شيعة 00

التنظيمات الشيعية في لبنان: النشأة، البنية، المسارات، احتمالات المستقبل-الجزء الثاني

القسم الثاني:

حزب الله

أولاً-معطيات النشأة:

أتى نشوء الحزب في ظلّ ذات المعطيات الداخلية والإقليمية والدولية التي شهدتها نشأة حركة أمل، لكنها أشدّ وطأة منها، وخصوصاً بعد قيام المتغيرات التالية:

  • الحرب الأهلية في لبنان، وما أفرزته من اصطفافات طائفية وسياسية.
  • قيام الثورة الخمينية، ورفع شعار “تصدير الثورة” إلى العالم العربي، وما نجم عنها من حرب إيرانية-عراقية، أخرجت العراق من معادلات الصراع العربي-الإسرائيلي.
  • اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، وأثرها السلبي في المشروع القومي العربي، وما أسفرت عنه من ترك المجال واسعاً للبحث عن بدائل ترفع شعارات “التحرير”.
  • عودة بروز تيار الإسلام السياسي في المنطقة، عقب إخفاقات التيار القومي.
  • انتهاء مرحلة الانفراج الدولي، وعودة تصعيد الحرب الباردة (الحرب الباردة الثانية)، ما تطلّب تحديث آليات العمل (آليات الصراع)، لدى الأطراف المتفاعلة معها في الإقليم.

في حين لم تكن حركة أمل قادرة على التعامل مع هذه المتغيرات الجديدة، لعدّة أسباب أبرزها:

  • ارتباط حركة أمل في نشأتها ومساراتها قبل عام 1979، بنظام الشاه. في حين كان يتطلّع نظام الملالي لجماعات أكثر ولاءً في العالم العربي، تناسب مشروع “تصدير الثورة”.
  • تحالفها مع النظام السوري، ودورها في الحرب الأهلية والجرائم التي ارتكبتها، ما جعلها غير مقبولة لدى شرائح واسعة في الداخل اللبناني، وعربياً.
  • استنزاف الحركة في الحرب الأهلية.

شكّل انتصار ثورة خميني، دافعاً تحفيزياً لشباب الشيعة في لبنان، حيث عمدوا إلى إنشاء “اللجان المساندة للثورة الإسلامية في إيران”، والتواصل مع قيادات الثورة الخمينية، لتنظيم أوضاعهم، وإيجاد إطار إسلامي موحَّد، وخصوصاً من قبل رجال الدين الشيعة الإيرانيين في لبنان، المنفيين زمن الشاه، بل والعمل كجسر لإيران في لبنان، حيث تركزوا في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية.

ساهمت هذه المعطيات الأولية في إدخال الحرس الثوري لأكثر من ألف عنصر إلى جنوب لبنان، ضمن صفوف أمل ومنظمة التحرير، بالتزامن مع تكثيف السفارة الإيرانية في بيروت، لنشاطاتها الدعائية والاجتماعية؛ تحضيراً لمدّ مشروع “تصدير الثورة”. مستفيدة من الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، ليُشكِّل الواجهة السياسية لنشاط إيران: “شرعية للتدخل الإيراني” في لبنان.

وعلى هامش “المؤتمر الأول للمستضعفين”، طهران 1982، اجتمع خميني بعدد من علماء الشيعة الذين شاركوا في هذا المؤتمر، وكان من بينهم: محمد حسين فضل الله، وصبحي الطفيلي، وممثّل حركة أمل في طهران إبراهيم أمين، لبحث الخطوات الأولى اللازمة من أجل إنشاء الحزب الجديد. عاد الوفد إلى لبنان، وكثَّف من اتصالاته مع وجهاء وعلماء الطائفة الذين لم يشاركوا في لقاء طهران، ثم تكرّر لقاؤهم بخميني، ووضعوا وإياه الخطوط العريضة لحزب الله. يقول أحمد الموسوي:

“ثم استكملت الخطوط التنظيمية الأولى باختيار هيئة قيادية للحزب ضمت 12 عضواً هم: عباس الموسوي، صبحي الطفيلي، حسين الموسوي، حسن نصر الله، حسين خليل، إبراهيم أمين، راغب حرب، محمد يزبك، نعيم قاسم، علي كوراني، محمد رعد، محمد فنيش”.

بحيث غدت السفارة الإيرانية في بيروت مركزا للقيادة، فيما اجتمع أعضاء المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بشكل دوري في طهران، وأقامت عدداً من معسكرات التدريب في إيران وسوريا ولبنان. ففي إيران لهم أربعة معسكرات، وفي لبنان: معسكر الشيخ عبد الله، ومعسكر الدركي، وكلاهما في بعلبك، وفي سوريا اثنان: معسكر السيدة زينب، ومعسكر الزبداني، حيث شاركت القوات السورية بتدريب مقاتلي الحزب، وتيسير وصول قوات الحرس الثوري إلى لبنان.

ثانياً-التأسيس:

أدى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إلى تشكيل الرئيس اللبناني إلياس سركيس، “هيئة الإنقاذ” للتفاوض مع إسرائيل، فيما قام تعاون بين حركة أمل واللجان الإسلامية والمنظمات الفلسطينية والجيش السوري، دون أن يكون هناك إطار يوحِّد عملها. ولم ينصع نبيه بري لطلب إيران عدم المشاركة في هيئة الإنقاذ، ما أدى إلى انشقاق مجموعة بقيادة حسين الموسوي، والإعلان عن تشكيل “حركة أمل الإسلامية”، في محاولة توسيع إطارها من كونها حركة شيعية إلى حركة تشمل كلّ الأطياف الإسلامية في لبنان.

أنتجت هذه البيئة الجديدة توافقاً بين: حركة أمل الإسلامية، واللجان الإسلامية، وبعض التجمعات العلمائية الشيعية، وساهمت بتشكيل “لجنة التسعة”، لكل منها 3 مندوبين، وإصدار ميثاقها حول تنسيق العمل في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي. وأعلنت في لقائها مع خميني بطهران، التزامها بقرار الولي الفقيه، والعمل على تأسيس إطار إسلامي جديد، جرت تسميته لاحقاً “حزب الله”، دون الإعلان عنه مباشرة، بل اكتفت بالإعلان عن الاتفاق على بدء العمل لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكل الأشكال السياسية والعسكرية.

وعمدت هذه الجماعات إلى توسيع نشاطاتها السياسية والشعبية، مع حملة من الاعتصامات والإضرابات في بيروت والجنوب والبقاع، وصلت حدّ المواجهة مع الجيش اللبناني، فيما اشتغل الحرس الثوري الإيراني على تدريب عناصر هذه الجماعات، التي ساعدت في تنفيذ عمليات عسكرية وانتحارية ضدّ القوات الإسرائيلية عام 1982.

ولعل أهم تحركين قام بهما الإطار الاسلامي الجديد وبدون الإعلان عنه، هما:

  • مواجهة اتفاق 17 أيار/مايو 1983، من خلال اعتصام بدعوة من تجمع العلماء المسلمين في بيروت في مسجد الإمام الرضا في بئر العبد.

نسف مقر القوات الأميركية والفرنسية في بيروت، في أكتوبر 1983. ووجه الحزب بعدها برقيات لخميني، مما جاء فيها:

“إنّ شعبكم المسلم في لبنان والمرتبط بولايتكم، يرفع إلى مقامكم، أسمى التبريكات والتهاني، لمناسبة انتصار حماة الإسلام … نرفع إليكم التهاني ببركة حركتكم الشعبية المتصاعدة في لبنان وفي بيروت، حيث الضربة الحيدرية والخمينية لمقري قيادتي القوات الأمريكية والفرنسية”.

فيما نفى الطفيلي، أمين عام الحزب وقتها، مسؤولية الحزب عنها، كما في مقابلته مع الجزيرة الفضائية في 23/7/2004، كما نفى الديراني مسؤولية الحزب عن عملية السفارة الأميركية في بيروت.

فيما تم اعتماد التسمية الثابتة والشعار المركزي للحزب عام 1984، وأصدر في عام 1985 الرسالة المفتوحة التي تحتوي برنامجه السياسي ورؤيته للواقع المحلي والإقليمي والدولي. وفي 16/2/1985، وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمقتل راغب حرب، ومع بدء الانسحاب الإسرائيلي من قسم كبير من جنوب لبنان، أُعلن عن تنظيم حزب الله، من خلال مؤتمر صحفي في حسينية الشياح، أعلن فيه الناطق الرسمي باسم الحزب: السيد ابراهيم الأمين، وثيقة الحزب السياسية باسم “الرسالة المفتوحة”. تضمنت أهم المبادئ التي يؤمن بها الحزب، ومما جاء فيها:

“إنّ الحزب ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسّد في ولاية الفقيه، وتتجسّد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة … نحن في لبنان لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً، بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام … إنّ الحد الأدنى الذي يمكن أن نقبل به على طريق تحقيق هذا الطموح، هو إنقاذ لبنان من التبعية للغرب أو للشرق، وطرد الاحتلال الصهيوني من أراضيه نهائياً، واعتماد نظام يقرّره الشعب بمحض اختياراته وحريته”.

نفى السيد فضل الله أي دور تنظيمي له في الحزب، مع أنّ العديد من قيادات الحزب درسوا عنده، بل إن فضل الله كان من الشخصيات غير المرغوب بها ضمن المشروع الإيراني حتى عام 2005، ومُنِعت تعاليمه وكتبه من التداول في هذا المشروع. فيما كان مُحارَباً من قبل القوى الشيعية المتطرفة في لبنان والموالين لإيران، بسبب خطّه الوسطي الرافض لمزج الدين بالسياسة، وحرصه على الاشتغال عبر المؤسسات الأهلية فحسب. وتمّ إقحام اسمه لاحقاً بتأسيس الحزب، من قبل مفكرين شيعة، حرصاً على الحصول على مشروعية للحزب في الأوساط اللبنانية والعربية، فيما تعرّض لمحاولة اغتيال من قِبَل مجموعة مرتبطة بالمخابرات الأميركية باعتراف مسؤولين أميركيين في 8/3/1985.

ثالثاً-التحزّب في مواجهة الأمة:

بدأ البحث في الإطار العملي لتحقيق الأهداف التي حملتها لجنة التسعة التأسيسية وأمضاها خميني، وجرى نقاش موسّع في دوائر الحزب القيادية حول الشكل التنظيمي الذي يحقّق الأهداف بطريقة أفضل، وتركز البحث حول الشكل الذي سيكون عليه هذا الحزب، وكيف يجمع بين حسنات الحزب واستقطاب الأمة.

فمخاطر الحزبية تكمن في حصر العدد بالمنتمين إلى الحزب ورفض ما عداهم، ومهما بلغت الهيكلية التنظيمية من السعة فإنها تستوعب مواقع ومهام محددة، ما يعني خسارة بعض الطاقات، كما ينذر التقيد الحزبي بنشوء عصبية لا تتفاعل مع الناس غير المنتمين له. أمّا فكرة الأمة واستيعاب الجميع، ولو تفاوت انتماؤهم والتزامهم واستعدادهم للعمل، فلا تخلو من مشاكل في تطبيقها. وهي مبنية على قاعدة وجود القيادة الموجِّهة التي تُصدِر تعليماتها إلى علماء المساجد والأحياء ولجانها، فتكون التوجيهات عامة وفي المحطات الهامة، ثم تتحرك الأمة بكل فئاتها لتلبيتها. وهذا لا يجيب عن كيفية استقطاب كل طاقات الأمة وتنظيم أدوارها في خصوصية الواقع اللبناني المتنوّع، كما لا يجيب عن كيفية معالجة التفاوت في الآراء، وفي مستوى الالتزام بين الأفراد واختلاف المستويات الفكرية والعملية وآلية الاختيار والارتباط بين الفئات المختلفة.

وحُسم الخيار باعتماد الشكل التنظيمي الهرمي، كصيغة حزبية، ضمن ضوابط تتجاوز سلبيات الطرحين، لتكون آليات العضوية وشروطها، على الشكل الآتي:

  • ينتسب إلى الحزب في المواقع المختلفة ضمن هيكليته المباشرة، من وافق على أهداف الحزب كاملة، وعلى الالتزام بقراراته التنظيمية، وإعطاء الوقت المطلوب لتأدية مهامه، وامتلك صفات عامة شخصية إيمانية وجهادية وسلوكية تؤهّله للدخول في التنظيم، لينمو في داخله ويقوم بواجباته.
  • لا توزَّع بطاقة حزبية على المنتسبين؛ لأنهم لا يكونون وحدهم ممن يعملون في تحقيق أهداف الحزب، وكي لا يرتبط تعريف الانتماء بالبطاقة الحزبية.
  • مراعاة المهام الحزبية المطلوبة وعلى رأسها العمل المقاوم، وتوفير الهيكلية الملائمة التي تلحظ شرح الوظائف وحدود المسؤوليات والصلاحيات للقيام بالمهام بفاعلية، وتسهل التنسيق بين وحدات الحزب.
  • إنشاء التعبئة العامة التي تضمّ الراغبين في الانتماء للحزب من مختلف الأحياء والقرى، ويكون التوزيع الهرمي في إدارة شؤونهم مرتبطاً بالتوزيع السكاني والجغرافي للأحياء والقرى، وتكون مساهمتهم بحدود ظروفهم وأوقاتهم، ويشاركون في دورات عسكرية وثقافية، كما يشاركون في المرابطة والقتال، وكذلك في الأعمال العامة التي يدعو لها الحزب.
  • إنشاء الهيئات النسائية التي تهتم بالقطاع النسائي وأنشطته المتنوعة، والتي تتوزَّع على المساجد والأحياء، وهي تهتمّ بالعمل الثقافي والاجتماعي التعبوي، وتشارك في الأعمال العامة التي يدعو إليها الحزب.
  • إنشاء كشافة الإمام المهدي التي تهتّم بالناشئة، وتعمل على تربيتهم وتوجيههم، كما تقوم بنشاطات تنسجم مع أعمارهم ومتطلباتهم، إضافة إلى المشاركة في أنشطة الحزب العامة.
  • إنشاء مؤسّسات ذات مجالس إدارة مستقلة في المجالات التربوية والثقافية والصحية والإعلامية والزراعية والعمرانية وغيرها، بحيث تلتزم بالأهداف العامة وتتحرك بهامش خاص في اختيار الأفراد، شرط مراعاة الحد الأدنى في التوجه الثقافي السياسي وعدم الاختراق الأمني.
  • اعتماد التعبئة التربوية التي تشمل مساحة اهتمامها الطلاب والأساتذة في التكميليات والثانويات والجامعات، ولها أنشطتها المرتبطة بالقطاع التربوي، وتضمّ في صفوفها كل الراغبين بالعمل معها وفق السياسات المرسومة والأهداف المعلنة.
  • المساهمة في إقامة التجمعات والهيئات المختلفة سواءً أكانت مهنية أم نقابية أم تخصصية، مع ترك هامش أوسع لمواصفات الفرد المنتسب إليها، بحيث لا تنطبق عليه شروط الانتساب المباشر لهيكلية الحزب، شرط مراعاة الحدّ الأدنى من الالتزام بالسياسات العامة والأهداف الإجمالية للحزب. وتكون نشاطات هذه التجمعات وبرامج عملها محددة في دائرة اهتمامها المهني أو التخصصي.
  • التعاون مع العلماء والجمعيات والمؤسسات التي تحمل استقلالية خاصة في إنشائها وأنظمتها الداخلية، لكنها تنسجم في الإطار العام مع أهداف حزب الله.
  • اعتبار المشاركين والمساهمين في احتفالات حزب الله ونشاطاته واهتماماته وكذلك المؤيدين لأفكاره من أنصار حزب الله.
  • ويُلحَظ من هذه الشروط، تطوّر المشروع الإيراني في لبنان، وانتقاله إلى شكل أكثر مؤسساتية عمّا ظهر في مرحلة تأسيس حركة أمل وقبلها، عدا عن ترك المجال للتعاون مع القوى التي لا يمكنها الاندماج بالحزب، ولها استقلاليتها الخاصة، بحيث يغدو الحزب مظلة لكل القوى الشيعية في لبنان. كما سيُلحَظ لاحقاً، أنّ إطلاق الحزب في لبنان تمّ –كما في حالة إطلاق حركة أمل- عبر المدخل العسكري، لتأكيد صلابة المشروع وجديّته.

رابعاً-التوجهات العقائدية للحزب:

معظم أفراد الحزب هم من اللبنانيين الشيعة المرتبطين مذهبياً بإيران (الإمامية الإثني عشرية)، حيث يعتبرون خميني ثم خامنئي، مرشدا الثورة الإيرانية، أكبر المراجع الدينية العليا لهم. فيما يُعتبر حسن نصر الله الأمين العام للحزب، الوكيل الشرعي للمرشد في لبنان. ومما جاء في بيان الحزب التأسيسي “من نحن وما هي هويتنا؟”:

“… إننا أبناء أمّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزيّة في العالم … نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثّل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسّد حاضراً بالإمام المسدّد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظلّه مفجّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة …”.

وقد عبّر القيادي في الحزب، إبراهيم الأمين، عن هذا التوجّه عام 1987:

“نحن لا نقول إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران”.

وفي رد حسن نصر الله، حول أنّ الحزب مستورد من الخارج (سوريا وإيران)، قال:

“لنكن واضحين ونحكي الحقائق، الفكر الذي ينتمي إليه حزب الله هو الفكر الإسلامي، وهذا الفكر لم يأتِ من موسكو أيام الاشتراكية ولا من لندن وباريس ولا حتى من واشنطن في زمن الليبرالية، هو فكر الأمة التي ينتمي إليها لبنان، إذاً نحن لم نستورد فكراً، وإذا كان من يقول إنّ الفكر إيراني، أقول له إنّ هذه مغالطة؛ لأنّ الفكر في إيران هو الفكر الإسلامي الذي أخذه المسلمون إلى إيران، وحتى هذا الفكر خاص بعلماء جبل عامل. اللبنانيون هم الذين كان لهم التأثير الكبير في إيران على المستوى الحضاري والديني في القرون السابقة؛ أين هو الاستيراد؟ هذا الحزب كوادره وقياداته وشهداؤه لبنانيون”.

ويقول في موقع آخر:

“إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام والدولة التي تناصر المسلمين والعرب. وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما إنّ المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا”.

ويضيف محمد حسين فضل الله، المرشد الروحي لحزب الله، ومؤسِّسه:

“إنّ علاقة قديمة مع قادة إيران الإسلامية بدأت قبل قيام الجمهورية الإسلامية، إنها علاقة صداقة وثقة متبادلة، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في نفس سياسته”.

وقد ترافقت جملة التصريحات اللبنانية بتصريحات متمِّمة لها إيرانياً، منها تصريح السفير الإيراني الأسبق في لبنان، حجة الإسلام فخر روحاني، في مقابلة أجرتها معه صحيفة “اطلاعات” الإيرانية في نـهاية يناير 1984:

“لبنان يشبه الآن إيران عام 1977، ولو نراقب ونعمل بدقة وصبر، فإنّه إن شاء الله سيأتي إلى أحضاننا، وبسبب موقع لبنان وهو قلب المنطقة، وأحد أهم المراكز العالمية، فإنه عندما يأتي لبنان إلى أحضان الجمهورية الإسلامية، فسوف يتبعه الباقون”.

ونقلت صحيفة النهار اللبنانية، في 11/1/1984، عنه كذلك:

“لبنان يشكل خير أمل لتصدير الثورة الإسلامية”.

خامساً-التوجّهات السياسية:

توضّح ظروف النشأة ومعطياتها الأهداف الرئيسة لإحداث حزب الله، والمتمثِّلة في:

  • تشكيل ذراع إيراني، ذي ولاء غير مشكوك فيه، يكون أداة لنشر “الثورة” والتغلغل الإيراني في العالم العربي، عبر خاصرته الأضعف، لبنان.
  • وبالتالي تحديث القاعدة الإيرانية المتقدمة للتبشير المذهبي “الشيعي”.
  • السيطرة على الساحة اللبنانية عسكرياً، والتحكّم بتوجهاتها سياسياً. وتثبيت حضور إيران في الملفات الإقليمية العربية.
  • ما تطلب رفع شعار “مقاومة إسرائيل”، بغية كسب شرعية للحزب وللمشروع الإيراني. وما ترافق مع هذا الشعار من متطلبات المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل في الداخل اللبناني بداية.
  • تحويل الحزب في مراحل لاحقة لقاعدة عمليات عسكرية إيرانية متقدمة في كافة الإقليم.
  • وما يعنيه ذلك، إدارته لملف نشر “الثورة” في البيئة العربية بأسرها.

وإن كان بعض هذه الأهداف والبرامج معلنة، إلا أنّ أخرى لم تظهر علناً حتى ساعة تطبيقها. فما صدّره الحزب بداية، وعلى لسان حسن نصر الله، من أنّ اهتماماته تنصبّ حول مصير ومستقبل لبنان، والمساهمة مع بقية القوى السياسية اللبنانية في إقامة مجتمع أكثر عدالة وحرية، وأنّه يهدف إلى إقامة دولة إسلامية في لبنان. ويهتم بالقضايا العربية والإسلامية وبخاصة القضية الفلسطينية.

فيما شكّلت الرسالة المفتوحة، خطوطاً عريضة لمنهج حزب الله، فقد أكّدت على الولاء لإيران ولخميني، والالتزام بقيادته، ورفض النظام اللبناني القائم، ورفض ومعارضة كلّ من يتحرّك في إطار المحافظة على الدستور، ومعارضة كلّ حكومة تمثّل جزءاً من “النظام اللبناني الظالم”.

وتم تحديد أهداف الحزب الأربعة، فيما يلي:

  • أن تخرج إسرائيل من لبنان كمقدمة لإزالتها من الوجود، وتحرير القدس من براثن الاحتلال.
  • أن تخرج أمريكا وفرنسا وحلفاؤها من لبنان، وينتهي أي نفوذ لأي دولة استعمارية في البلاد.
  • أن يرضخ الكتائبيون للحكم العادل، ويُحَاكَموا جميعاً على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أمريكا وإسرائيل.
  • أن يُتاح لجميع أبناء الشعب تقرير مصيرهم، ويختاروا بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي يريدونه، علماً بأننا لا نخفي التزامنا بحكم الإسلام، وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع.

وما يُسجَّل على هذه الأهداف:

أنّ الحزب عقد هدناً ومصالحات مع إسرائيل لاحقاً، بل وانحرف مشروعه بعد عام 2006 باتجاه فرض ذاته على المسار السياسي اللبناني ككل، ومن ثم عاد وانحرف باتجاه المشاركة في دعم نظام الأسد، على اعتبار أن “الطريق إلى القدس يمر عبر حلب”، وفق شعاره، عدا عن انحرافاته الإرهابية في عدة دول عربية، بحيث ستظهر قضية المواجهة مع إسرائيل في فترات أزمات الحزب فقط.

فيما سعى من هدف ضرب الكتائبيين، تصفية القوة المنافسة الأكبر حينها لمشروعهم، حيث أن جميع القوى اللبنانية ارتكبت جرائم حرب، بما فيها الحزب نفسه، وحركة أمل، غير أن الحزب لم يتطرق إلى محاسبة القوى الأخرى.

كما يُسجَّل على هدفه الرابع، إسقاط الأنظمة العربية، وبناء أنظمة “إسلامية” تابعة لإيران، وإن لم يكن الهدف حينها واضحاً بشكله المباشر.

سادساً-البنية التنظيمية:

يُعتَبر المرشد الإيراني هو القائد الأعلى للحزب، وفق نظرية الولي الفقيه، وتُنَاط إدارة الحزب بوكيل المرشد “أمين عام الحزب”. وذلك ضمن هيكلية هرمية، يتصدّرها مجلس الشورى والمكتب السياسي والمكتب المركزي. على أن تكون الكوادر القيادة من العاملين في حزب الدعوة، أو من الذين عملوا مباشرة مع الثورة الخمينية.

ورغم عامل السرية الذي يحرص الحزب عليه في أغلب نشاطاته، فإنّ ذلك لم يمنعه من الإعلان عن وجود بعض الهياكل التنظيمية التي تنظِّم عمل الحزب، منها على سبيل المثال: هيئة قيادية، مجلس سياسي، مجلس تخطيطي، كتلة النواب، مجموعات تنفيذية، هيئات استشارية.

مجلس الشورى:

يُعتَبر مجلس شورى الحزب أعلى هيئة تنظيمية، حيث يتمّ اختيارها بالتشاور مع الفعالين الرئيسيين في الحزب، ويتفاوت عدد أفرادها. وهي رأس الهرم في رسم الأهداف والسياسات، ومتابعة الخطط العامة لعمل الحزب، واتخاذ القرارات السياسية، ويتولى الأمين العام مسؤولية الإدارة والإشراف والتوجيه، والتنسيق بين رؤساء المجالس وأعضاء الشورى، والتعبير عن مواقف الحزب وقيادته.

مع تطوّر العمل، نشأت الحاجة لتعديل الشكل التنظيمي للشورى وطريقة اختيارها، فأُقِرّ نظام داخلي يحدّد أعضاء الشورى بتسعة أعضاء يتمّ انتخابهم لسنة واحدة، من قبل الكوادر الأساسيين الذين يشغلون موقع مسؤول قسم وما فوق، ثم تتولى الشورى انتخاب أمين عام من بين أعضائها، وتوزِّع المهام على الباقين بحسب الصلاحيات المذكورة في النظام الداخلي.

اختارت الشورى الأولى المنتخبة، والرابعة من حيث الترتيب، الشيخ صبحي الطفيلي أميناً عاماً لها في 5/11/1989، ومُدِّد لها ستة أشهر بعد تعذُّر التئام المؤتمر الانتخابي بسبب حصار إقليم التفاح أثناء أحداث “أمل-حزب الله”.

ثم تقرّر إجراء بعض التعديلات التنظيمية، حيث أصبح عدد أعضاء الشورى سبعة لينسجم ذلك مع توزيع المهام المحدّدة، أمّا مدّتها فسنتان، كما استُحدِث منصب الأمين العام. وقد اختارت الشورى أميناً عاماً لها السيد عباس الموسوي في مايو 1991 قبل أن يقتل في 16/2/1992، فانتخبت السيد حسن نصر الله أميناً عاماً خلفاً له. وأُعيد انتخابه في منتصف مايو 1993، وتجدّد انتخابه في الدورات المتتالية.

وجرى تعديلان على نظام الشورى خلال هذه المدة، الأول، يقضي بتمديد ولاية الشورى إلى ثلاث سنوات، والثاني يقضي بعدم حصر انتخاب الأمين العام لدورتين متتاليتين، وإعطائه الحق بالترشح لدورات متتالية.

أما على مستوى الهيكلية التنظيمية العامة، فقد أجريت عليها عدّة تعديلات لتنسجم مع متطلبات الحزب، إلى أن استقرت بوجود خمسة مجالس. على أن يرأس كلّ مجلس عضو من أعضاء الشورى، ويعتبر كل عضو من أعضاء المجالس بمثابة مسؤول وحدة، يشرف على لجنة من مسؤولي الأقسام لمتابعة المهام الموكلة إليهم، ثم تترابط الهيكلية التنظيمية عبر الفروع والدوائر إلى العناصر العسكرية:

المجلس السياسي: يضمّ مسؤولي الملفات السياسية وأعضاء لجنة التحليل السياسي، ويهتمّ بتقديم التحليل السياسي للشورى ويتابع التواصل وبناء العلاقات مع القوى السياسية والحزبية المختلفة.

المجلس الجهادي: يضمّ المسؤولين عن متابعة عمليات المقاومة ضدّ الاحتلال، وكل ما يرتبط بها إعداداً وتدريباً وتجهيزاً وحماية وغير ذلك.

مجلس العمل النيابي: يضمّ نواب الحزب، ويتابع شؤون كتلة الوفاء للمقاومة (التي تضمّ نواباً من الحزب ونواباً من المسلمين والمسيحيين الذين لا ينتسبون إلى التشكيل التنظيمي للحزب)، ويهتمّ بدراسة مشاريع واقتراحات القوانين المعروضة على مجلس النواب، كما يهتمّ بمتابعة شؤون المناطق والمواطنين مع المسؤولين في الدولة وأجهزتها المختلفة، ويواكب الموقف السياسي للحزب، حيث يعبر عنه النواب في المجلس النيابي وفي لقاءاتهم وتصريحاتهم.

المجلس التنفيذي: يضمّ مسؤولي الوحدات الثقافية والاجتماعية والتربوية والنقابية والمهن الحرة وغيرها، إضافة الى مسؤولي المناطق، فهو المسؤول عن الأنشطة والأعمال الإجرائية المرتبطة بتركيبة الحزب، وعن مؤسساته المختلفة ذات مجالس الإدارة.

المجلس القضائي: يضم المسؤولين القضائيين في المناطق، الذين يقتصر عملهم أساساً على عناصر حزب الله، لحلّ النزاعات بينهم، ويشمل أيضاً من يرغب من الناس بالتقاضي عندهم، إذا كانت له مشكلة مع أحد أفراد الحزب، وذلك بالتراضي والتعهد بالالتزام بالحكم الصادر عن قضاء الحزب. وهو بذلك أشبه بعملية فضّ النزاعات الأهلية الموجودة في العالم، التي لا تمنع التقاضي لدى قضاء الدولة، لكن بمجرد عرض النزاع على قضاء الدولة يتوقّف قضاء الحزب عن العمل على القضية المطروحة، ولا تمانع الدولة اللبنانية هذا النمط من فضّ النزاعات والخلافات الفردية، لأنّها لا تدخل في الحق العام وفي الأمور ذات الصلة بالدولة.

عقد الحزب مؤتمره الثالث عام 1993، وانتخب أعضاء قيادته، وهم: السيد حسن نصر الله، الشيخ نعيم قاسم، الشيخ محمد يزبك، السيد هاشم صفي الدين، حسين خليل، الحاج محمد رعد، عبد الله قصير. وأصبحت الهيكلية التنظيمية للحزب عام 1993، على النحو الآتي:

المجلس السياسي: برئاسة محمد رعد. ويتولّى كل من أعضاء المجلس أحد الملفات السياسية الآتية: الأحزاب الإسلامية، الأحزاب الوطنية، الأحزاب المسيحية، المنظمات الفلسطينية، العلاقات الإعلامية، الإذاعة والتلفزيون، وحدة النقابات والعمال، وحدة المهن الحرة، وحدة العلاقات الخارجية، ولاحقاً تمّ استحداث وحدة العلاقات العربية، ووحدة العلاقات الدولية.

المجلس الجهادي: تحت إشراف الأمين العام للحزب، وأعضاؤه هم: رئيس المجلس التنفيذي، المسؤول العسكري، مسؤول الأمن، ممثّل خاص من شورى القرار.

المجلس التنفيذي: برئاسة السيد هاشم صفي الدين، ويضمّ مسؤولي الوحدات الثقافية والاجتماعية والتربوية والنقابية والمهن الحرة وغيرها، إضافة إلى مسؤولي المناطق. ويتألف من الفروع التالية: الأمور المالية، الأمور الإدارية (الكوادر والأعضاء)، الخدمات الاجتماعية، الإعلام، القضايا الثقافية، القضايا التربوية. كما أنّ المسؤول العسكري والمسؤول الأمني والمسؤول التنظيمي ومسؤول التفتيش ومسؤولي المناطق الثلاثة، هم ضمناً أعضاء في المجلس التنفيذي. ويعدّ هذا المجلس قلب الهيكلية التنظيمية للحزب، وله دور بارز بين مجالس الحزب التنظيمية.

المجلس القضائي: هو أصغر مجالس الحزب، رئيسه قاضٍ يتولى في الوقت نفسه مسؤولية محكمة الاستئناف. ولهذا المجلس نائب رئيس ومسؤول مكتب. ويضم المسؤولين القضائيين في المناطق الذين يتابعون العمل مع أفراد حزب الله لفصل النزاعات، والحكم في تجاوز الحدود الشرعية، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها كما يتولى هذا المجلس مخالفات الأعضاء الحزبية والتنظيمية.

مجلس التخطيط: برئاسة السيد حسين الموسوي، أُنشئ في مؤتمر 1993، وضمّ عدداً من الشخصيات القديمة في الحزب تثميناً لخبراتهم وتجاربهم، ولوضع برامج من أجل مستقبل الحزب. ويتألف من رئيس ونائب رئيس ومسؤول الأمانة العامة، وأعضاؤه هم: مسؤول مركز الدراسات، مسؤول الأمور التنظيمية، خمسة أعضاء تختارهم شورى القيادة. وتم إلغاؤه لاحقاً، واعتماد أطر جديدة للتخطيط والدراسات.

مجلس العمل البرلماني والحكومي: مؤلف من نواب ووزراء حزب الله، السابقين والحاليين في المجلس النيابي اللبناني والحكومة، ويتولى هذا المجلس نائب الأمين العام للحزب.

شكل رقم (5)

البنية التنظيمية لحزب الله

شيعة 5

الأمناء العامون للحزب:

يعتبر السيد محمد حسين فضل الله المؤسس الحقيقي لحزب الله، أما الأمين العام الأول لحزب الله، فهو الشيخ صبحي الطفيلي الذي تولى هذا المنصب في الفترة من عام 1989 حتى عام 1991، ثم أُجبِر على الاستقالة، وتولى منصب الأمين العام السيد عباس الموسوي خلفاً له، لكنه لم يستمر أكثر من تسعة أشهر، فقد اغتالته إسرائيل في عام 1992 ليقود الحزب من بعده السيد حسن نصر الله.

شكل رقم (6)

الأمناء العامون لحزب الله

شيعة 6

حسن نصر الله:

حسن عبد الكريم نصر الله، من مواليد 21/8/1960.

سافر إلى النجف عام 1976، لتحصيل العلم الديني الإمامي.

عيِّن مسؤولاً عن حركة أمل في بلدة البازورية في قضاء صور، وعيِّن مسؤولاً سياسياً في حركة أمل عن إقليم البقاع، وعضواً في المكتب السياسي عام 1982.

انفصل عن الحركة وانضم إلى حزب الله، وعيِّن مسؤولاً عن بيروت عام 1985، ثم عضواً في القيادة المركزية وفي الهيئة التنفيذية للحزب عام 1987، واختير أميناً عاماً إثر اغتيال الأمين العام السابق عباس الموسوي عام 1992، مكملاً ولاية سلفه، ثم أعيد انتخابه.

سابعاً-مؤسّسات الحزب:

شكل رقم (7)

قائمة بأبرز مؤسسات حزب الله

شيعة 7

ثامناً-مصادر تمويل الحزب:

تتنوّع مصادر تمويل الحزب، ويتمثّل أهمها في:

أ-مصادر التمويل العلنية:

المساعدات المالية الإيرانية، وهي على شكلين:

  • مساعدات تقدِّمها المؤسَّسات التي يشرف عليها المرشد الإيراني مباشرة، ولها موازنة مستقلة عن الحكومة الإيرانية.
  • مساعدات تقدمها الحكومة الإيرانية والمؤسسات الرسمية والدينية في إيران.
  • مساعدات نقدية وعينية من داخل لبنان (غالبيتها من الشيعة).
  • مساعدات من تجار ومغتربين لبنانين في الخارج (غالبيتهم من الشيعة).
  • أموال “الحقوق الشرعية” أو “الخمس” والزكاة، حيث عيّن خامنئي كلاً من حسن نصر الله ومحمد يزبك، وكليلين شرعيين له في لبنان، لاستيفاء هذه الحقوق.
  • الاستثمارات الاقتصادية، داخل لبنان.

ب-مصادر التمويل غير العلنية: والتي يتمّ الكشف عنها بسبب فضائح مالية أو قانونية، ومنها على سبيل المثال:

استثمارات في الدول الغربية، بشكل غير مباشر، عبر شخصيات مرتبطة بالحزب.

التجارة غير الشرعية: سواء عبر تجارة الحشيش داخل لبنان، أو ارتباط الحزب بتجار المخدرات في المنطقة وفي أمريكا الجنوبية وسواها.

المنتفعات من مؤسسات الدولة (الفساد).

تاسعاً-أبرز المحطات في مسار حزب الله (1985-2006)

النزاع المسلح مع حركة أمل:

اندلع بين الطرفين نزاع مسلّح (بوتيرة متقطعة)، طيلة الفترة 1985-1990، ويرجع لعدّة أسباب، وأهم الأسباب المباشرة منها:

  • اعتراض حزب الله على نهج حركة أمل في التعامل مع المخيمات الفلسطينية، وخصوصاً في ظلّ اعتبار الدفاع عن القضية الفلسطينية جزءاً من خطاب الحزب.
  • انتصار أمل في حرب المخيمات، وخشية حزب الله من تمدّد نفوذها.
  • اختلاف موقف الطرفين، من قرار مجلس الأمن 425، الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان وكفّ عدوانها عنه. حيث اعتبر الحزب أنّ القرار لن يحرّر الجنوب، فيما رأت أمل أنه إحدى وسائل التحرير بالإضافة إلى “المقاومة”.
  • مشاركة حركة أمل في الحكومة اللبنانية، في حين أصرّ الحزب على إسقاط النظام السياسي وبناء “النظام الإسلامي” في لبنان.

(ينقل عن أحد أعضاء من مكتب آل البيت في حلب، عام 2008، أنّ قضية إنشاء النظام الإسلامي في لبنان ستبقى في صلب أهداف الحزب، لكن الظروف غير مواتية لإعادة طرحها بعد).

مناوشات محدودة قادت إلى المواجهة المباشرة، منها اعتراض أمل لسيارة دبلوماسية إيرانية في النبطية، وما ترتّب عليها من سعي أمل لتجريد مقاتلي الحزب من سلاحه في الجنوب (باستثناء إقليم التفاح)، وسعي الحزب لتجريد مقاتلي الحركة من سلاحها في ضاحية بيروت الجنوبية (باستثناء منطقة الشياح).

أمّا الأسباب غير المباشرة، والتي تُعتَبر أساس الخلاف بين الطرفين، فهي:

صراع النفوذ والتمثيل داخل شيعة لبنان، بين الطرفين. على اعتبار أنّ النظام الإيراني الجديد (الملالي) سعى إلى تحديث مشروعه عبر تقويض حركة أمل (الشاهنشاهية)، وإخضاعها وجميع الشيعة لنفوذ حزب الله، بعد استكمال مهمتها في التأسيس للمشروع. وهو ما لم يرُق للعديد من قيادات أمل، التي كانت بدورها تتطلّع إلى استكمال المشروع تحت نفوذها. وصولاً إلى إطلاق مقاتلي الحركة وصف “حزب الشيطان” على حزب الله باعتباره حركة إقصائية توظِّف الدين لخدمة مصالحها السياسية.

وترى بعض الآراء أنّ هناك سبباً آخر يتمثل في صراع النفوذ بين سوريا ومعها حركة أمل، وإيران ومعها حزب الله، حيث لم يرُق لحافظ الأسد وجود منافس إقليمي آخر له في لبنان، رغم ارتباطاته المصلحية والطائفية الواسعة مع إيران، على اعتبار أنّ لبنان “الحديقة الخلفية لنظامه”. وخصوصاً أنّ الطرفين عمدا إلى دعم حلفائهما في لبنان بالسلاح، وصولاً إلى اقتحام القوات السورية ثكنة فتح الله، التابعة للحزب، وإعدام 27 مقاتلاً من الحزب، وردّ الحزب بمحاولة اغتيال العميد غازي كنعان، واغتيال قيادات في الحركة.

تدخّلت سورية وإيران عدّة مرات لوقف القتال إلى أن نجحتا بالتوصل إلى اتفاق بين الطرفين في 9/11/1990 يسمح بعودة الحزب إلى الجنوب وعودة حركة أمل إلى الضاحية الجنوبية. ومن أبرز نتائج هذا النزاع سياسياً:

  • إضعاف حركة أمل، وزيادة الانشقاقات فيها، لتنضمّ الكوادر المنشقّة إلى حزب الله، وخصوصاً الكوادر المتطرِّفة مذهبياً.
  • أثبت الحزب أنّه أكثر مهارة في إجراءاته التعبوية وحملاته الدعائية، من حركة أمل.
  • تثبيت النفوذ الإيراني إلى جانب النفوذ السوري (مناصفة بشكل تقريبي).
  • بداية التحالف الموسّع بين حزب الله والنظام السوري.

استطاع الحزب الهيمنة على جزء من الجماعات الشيعية في لبنان، بشكل متّسع ومتزايد، من رصيد حركة أمل، وصولاً إلى ذروته في عام 2005 (سيتّضح ذلك في النتائج الانتخابية لاحقاً)، ليغدو الأكثر تمثيلاً سياسياً وأيديولوجياً وعسكرياً واجتماعياً للشيعة في لبنان. وفي ذلك يقول نواف الموسوي:

“يجب أن يعمل حزب الله بحيث يشعر شيعة لبنان أنهم بحاجة إليه، ونحن يجب أن نستخدم كامل قدراتنا وإمكاناتنا لنصبح أقوى وأكثر تجذراً في طائفتنا، وحين تلتحم مصالح الشيعة بنا فإنّ ضعفنا سينعكس عليهم، لذلك سيدعموننا، يجب أن يستقر حزب الله في إطار الطائفة الشيعية، لأنّ وجوده في خارجها سيسهل ضربه”.

وبذلك سعى الحزب لتأسيس قاعدة جديدة داخل شيعة لبنان، هي تكرار للحالة التي أسسها حافظ الأسد في سوريا مع العلويين، من خلال ربط وجود الشيعية وأمنهم، بوجود الحزب وأمنه واستمراريته، من خلال تخويفهم من عمليات انتقامية قد تستهدف الشيعة من قبل الآخر السني والمسيحي، في حال فقدان الشيعة لسلاح الحزب وقوته.

اتفاق الطائف 1989: أقرّ اتفاق الطائف وجود حزب الله واعتباره أحد القوى الرئيسة في المرحلة الجديدة، فيما أصدر حزب الله دراسة خاصة، قدّم فيها اعتراضه على الاتفاق والملاحظات التفصيلية عليه، لكنّه لم يقم بأي عمل اعتراضي على الاتفاق، وتعاطى معه كأمر واقع سواء على الصعيد السياسي أو الأمني. فيما شهد الحزب في هذه الفترة بدء التغييرات التنظيمية، حيث عقد مؤتمره الثاني في مايو 1991، انتخب بعده شورى جديدة وتولى السيد عباس الموسوي الأمانة العامة، إيذاناً ببدء مرحلة سياسية جديدة، تتمثل في الاهتمام بالشأن الداخلي، سواء على الصعيد السياسي والاجتماعي. وقد استغلّ الحزب توقّف العمليات الحربية داخل لبنان، في إعادة تأهيل عناصره وبناء قواعده العسكرية وتحديث ترسانته.

متغيرات عام 1992: شهد الحزب في هذا العام، متغيرين رئيسيين، أدّيا إلى توسيع حاضنه الاجتماعي من جهة، وتكريس دوره السياسي في لبنان من جهة أخرى، وهما:

  • اغتيال إسرائيل لأمينه العام، عباس الموسوي، 16/2/1992، وتسلّم حسن نصر الله أمانة الحزب. مع تراجع دور الطفيلي، وبروز بعض الخلافات في وجهات النظر داخل قيادة الحزب.
  • مشاركة الحزب في الانتخابات النيابية اللبنانية لأول مرة، أغسطس 1992. وفيما كان الطفيلي معترضاً على المشاركة، كان معظم قياديي الحزب موافقين عليها، واستحصلوا على فتوى شرعية من خامنئي أجاز لهم المشاركة فيها.

متغيرات عام 1993: وشهد الحزب في هذا العام، ثلاثة متغيرات رئيسة، كان لكل منها دلالاته، وهي:

  • الدور العسكري لحزب لله في لبنان بعد الطائف: وذلك إثر “حرب الأيام السبعة” في يوليو 1993، في مواجهة محاولات التقدّم الإسرائيلي، والتي أنتجت تفاهماً غير مكتوب بين الحزب والقوات الإسرائيلية سُمِّي “تفاهم تموز”، أدّى إلى وقف إطلاق صواريخ الكاتيوشا من قبل الحزب مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية.
  • عودة المعارضة السياسية لمشروع إعادة بناء الدولة اللبنانية: وذلك من خلال عدم مشاركة الحزب في حكومة رفيق الحريري.
  • القدرة على التحكم في الحاضن الشعبي، وبروز الدور القيادي، وفرض الشروط على الحكومة اللبنانية: من خلال حشد أنصاره وأحزاب لبنانية ومنظمات فلسطينية للاعتراض على اتفاق أوسلو، ثم قدرته على حلّ الأزمة سياسياً -الناتجة عن إطلاق النار من قبل الجيش اللبناني على المحتجين-، من خلال فرض شروطه باعتماد صور القتلى رسمياً باعتبارهم “شهداء”، والحصول على اعتذار من الحكومة، واستقالة وزير الداخلية.

متغيرات عامي 1996-1997: تتمثّل في متغيرات عسكرية، هي:

  • عملية عناقيد الغضب الإسرائيلية، إبريل 1996، ضدّ مقرات قيادة حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية وبعلبك، وشملت الجنوب والبقاع.
  • عملية أنصارية لحزب الله، سبتمبر 1997، من خلال نصب كمين للقوات الإسرائيلية في الجنوب.
  • استفاد الحزب من هذين المتغيرين في:
  • تأكيد “ضرورة” مشروعه العسكري في لبنان.
  • ومنه توسيع حجم ميليشياته من خلال إطلاق “السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال”.
  • توسيع حاضنه الاجتماعي، وخصوصاً في الأوساط الشيعية.
  • فرض أجندات الحزب على حكومة الحريري.
  • تأكيد الدور الإيراني –بالإضافة إلى السوري- في حلّ أزمات لبنان، من خلال “تفاهم إبريل 1996″، الذي تمّ برعاية الولايات المتحدة وفرنسا وسورية وإيران، لوقف إطلاق النار.

أزمة صبحي الطفيلي: تعتبر أكبر الأزمات الداخلية في حزب الله، الظاهرة للعلن، إذ سعى الطفيلي، ومنذ تنحيته عن أمانة الحزب عام 1991، لاستعادة مكانته، بالاعتماد على خطاب أكثر راديكالية، يتّهم قادة الحزب فيه بالمساومة، منتقداً تعاونهم مع “النظام السياسي اللبناني الفاسد”، واستمرت الأزمة عدة أشهر:

  • مايو 1997: أعلن الطفيلي قيام حركة “ثورة الجياع” بهدف إسقاط النظام السياسي اللبناني.
  • يناير 1998: تعمّد الطفيلي إقامة مراسم “يوم القدس” في ذات الساحة التي يقيم فيها الحزب مراسمه، ما دفع الحزب إلى فصله في 24/1/1998.
  • عيد الفطر 1999: إقامة مهرجان في حوزة “الإمام المنتظر”، حاصره عناصر الحزب والجيش اللبناني، وجرت اشتباكات مسلّحة أسقطت عدداً من القتلى، والإعلان عن نهاية حركة الطفيلي.

ومن دلالات هذه الأزمة:

  • تأكيد النهج البراغماتي الجديد للحزب، إذ إنه ورغم توافقه مع طروحات الطفيلي، التي تُعتَبر طروحات الحزب الرئيسة، إلا أنّ الحزب كان مدركاً لصعوبة تحقيقها في تلك الفترة. وما يؤكد هذا النهج أيضاً، توظيف الجيش اللبناني في حلّ الأزمة الداخلية للحزب.
  • وتتمثّل الدلالة الأخرى في توجيه إنذار لكل القوى داخل الحزب، بالتزام النهج العام والخضوع له، وخصوصاً أنّ الحزب لجأ إلى الحل المسلّح للأزمة.
  • عاد الطفيلي إلى الظهور على الساحة السياسية بخطاب مختلف عن خطابه السابق، وخصوصاً عقب عام 2011، من خلال محاولة فضح دور حزب الله في قمع الحراك الاحتجاجي السوري، وفي خطاب تصالحي مع القوى العربية في المنطقة.

الانتخابات البلدية 1998: شكّلت هذه الانتخابات التي عُقِدت بعد ثلاثة عقود على آخر انتخابات، فرصة لتأكيد حضور الحزب سياسياً واجتماعياً، وخاصّة أنه استطاع الاستحصال على مقاعد في مناطق النفوذ التقليدية لحركة أمل، ما أكّد توسّع حاضنه الشيعي، وبها بدأت مشاركته الفعلية في السلطة التنفيذية، والاستحصال على مزيد من النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما ترافقت هذه الانتخابات، بإقصاء رفيق الحريري عن السلطة.

الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، مايو 2000: وأبرز ما نتج عنه:

  • سُجِّل هذا الانسحاب باعتباره انتصاراً لحزب الله، ولمشروعه العسكري “المقاومة”، ولحلفائه سوريا وإيران. رغم أنّه مخطط إسرائيلي بدأ قبل فترة واستُكمِل دون قيام مواجهات مباشرة.
  • أتى انسحاب إسرائيل قبل الوقت المقرّر بعدة أشهر، تأكيداً للنقطة السابقة.
  • كما أكّد أحقيته بتمثيل الشيعة والدفاع عن مصالحهم من حركة أمل.
  • استطاع الحزب من خلال البروبوغاندا الواسعة، الحصول على حواضن اجتماعية في عدّة دول عربية، سهّلت له توسيع مشروعه السياسي خارج لبنان وبشكل علني للمرة الأولى (وفق دعاية: الانتصار العربي الأول على إسرائيل منذ 1973، وانتصار جماعة مسلّحة عما عجزت عنه جيوش عربية).

ورغم تصاعد المطالب بنزع سلاحه أسوة بباقي الميليشيات اللبنانية عقب اتفاق الطائف، إلا أنّه استطاع توظيف الانسحاب الإسرائيلي، في الدفاع عن برنامجه التسليحي، باعتبار أنّ:

  • سلاح الحزب كان سبب الانسحاب الإسرائيلي.
  • سلاح الحزب غير موجّه للداخل اللبناني، إنّما فقط تجاه إسرائيل (سيظهر خلاف ذلك عام 2008 داخلياً، ثم عام 2011 خارجياً).
  • ما تزال هناك مناطق محتلة (تلال كفرشوبا ومزارع شبعا).
  • كما استطاع أن يوظِّف الانسحاب الإسرائيلي للدفاع عن الوجود السوري العسكري في لبنان، في مواجهة خصومه (قرنة شهوان).
  • سعى إلى اكتساب الجماعات الشيعية في الجنوب بعد انسحاب إسرائيل، من خلال التصالح مع عناصر وحواضن جيش لحد، وعدم محاسبتهم على تعاونهم مع إسرائيل طيلة فترة احتلالها.

أهّلَه الموقف الجديد في لبنان، إلى استحصاله على مساحة أوسع من النفوذ والتدخل السياسي، وذلك وفق الاعتبارات التالية:

  • باعتباره منتصراً.
  • وباعتباره الأقوى عسكرياً على الساحة اللبنانية.
  • وبواقع ترسانته العسكرية.
  • وباعتبار تفرغه أكثر للعمل السياسي.
  • وباعتبار ثقل حاضنه الاجتماعي (الشيعي).
  • غيّر من أساليبه العسكرية، واعتمد منهج بناء “محميات عسكرية” في الجنوب، وخطْفِ جنود إسرائيليين، والمبادلة بأسرى لبنانيين لدى إسرائيل، ما عزّز النقاط السابقة.

ولابد من تسجيل ملاحظة تكرّرت بشكل غير واضح مباشرة سابقاً، وستغدو منذ عام 2000، نمطاً واضحاً في الساحة اللبنانية، وهي:

تعود كل مواجهة عسكرية بين حزب الله وإسرائيل، بفوائد جمة على وضع الحزب داخل لبنان، وتساعد في ترسيخ مشروعه، والدفاع عن ترسانته، وخصوصاً في فترات أزماته. بغضّ النظر عن نتائج المواجهة، والطرف المنتصر فيها أو المتسبب بها. حتى غدت المواجهة حاجة ملحّة للحزب لاستمراره واستمرار مشروعه ومشروعيته داخل لبنان.

متغيرات عام 2005: شهدت الفترة 2000-2005، نشاطاً سياسياً كثيفاً داخل لبنان، وأزمات عدّة، شارك بها حزب الله بوتيرة متصاعدة، وصولاً إلى قيام 3 متغيرات أساسية، ستشكِّل عبئاً على توجّهات الحزب، وأبرزها:

  • أزمة فرض التمديد الرئاسي لإميل لحود، أغسطس 2004، من قبل النظام السوري وحزب الله، مع معارضة رفيق الحريري، الذي وافق عليها مُجبَراً (وكما تمّ تداوله: بتهديد مباشر من بشار الأسد أثناء زيارة الحريري لدمشق، وهو ما أكّده بعض عناصر حزب الله لاحقاً).
  • وبالتالي صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559، سبتمبر 2004، الداعي لانسحاب القوات الأجنبية (السورية) من لبنان، وحلّ الميليشيات المسلحة في لبنان (حزب الله).
  • ما نتج عن هذه الأزمة من اغتيال رفيق الحريري في 14/2/2005. وما تأكّد لاحقاً من دور حزب الله المباشر في الاغتيال.
  • ظهور كتلتين سياسيتين متعارضتين بشدة، تصدّرهما شكل النزاع السني-الشيعي، رغم انضمام كافّة المكونات الدينية إلى الكتلتين، وهما: تحالف 8 آذار: حزب الله وأمل وحلفاؤهما. وتحالف 14 آذار: تيار المستقبل وحلفاؤه (ثورة الأرز).
  • ثم اضطرار الجيش السوري إلى الانسحاب من لبنان، إبريل 2005.
  • ونتيجة هذا الانسحاب، وفقدان كثير من أدوات الضغط السوري على السلطة اللبنانية، عمد الحزب للمرة الأولى، للمشاركة في التركيبة الوزارية، صيف 2005، عبر وزيرين. تسبّبا (بالإضافة إلى وزراء حركة أمل)، في عرقلة حكومة السنيورة طيلة عام كامل.

ومن النتائج التي يمكن تسجيلها حول هذه المتغيرات:

شكّل الحريري في هذه الفترة، الشخصية الوحيدة القادرة على الوقوف بوجه مشروع حزب الله السياسي، في مرحلة ما بعد الطائف، وخصوصاً بعد تنحية الخصوم المسيحيين الأقوياء عن المشهد اللبناني (عون وجعجع)، وفرض توجّهات الحزب على المنافس الشيعي (أمل). كما أنّ الحريري بات الخصم الرئيس لشخص بشار الأسد، وشكّل له تحدياً في الملف اللبناني، لم يكن قادراً على إدارته (كما حافظ الأسد)، بالإضافة إلى طبيعة العلاقة المتينة بين الحريري وعبد الحليم خدام الذي كان تحت المراقبة في دمشق آنذاك، ومشكوك في نواياه. وتبرز قوة الحريري في معارضة التمديد للحود، الحليف الأبرز للأسد وحزب الله، وفي حاضنه الاجتماعي الواسع في لبنان (بل ولدى شرائح من المجتمع والنخب السورية، وخصوصاً المعارضة المدنية بعد عام 2000).

شكّلت هذه المتغيرات، بالإضافة إلى متغيّر الوضع الدولي (الضغط الدولي على لبنان ونظام الأسد، والاحتلال الأميركي للعراق)، عبئاً لم يكن باستطاعة الطرفين (حزب الله ونظام الأسد)، مواجهته مباشرة. ورغم انسحاب الجيش السوري من لبنان، إلا أنّ توافقاً قام بين نظام الأسد وحزب الله على التعامل مع هذه الضغوط عبر أسلوب الإدارة بالأزمة. من خلال:

إشغال الشارع اللبناني بسلسلة اغتيالات للشخصيات المعارضة لنهج حزب الله.

رفع مستوى خطاب المواجهة مع الآخر، وتكريس خطاب الكراهية وإن كان بشكله السياسي أكثر من المذهبي.

استحضار “الخطر الإسرائيلي” في غالبية خطابات الحزب، لتخويف الشارع اللبناني من جهة، والتهديد بالحرب من جهة أخرى، مع التركيز على دور إسرائيل في اغتيال الحريري، بغية تعبئة الجمهور الشيعي وحلفائه خلف الحزب.

عرقلة أداء حكومة السنيورة (أزمة الوزراء الشيعة).

وحيث لم يستطع حزب الله حل الأزمة، عمد إلى تصعيد منهجه، باستدراج إسرائيل إلى حرب صيف 2006.

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق