن يُقسِم اليمين الحركي، أمام القائد أو من يفوّضه القائد.
  • أن يوافق على عضويته، المكتب التنظيمي، ويُسجَّل اسمه في سجّل هذا المكتب بعد تقديم طلب خطي موقّع منه.

رابعاً- اختفاء موسى الصدر:

أدى اختفاء السيد موسى الصدر، في أغسطس 1978، إلى تحوّلات في مسار حركة أمل اللبنانية، حيث كان الصدر ابن عهد الشاه بهلوي. رغم أنّه آوى إليه المعارضين لنظامه في نهاية حكمه، إلا أنّه لم يدعُ علانية لولاية الفقيه، فهذا أمر يتناقض مع إيران الشاه، التي أرادت توظيف المذهبية في تكريس الحكم، وليس تسليم الحكم للملالي. في حين لم يُعلّق خميني كثيراً على اختفاء الصدر، وكأنّه أراد أن يطوي صفحته، ليفتح هو صفحة جديدة، بوجوه جديدة ومبادئ جديدة.

ويترافق هذا الطرح مع أنّ قسماً من القيادات اللبنانية الشيعية في المجلس الإسلامي الشيعي، وفي حركة أمل، لم تكن جميعاً على درجة واحدة من الولاء لإيران، بل إنّ منهم من يتحفّظ على الدور الإيراني في لبنان. خاصّة بعد الموقف السلبي الذي اتخذته إيران حيال قضية اختفاء الصدر.

وتظلّ قضية اختفاء الصدر في ليبيا، أحد أكثر الملفات الإشكالية العالقة بين لبنان وليبيا من جهة، وضمن تيار الإسلام السياسي الشيعي عامّة، وداخل حركة أمل خصوصاً. ويتنازع القضية تفسيران، لكل منهما مقوّمات تعزيزه وعيوبه، وهما:

التفسير الأول-اعتقال نظام القذافي للصدر وتصفيته لاحقاً، رغم تأكيدات النظام بأنّ الصدر غادر ليبيا إلى إيطاليا. ويقوم مبرّر هذا التفسير، على سعي القذافي  لتصفية منافسيه في العالم العربي، وخصوصاً مع التراجع الذي شهدته الحركة القومية العربية، بعد تصاعد دور التيار الإسلامي بشقيّه. ورغم أنّ الفعل ذاته غير مستبعد عن شخصية القذافي وطريقة تفكيره، إلا أنّ التفسير يبقى غير وافٍ، ككثير من تفسيرات سلوك القذافي. وظهرت في ذلك تصريحات عديدة منها:

تأكيد التحقيقات الإيطالية عام 1979، أنّ الصدر ورفيقيه لم يدخلوا إلى الأراضي الإيطالية.

تصريح حمد إسماعيل، مستشار نجل القذافي سيف الإسلام، مطلع عام 2016، لصحيفة “نيويورك تايمز”، بأنّ الصدر قتل بعد مشادة مع العقيد القذافي وأن جثته أُلقيت في البحر، وأنّ السلطات الليبية كذبت حين قالت إنه غادر ليبيا. وأنّ المسؤول عن عملية اختفائه هو الرجل الثاني في نظام القذافي، عبد السلام جلود.

وفقاً لشريك القذافي في ثورته، عبد المنعم الهوني، فإنّ النظام قام بتصفية الصدر ودفنه في منطقة سهبا.

وفقاً لرئيس مؤتمر الشعب العام السابق، محمد بلقاسم الزوي، فإنّ السفير الموريتاني آنذاك أخبره، بمشاهدة الصدر في مطار طرابلس مغادراً إلى إيطاليا.

تشير تحقيقات السلطات الليبية عام 2012، إلى أنّ الصدر اعتُقِل من قبل نظام القذافي، وظلّ سجيناً حتى مطلع العقد السابق، وأنّه لقي حتفه في السجن، وظلّ محفوظاً في ثلاجة موتى داخل زنزانته قرابة عقد من الزمن، إلى أنّ تم نقل جثمانه إبان قصف القوات الغربية لسجن أبو سليم.

شهادات عيان متفرقة، تؤكّد اعتقال الصدر من قبل نظام القذافي، وتؤكّد بعضها اغتياله من قبل النظام.

التفسير الثاني-دور خميني في تصفية الصدر: وهو التفسير الذي بدأ يأخذ رواجاً بشكل أكبر في الآونة الأخيرة، رغم ما يصدر من تصريحات عن مسؤولين ليبيين تؤكد مسؤولية نظام القذافي. ويقوم هذا التفسير على قاعدة أنّ الشاه وفي إطار سعيه لكبح الحراك الديني المتّسِع في إيران، تواصل مع الصدر للعودة إلى إيران، للقيام بدور سياسي-اجتماعي، يضبط به الحراك المجتمعي-الديني، وهو ما شكّل تهديداً لمشروع خميني ورفاقه، وكان سبباً في استهداف الصدر في ليبيا، سواء بعلم نظام القذافي وبالتنسيق معه أو دون ذلك.

وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز مطلع عام 2016، تقريراً حول كتاب تناول هذا التفسير، بعنوان “سقوط السماء: البهلويون والأيام الأخيرة لإمبراطورية إيران”، لمؤلفه: أندرو كوبر، البروفيسور في جامعة كولومبيا.

ورغم أنّ رافضي هذا التفسير يحتجّون بعدم قيام نظام خميني في وقتها، وأنّه غير قادر على القيام بعمليات اغتيال خارجية، إلا أنّ مسارات الأحداث اللاحقة في لبنان، وإنشاء حزب الله، وتقويض حركة أمل، بل والصدام المسلّح معها، وصولاً إلى نزع سيادتها عن شيعة لبنان لصالح حزب الله، تُشكِّل جميعها عوامل تعزيز لهذا التفسير. إضافة لما سيظهر لاحقاً من أدوار لإيران الخمينية وحزب الله، في اغتيال معارضين على امتداد العالم.

خامساً-الانشقاقات ضمن حركة أمل:

شهدت الحركة عدّة متغيرات داخلية وخارجية، أدّت بالمحصلة إلى حصول انشقاقات عديدة فيها، ساهمت في إضعاف الحركة وتحجيم دورها في لبنان. وأبرز هذه المتغيرات:

  • اختفاء مؤسّس الحركة، موسى الصدر.
  • مشاركتها في لجنة الإنقاذ الوطني للتفاوض مع إسرائيل عام 1982.
  • قيام حزب الله، بدعم إيراني واسع ومباشر.
  • الإنهاكات التي طالت الحركة في الحرب الأهلية، وارتباطها بجرائم حرب.
  • المواجهة مع حزب الله.

أدت جملة هذه المتغيرات، إلى عدّة انشقاقات، من أبرزها:

  • انشقاق حركة “أمل الإسلامية”، عام 1982، واندماجها بحزب الله.
  • افتراق حزب الدعوة الإسلامية عنها (محمد حسين فضل الله، محمد مهدي شمس الدين).
  • افتراق تجمّع علماء المسلمين برئاسة الشيخ صبحي الطفيلي عنها.
  • انشقاق “أفواج المقاومة المؤمنة”، عام 2004، واندماجها بحزب الله.
  • عدا عن انشقاق شخصيات منذ عام 1982، وانضمامها للحزب، أبرزهم: حسن نصر الله.

وتبقى هذه الانشقاقات ضمن ذات النهج الأيديولوجي العام، لكنها تنحى باتجاه مزيد من اليمينية المتطرفة في الفكر الشيعي اللبناني من جهة، واستكمالاً للمشروع الإيراني بعد تحوّل قيادته من النظام الشاهنشاهي إلى الملالي، بأدوات جديدة، ونهج مختلف. وخصوصاً أن الوظائف المناطة بحركة أمل، استُكمِلت مع عام 1982.

سادساً-تمويل الحركة:

كما حزب الله، تتنوّع مصادر الدخل لدى حركة أمل، غير أنّه تظلّ ميزانية الحركة أضعف من ميزانية حزب الله الذي يعتبر محور الدعم الإيراني. ويتشارك الطرفان في مصادر التمويل التالية:

  • التمويل الإيراني الرسمي والديني.
  • تمويل اللبنانيين في الخارج.
  • كما يطالها جزء من تبرعات الأخماس والزكاة.
  • المنتفعات من مؤسسات الدولة (الفساد).
  • صفقات غير شرعية، واستثمارات متنوعة داخلية وخارجية.

سابعاً-مؤسسات الحركة: تتنوّع مؤسّسات الحركة، وأبرزها:

شكل رقم (4)

قائمة بأبرز مؤسسات حركة أمل

 شيعة 04

ثامناً-أبرز المتغيرات في مسار حركة أمل:

الحرب الأهلية: فور إطلاق بشير الجميل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية، أوامره باحتلال ميناء بيروت والأسواق التجارية فيه، في 16/9/1975، وما خلّفه من قتلى وجرحى، أعلن الصدر نهاية المفاوضات مع حزب الكتائب، ودخوله عبر ميليشياته في الحرب الأهلية في مواجهته، تحت شعار “الدفاع عن المحرومين والمظلومين الشيعة”. أي أنّ حركة أمل كانت من أبرز الأطراف التي بادرت إلى دخول الحرب الأهلية مبكراً لتثبيت مكانتها في الساحة اللبنانية، بعد اكتمال مشروع بنائها، وبذلك تكون الفرصة السياسية التي أتاحتها الحرب، هي فرصة إطلاق المشروع الشيعي في عموم لبنان، بالاستناد إلى الأدوات العسكرية.

حرب المخيمات: في إطار نزاعها مع الفصائل الفلسطينية، شنّت حركة أمل –مدعومة بالقوات السورية- عدواناً على المخيمات الفلسطينية التي تتمركز فيها بقايا حركة فتح في الفترة مايو-يونيو 1985، استخدمت فيه عدّة صنوف من الأسلحة، وتنوّعت أساليب التعذيب والانتهاكات بحق الفلسطينيين، استمرت حتى رضخت الفصائل الفلسطينية لمطالب الحركة ومطالب دمشق. ومما تردّد عن الحركة في يوم احتفالها بالانتصار في 2/6/1985: “لا إله إلا الله، والعرب أعداء الله”، وأيضاً: “مستعدون للقتال مهما طال الزمن، حتى يتم سحق الفلسطينيين في لبنان”.

المواجهة مع حزب الله: تفجّر الوضع بين الطرفين، في الفترة 1985-1990، بسبب محاولة كل طرف بسط نفوذه على مناطق الشيعة في لبنان، إلى أن تمكَّن حزب الله، من بسط نفوذه على أغلب مناطق الجنوب، بعد مصالحات قادها نظاما دمشق وطهران، أدّت بالمحصلة إلى ازدياد شعبية حزب الله في الأوساط الشيعية، على حساب حركة أمل، وسيتم التطرق لهذا المتغير في القسم الثاني من الدراسة.

اتفاق الطائف: رغم أن اتفاق الطائف أخرج عدداً من القوى التي كانت فاعلة في الحرب الأهلية (عون وجعجع)، إلا أنّ القوى الأخرى استطاعت تثبيت مكانتها وفق حجم قوتها السياسية والعسكرية، واستحصلت حركة أمل على نصيب من اتفاق الطائف، عبر سيطرتها على رئاسة مجلس النواب، وفق التحاصصية الطائفية اللبنانية. عدا عن عدّة وزارات، منها: الشؤون الاجتماعية، السكن، إضافة إلى التعاونيات الشعبية والاقتصاد ومجلس الجنوب، وجزء من الجيش والأمن الداخلي وأمن الدولة والمؤسسات الخدمية، وهو ما وفّر لها عوائد مالية جديدة.

تاسعاً-العلاقة مع سوريا:

كان لابدّ للحركة من داعم خارجي يمكن الاعتماد عليه، بالإضافة إلى إيران، فمن الضروري وجود داعم عربي، يمكّن من تخفيف حدّة الاعتراضات على المشروع الإيراني في لبنان، وخصوصاً أنّ سوريا هي الجار العربي الوحيد للبنان. حيث وجد نظام الأسد في الحركة أداة لفرض توجهاته في لبنان، وخصوصاً إبان الحرب الأهلية، وفي ضرب خصومه من اللبنانيين والسوريين المقيمين في لبنان. وزاد من تقارب الطرفين تقارب نظامي دمشق وطهران مع عام 1979، حتى باتت أمل توصف بأنها الذراع السوري في لبنان، وأن حزب الله هو الذراع الإيراني فيه.

وفيما كانت تفضيلات الأسد تنصب ظاهرياً نحو حركة أمل، إلا أن الارتباط المذهبي والمصلحي بين هذه الأطراف، حافظت على تواصل نظامي طهران ودمشق مع الحركتين، ودورهما في ضبط النزاع المسلح بينهما، أو الحدّ من تطوره.

وإن كانت بعض الآراء تذهب إلى أنّ النزاع بين الحركتين يعود إلى نزاع بين دمشق وطهران على فرض النفوذ في لبنان، إلا أنّ حل النزاع بطريقة حافظت على وجود الحركتين، دون الاعتماد على “المعادلة الصفرية” أي إلغاء وجود إحداهما، عدا عن ترابط المشاريع مع بعضها، لا يعزّز هذه الآراء.

بل ربما يكون ما جرى من نزاع بين الحركتين، عائد إلى رغبة طهران في تحجيم حركة أمل، بعد استنفاذ دورها التأسيسي، وإخضاعها للنهج الإيراني الجديد، في حين أن أطرافاً داخل الحركة، لم تقبل بتحجيم دورها، ليس تمرداً على المشروع الإيراني، بقدر ما هو محاولة إثبات الذات والاستحصال على قيادة المشروع. وإن كانت أطراف أخرى، أقلّ حجماً، داخل حركة أمل، لم تتّفق مع توجهات المشروع الجديد.

في حين حافظت الحركة على طبيعة علاقاتها بالنظام السوري منذ نشأتها، إلى حين اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية، وما أُعلن عنه من رغبة الحركة باتخاذ مواقف وسطية تتمايز بها عن حزب الله، ضمن منهج “الحياد الإيجابي”. لكن وقائع الأحداث تشير وفق تسريبات ظهرت عام 2015، إلى مشاركة الحركة إلى جانب قوات الأسد وحزب الله في سورية، استناداً إلى مواقع مؤيدة لحزب الله، بثت صوراً وتسجيلات منسوبة للحركة. وهو ما نفاه بري مؤكداً على موقف الحركة “بالحل السياسي” في سورية.

أدت جملة هذه المتغيرات، بعد عام 1990، وتحديداً (بعد تفوّق حزب الله على الحركة، وعقد اتفاق الطائف)، إلى تراجع حجم الحاضن الاجتماعي للحركة لصالح حزب الله، وما أنتجه من تراجع في حجم فعاليتها السياسية، وحجم تأثيرها في الداخل اللبناني، وإن احتفظت بدور مهم عقب اتفاق الطائف. وصولاً إلى تقاسمها الحاضن الشيعي مع حزب الله، وصولاً إلى تساوي حواضنهما الشيعية عام 2009 (كما ستُظهِر النتائج الانتخابية البرلمانية، في القسم الثاني من هذه الدراسة).

وهو ما فرض عليها بالمحصلة التوافق مع التوجهات السياسية لحزب الله تدريجياً، ضمن المشروع الأوسع (الإيراني)، حرصاً على استمرارية الحركة باعتبارها حركة شيعية، وخصوصاً عقب ازدياد دور الحزب بعد عام 2000، ثم بعد عام 2006.

وتُعتَبر الحركة أحد أبرز أعضاء محور (8 آذار)، الذي تشكّل عقب اغتيال الحريري 2005، وحافظت على موقعها إلى جانب حزب الله، رغم التنقلات العديدة التي حصلت في المحورين (8، 14 آذار).

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق