iran-isreal-africa

التنافس الإسرائيلي-الإيراني في القرن الإفريقي

شهدت دول القرن الإفريقي كغيرها من دول إفريقيا حالة من التوترات الحادة، والاستقطابات المتباينة، مما أقحمها في شباك تحالفات أيديولوجية، مع هذا المعسكر، أو ذاك، خلال حقبة الحرب الباردة، وأشعل بين شعوبها حروباً قبلية دامية، حرمتها حتى هذه اللحظة نعمة الأمن والاستقرار، وبقيت دوله ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، والدولية، وذلك بالتحالف مع أمراء الحرب المتقاتلين، وإغراقه بكميات كبيرة من الأسلحة.

يكتسب القرن الإفريقي أهميته الاستراتيجية من كون دوله وهي (الصومال، إرتريا وجيبوتي) تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية؛ ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، والمتوجهة إلى أوروبا، والولايات المتحدة؛ كما أنها تعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية، قادمة من أوربا، أو الولايات المتحدة، في اتجاه منطقة الخليج العربي.

ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، كالنفط، والذَّهب، والغاز الطبيعي، وامتلاكه احتياطات كبيرة من المعادن، التي تستخدم في الصناعات الثقيلة والنووية، مثل: الكوبالت واليورانيوم (1).

أضف إلى ذلك قربه من جزيرة العرب بكل خصائصها الثقافية، ومكنوناتها الاقتصادية، علاوة على ما فيه من جزر عديدة، ذات أهمية استراتيجية، من الناحية العسكرية والأمنية، من نحو جزيرتي حنيش، ودهلك.

هذه الأهمية الاستراتيجية للقرن حولته إلى منطقة نفوذ غربي بامتياز، وجعلته مطمح الدول الكبرى بإقامة مشاريعها الاستغلالية كالمشروع الأمريكي المعروف بمشروع القرن الإفريقي الكبير ويضم كل من _ (إثيوبيا – الصومال – إريتريا- جيبوتي)، زائداً دول منطقة البحيرات ( أوغندا – الكونغو – رواندا – بوروندي) (2).

 فهذا المشروع يسعى إلى إعادة تشكيل وترتيب خارطة التوازنات والتحالفات الإقليمية على ضوء المعطيات والتحولات الميدانية التي شهدتها منطقتا الشرق الأوسط، وشرق إفريقيا خلال العقدين الأخيرين، حيث قضايا الصراع ما زالت في معظم دولهما ساخنة ومرشحة للمزيد من التعقيد، بما تموج به من أزمات داخلية وصراعات حدودية وعرقية وطائفية وتدفق مخيف للسلاح، وتزايد حالات الانفصال والأعمال الإرهابية؛ ناهيك عن الصراعات الخفية الناشبة على أطراف ونقاط التماس العربي الإفريقي بين الإسلام والمسيحية بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وما صاحبها من تنامي لدور القوى الإسلامية المتطرفة، وتزايد العمليات الإرهابية للقاعدة، وبروز إيران كلاعب رئيسي في القرن الإفريقي، بالتوازي مع تراجع النفوذ الأوروبي لصالح تعاظم الوجود الأميركي والإسرائيلي.

القرن الإفريقي والاستراتيجية الإسرائيلية:

تتركز أهداف السياسة الإسرائيلية في بناء علاقاتها بدول القرن الإفريقي من خلال عدة عناصر رئيسية تمخضت من طبيعة نشأتها في المنطقة، ومحاولتها تقويض أسس ودعائم الأمن القومي العربي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الحقائق الجيوسياسية والاستراتيجية والاقتصادية المميزة لهذه المنطقة لاستطعنا تحديد أهم الأهداف الأساسية للتغلغل والوجود الإسرائيلي فيها، وهي على النحو التالي:

أهداف سياسية، تتمثل في حاجة إسرائيل إلى كسر حاجز العزلة التي فرضتها عليها الدول العربية، من خلال إقامة شبكة من التحالفات مع دول الجوار غير العربية، لاسيما في منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.

أهداف أمنية، فهذه المنطقة تشكل أهم موقع استراتيجي من الناحية الأمنية منذ ولادة الدولة الإسرائيلية، ونقطة الارتكاز للاتصال الإسرائيلي بوسط وجنوب إفريقيا، فمع ازدياد التنافس الإيراني الإسرائيلي في القارة الإفريقية، وازدياد عدد التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى أن البحر الأحمر يعد أحد الممرات الآمنة التي توفر الإمداد اللوجستي لحزب الله في لبنان، ليكون بديلاً في المستقبل عن الممر السوري، ازداد الهاجس والاهتمام الإسرائيلي بمنطقة القرن الإفريقي، وبالتزامن مع خوفها من الخطر الإيراني يزداد خوفها من انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة في كثير من مناطق إفريقيا، ولا سيما في بؤر التوتر والصراعات الكبرى، وخاصة في ظل حالات ضعف الدولة أو انهيارها كما هو الحال في الصومال.

أهداف اقتصادية وتجارية، فالمنطقة غنيَّة بمواردها وثرواتها الطبيعية، كما أنها تعد سوقاً محتملة للمنتجات الإسرائيلية وتأمين فرص للعمالة الإسرائيلية.

وأمام هذه الأهمية الاستراتيجية للقرن الإفريقي نجد صانع القرار الإسرائيلي شديد الحرص على إيجاد عمق لإسرائيل في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما في ذلك إنشاء قواعد عسكرية في بعض دوله كإريتريا مثلاً، مما يتيح لها كسر دائرة العزلة العربية، ورصد أي نشاط عسكري عربي ضدها، واستخدام التفوق الإسرائيلي لكسر أي حصار عربي مستقبلاً ضدها، وضد سفنها في البحر الأحمر ومدخله الجنوبي؛ وبالتالي ضمان الاتصال والأمن للخطوط البحرية العسكرية والتجارية من المحيط الهندي إلى البحر الأبيض المتوسط، والحيلولة دون أن يكون البحر الأحمر بحراً عربياً خالصاً.

هذا وقد استخدمت إسرائيل العديد من الأساليب لتمرير أجندتها، مستغلة وجود أقليات يهودية في منطقة القرن الإفريقي، بما لها من دور في تغذية الصراعات العرقية والطائفية والحدودية، وتوظيفها لصالح السياسات الإسرائيلية، واستغلال كل الثغرات حتى يبقى قادة الأقليات الحاكمة في المنطقة مرتبطين بسياساتها، كما استغلت علاقاتها مع إثيوبيا وإريتريا على سبيل المثال ضد السودان واليمن، إلى جانب دعمها طموحات الانفصال في الصومال والسودان، ناهيك عن مساعيها الدؤوبة للحيلولة دون وجود حكومات قوية ذات توجه عربي أو إسلامي، والترويج لوجود علاقات وثيقة بين الإسلاميين والقاعدة والقراصنة، وتشكيل ورقة ضغط على السودان ومصر من خلال مساعي تدويل منابع نهر النيل، وضرب القوى الإسلامية واستكمال مخطط نقل يهود الفلاشا من المنطقة وسط رغبة جامحة في السيطرة والتغلغل الكامل في شؤون دول شرق إفريقيا والبحر الأحمر، وتأمين نطاق الأمن الحيوي الجنوبي لإسرائيل حيث المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، واكتساب وسيلة ضغط جديدة على الدول العربية لدفعها نحو التطبيع المجاني والسلام الاقتصادي والانخراط في المواجهة المحتملة مع إيران.

وكما قلنا سابقاً فإن إسرائيل لم تتوانى عن اتباع شتى الأساليب، ومن هذه الأساليب، أسلوب الدبلوماسية أو ما يسمى بالقوة الناعمة، وطرح ما يسمى بـ “النموذج الإسرائيلي ” هذا المفهوم الذي يقدم إسرائيل باعتبارها “نموذجاً” لبناء الدولة والقيم التي تقوم عليها، فالقوة العسكرية وإن حققت تأسيس كيان الدولة، فإن تأمين شرعية الوجود يتطلب أدوات وسياسات أخرى غير الأداة العسكرية؛ ولعل سياسة المساعدات التنموية تعد أحد أبرز أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدبلوماسية الإسرائيلية، ومما يزيد من فاعلية هذه السياسة أن إسرائيل تضفي عليه بعداً ثقافياً وأخلاقياً من خلال التأكيد على أن إسرائيل، وهي دولة محدودة الموارد ترسل ما لديها من خبراء وفنيين بدلاً من الأموال التي تفتقر إليها من أجل مساعدة الدول الإفريقية في مجالات تنموية متعددة، مثل الري والزراعة والصحة العامة وتنمية المجتمعات المحلية وما إلى ذلك .

كما تستخدم إسرائيل أسلوب – مبدأَ شد الأطراف – وهو خلق بؤر للتوتر والصِّراع على أطراف النظام الإقليمي العربي في جواره الإفريقي (مصر، السودان واليمن )، وربما يفسر لنا هذا سر الاهتمام الإسرائيلي منذ البداية بتدعيم أواصر العلاقة مع أثيوبيا؛ فإسرائيل قدمت الدعم المادي والعسكري لإثيوبيا في مواجهة الثورة الإرتيرية لأنها خشيت أن يؤدي استقلال إرتيريا وتحالفها مع العرب إلى إغلاق البحر الأحمر مما يجعله بحيرة عربية خالصة (3). كما دعمت قوى التوتر في كل من الصومال والسودان (بشكل غير مباشر من خلال إريتريا)، فتدعيم علاقاتها بكل من إثيوبيا وكينيا وإريتريا، يأتي في النهاية ضمن منظومة من المصالح الأمنية والعسكرية، لتأمين تواجدها الاستراتيجي في المنطقة، والذي يحمل أهدافاً عسكرية في المقام الأول، كما كانت مهمتها الحصول على الاعتراف الدبلوماسي من جانب الدول الإفريقية، وذلك في إطار سعيها الدؤوب إلى تثبيت وضعها كدولة طبيعية في المجتمع الدولي.

وعليه، فإنَّ الفرصةَ سانحة أمام إسرائيل أكثر من أي وقت مضى؛ لتتمدد في القرن الإفريقي، في ظل الفراغ العربي الموجود فيه، وتمكن إسرائيل من اختراق الأجهزة الأمنية في دول القرن، وتوجيهها لضرب الحركات الإسلامية سواء كانت حركات متطرفة أو حركات دعوية معتدلة كالنظام الحاكم في إثيوبيا وإرتيريا المعروف بعدائه للعرب، فمنطقة القرن الإفريقي أصبحت مسرحاً استراتيجياً حيوياً لإسرائيل في إدارة صراعها وعلاقاتها مع الدول العربية، وإيران أيضاً.

 

القرن الإفريقي والإستراتيجية الإيرانية:

يحتل القرن الإفريقي أهمية خاصة في قائمة اهتمامات السياسة الخارجية الإيرانية، ومما لا شك فيه أن تزايد النشاطات الإيرانية في منطقة القرن الإفريقي تلقي بظلالها وانعكاساتها السلبية على الأمن القومي العربي ككل، شأنه شأن النشاط الإسرائيلي في هذه المنطقة؛ ويكمن وراء هذا الاهتمام الإيراني في المنطقة عدة أهداف:

أهداف سياسية، تتمثل بمحاولة كسر حاجز العزلة الغربية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، وإظهار نفسها كقوة عالمية منافسة يحسب لها حسابها في المنطقة، ومحاولتها السيطرة على الممرات المائية تحسباً لأي انفجار محتمل مع الغرب حول ملفها النووي، ناهيك عن طموحات فتح ممرات بحرية وبرية تسهل الوصول إلى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط عبر تأمين وجود إيراني قريب من هذه المناطق وتوفير أوراق ضغط جديدة للمساومة في الشرق الأوسط.

أهداف دينية، وتتمثل بنشر المذهب الشيعي، ودعم وتحريك الشيعة في المنطقة بهدف خلق قواعد محلية موالية لإيران باعتبارها مرجعية حوزتها الدينية، من أجل الضغط على الحكومات الوطنية والعمل في مواجهة المصالح الغربية في إفريقيا.

أهداف أمنية، حيث تعمل إيران على جعل منطقة شرق إفريقيا إحدى المحطات الاستراتيجية المهمة لها في مواجهتها للقوى الغربية، وخاصة إسرائيل، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام جهادية وقتالية ضد القوى الغربية إذا ما قررت الأخيرة تدمير قدرات إيران النووية.

وعليه يمكن القول إن الاختراق الإيراني للقرن الذي يعتمد على دوافع سياسية وأمنية ودينية، يتخذ عدة أساليب تتشابه إلى حد ما مع الأساليب الإسرائيلية، فمنها ما هو دبلوماسي أو ما يسمى بالقوة الناعمة كما ذكرنا في سابقاً؛ حيث تقوم إيران على تقديم منح وقروض لعدد من هذه الدول، وتصدّر لهم النفط بأسعار زهيدة، وتقوم بتطوير البنية التحتية، وإنشاء المصانع ومعامل تكرير البترول، والمساعدة في القطاعين الزراعي والعسكري، وفي مجال تطوير الطاقة النووية؛ فكان من نتاج هذه السياسة توطيد العلاقات الاقتصادية والتجارية وإقامة خطوط بحرية (كخط ممباسا – بندر عباس) (3).

ويندرج ضمن هذا الأسلوب الغزو الثقافي، حيث تعمل إيران جاهدة على إعطاء صورة نموذجية عن الحكم الإسلامي الديمقراطي فيها، وعن احترامها “لحقوق الإنسان” ودفاعها عن الدول المستضعفة، وسعيها لرفع الظلم عنها بدعم هذه الدول تنموياً وبإعطاء منح للطلاب المسلمين للدراسة في إيران، ودعمها لذلك بوجود صحفي وإعلامي مكثف وعشرات المطبوعات الإيرانية، وإقامة المراكز الثقافية الإيرانية، بالإضافة إلى المؤسسات الخيرية التي لها مشروعات في بعض الدول كمؤسسة إمداد الإمام، والتي تقوم بدور في رعاية أُسر فقيرة وتأسيس مدارس وجمعيات خيرية.

وإلى جانب الأسلوب الدبلوماسي فـ لإيران أياد غير ناعمة كذلك، إذ أنها تتورط في تصدير الأسلحة لمناطق الصراعات الإفريقية، وهناك معلومات تناقلتها وسائل الإعلام مؤخراً تشير إلى أنه: جرى تزويد إرتيريا بمئات من عناصر فيلق القدس وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الذين يشرفون على قواعد صاروخية منتشرة في كل أراضي البلاد وخصوصاً على طول الساحل الإريتري على البحر الأحمر المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن، والقيام بتهريب الأسلحة إلى الحركات المتمردة في اليمن والصومال، وتسهيل نقل عناصر القاعدة من أفغانستان إلى جنوب اليمن، وكذلك تدريب عناصر التمرد الحوثي بمعسكر دنقللو الإريتري، بالإضافة إلى تعزيز وجودها العسكري البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وقُبالة السواحل الصومالية تحت ذريعة محاربة القرصنة إلى جانب وجود قاعدة عسكرية إيرانية في ميناء عصب الإريتري (5).

إذاً، الأجندة الإيرانية في إطارها العام ترمي إلى تعقيد حياة الأميركيين في الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، وإحباط المخطط الغربي لتشديد الحصار البحري عليها في مياه الشرق الأوسط، وإيجاد قاعدة انطلاق نحو شرق إفريقيا حيث تدور حروب مكملة لما يجري في العراق وأفغانستان، وصولاً إلى خلق استراتيجية أمنية إقليمية تضطلع فيها إيران بدور المهيمن الطارد لأي وجود قوي من قبل قوة أخرى، وبالتالي جر أميركا إلى طاولة مفاوضات جديدة.

 

التنافس الإسرائيلي – الإيراني وأثره على الأمن القومي العربي:

لا شك أن وجود إسرائيل وإيران في البحر الأحمر والقرن الأفريقي هو مدعاة للقلق العميق للحكومات في المنطقة؛ فالتنافس الإسرائيلي الإيراني ينعكس سلباً على الوضع الأمني في كل المناطق المحيطة والخليج العربي أيضاً، واستطراداً على البلدان الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على واردات النفط من الشرق الأوسط، وأية حسابات خاطئة من قبل أحد الخصمين قد ينتهي بوضع يهدد السلام والاستقرار في المنطقة كلها.

فإسرائيل، تُعدُّ منطقة القرن الإفريقي مسرحاً استراتيجياً حيوياً في إدراة صراعها وعلاقاتها مع الدول العربية وإيران أيضاً، وتواجدها يهدف إلى استمرار مصادر النزاع، وتطويق مصر من خلال السيطرة على النطاق الجغرافي المحيط بها، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وتأمين واردات الماس، وصادرات السلاح، وضمان مورد دائم للمواد الخام التي تحتاجها الصناعات الإسرائيلية، ودعم علاقاتها بكل من إثيوبيا وكينيا وإريتريا، ضمن منظومة من المصالح الأمنية والعسكرية، لتأمين تواجدها الاستراتيجي في المنطقة.

ومما لا شك فيه أن تزايد النشاطات الإيرانية في منطقة القرن الإفريقي شأنه شأن النشاط الإسرائيلي يهدد الأمن القومي العربي ككل، ويهدد نظم الأمن الوطنية لبعض الدول العربية؛ كالصومال، عبر دعم إيران للجماعات الأصولية المتطرفة فيها، والسودان، عبر دعمها لنظام البشير، واليمن، عبر دعمها للحوثيين، وهذا ما دفع العديد من المراقبين للنشاط الإيراني إلى الجزم بأن البحر الأحمر مرشح في المرحلة المقبلة ليكون حلبة جديدة لمواجهات مسلحة إقليمية دولية على خلفية الحراك الإيراني غير المسبوق لفتح جبهات جديدة في القرن الإفريقي، خصوصاً وأن الاتفاقية الأمنية الإسرائيلية الأميركية المبرمة في – منتصف 2008 – تقوم على منهجية تجزئة الأمن الاستراتيجي لمنطقة البحر الأحمر، وهو ما تتحسب له إيران جيداً، كما تدرك أن هذا ليس سوى مقدمة لحصارها بحرياً في وقت باتت تعاني فيه شبه عزلة عربية وإسلامية ودولية، بدلالة إقدامها في السنوات الأخيرة على تعزيز قواتها البحرية المتواجدة في البحر الأحمر وخليج عدن (6).

وختاماً فإن ما يحدث من تطورات متلاحقة على أطراف النظام الإقليمي العربي في امتداده الإفريقي من تنافس إسرائيلي _ إيراني ينذر بوجود تهديدات خطيرة لمنظومة الأمن القومي العربي، وذلك نتيجة الانفلات الأمني وانتشار التطرف وظاهرة القرصنة، والتي فتحت المنطقة أمام وجود عسكري دولي دائم يحد من حرية حركة الجوار العربي، وأنها ستؤثر يقيناً في أمن البحر الأحمر، وتدفق مياه النيل إلى كل من السودان ومصر؛ فلقد تم انفصال جنوب السودان برعاية دولية وإفريقية وإسرائيلية، وغياب عربي واضح، وتقوم أوغندا وبوروندي بعملية حفظ السلام في الصومال، كما باتت دول إفريقية كبرى مثل إثيوبيا وجنوب إفريقيا والسنغال من أبرز المؤيدين لجمهورية أرض الصومال داخل الاتحاد الإفريقي؛ لذا فإن ما يحدث في منطقة القرن الإفريقي من تفاعلات وتجاذبات سيفضي لا محالة إلى إعادة تشكيله وصياغته من الناحية الجيوستراتيجية، حيث يعكس طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية الجديدة، وإن هذا التغير سيكون معادياً للمد العربي والإسلامي في المنطقة.

نسرين القصاب

كاتبة وباحثة سورية

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

 

المراجع :
1- د حمدي عبد الرحمن، حول الشأن الافريقي وتوقعات المستقبل المجهول: www.alukah.net.

2- عمر صديق، مشروع القرن الإفريقي الكبير وشكلة دارفور:  www.sudaneseonline.combin.

3- حمدي عبد الرحمن، إسرائيل تعزز نفوذها في إفريقيا في ظل غياب عربي: www.shatharat.net.

4- مجموعة باحثين، التحركات الإيرانية في القرن الإفريقي وانعكاساتها على الأمن الإقليمي: www.al-moharer.net.

5- زيد يحيى المحبشي، الأجندة المتصارعة في القرن الإفريقي: www.al-tagheer.com.

6- زيد يحيى المحبشي، المرجع نفسه.

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق