القرن0

التغلغل التركي والقطري في القرن الإفريقي: الجزء الأول

المقدمة: المقوّمات الأساسية لدول القرن الإفريقي

تُعتَبر دول القرن الإفريقي الخمس، ذوات مستوى استقرار منخفضٍ أمنياً واقتصادياً وسياسياً، عدا عمّا بينها من إشكاليات تاريخية وسياسية وحدودية، تُسهِّل جميعها اختراق هذه الدول من قبل القوى الخارجية، وفرض مصالحها ومشاريعها فيها. ويمكن ملاحظة ذلك، من بعض المؤشرات الأساسية سياسياً واقتصادياً.

شكل رقم (1)

جدول بعض المؤشرات السياسية والاقتصادية الخاصة بدول القرن الإفريقي

القرن1

يُلحَظ من الجدول السابق، أنّها تحتل مواقع متأخرة على سلم استقرار الدول – الصومال الأكثر هشاشة-، وهو ما جعلها دولاً غير حرة تشهد أنظمة تسلطية – باستثناء كينيا الحرة جزئياً -، كرّست قيم الفساد في دولها، حيث تقع جميعها في الربع الأدنى عالمياً على مؤشر إدراك الفساد، ما يُسهِّل للسلطة فرض توجهاتها وتحالفاتها الخارجية، دون مراقبة شعبية أو حزبية فعّالة أو من قبل قوى المجتمع المدني، التي هي في أدنى مستوياتها في هذه الدول.

تترافق هذه البنية السياسية، بدخل قومي منخفض للغاية، رغم ما تتمتّع به من ثروات أو مواقع استراتيجية، أدّى إلى مستوى معاشي متدنٍّ للغاية ضمن فئة الدول ذوات الدخل المنخفض، رغم أنّ كلاً منها يضمّ حجم سكان يتناسب مع حجم الدولة ومواردها، حيث تُعتَبر إثيوبيا ثاني دول القارة بعدد السكان، وتاسعها بالمساحة.

وفيما تشهد الصومال حرباً أهلية منذ عام 1990، ما تزال بعض أشكالها مستمرة، فإنّها تشهد كذلك تهديداً أمنياً لتنظيم القاعدة (تنظيم الشباب المؤمن)، وتهديداً آخر ناجم عن جرائم القرصنة في مياهها الإقليمية، وإشكاليات تاريخية حول الحدود مع إثيوبيا (إقليم أوغادين)، إضافة إلى إعلان إقليم أرض الصومال استقلاله من جانب واحد.

كما تشهد علاقات أريتريا توتراً مع دول جوارها، نتيجة الحرب مع إثيوبيا عام 1998، ومع جيبوتي 2008، والاشتباكات المتقطّعة على الحدود فيما بينها حتى تاريخه، أدّت إلى قطيعة بينها وبين هذه الدول، سمحت للأطراف الخارجية بالعمل كوسطاء بينها. عدا عن حصر السلطة بشخص الرئيس منذ عام 1993، ومعه انغلاق البلاد، ما دفع عدّة مصادر غربية إلى تسميتها “كوريا الشمالية الإفريقية”.

كما تشهد إثيوبيا توترات إثنية ناجمة عن احتجاجات جماعة أورمو ذات الغالبية المسلمة (40% من السكان)، ضدّ السلطة المتركّزة في جماعة أمهرة (27% من السكان)، حيث تطالب أورمو بحق تقرير المصير (الاستقلال/الانفصال) على مساحة تقارب 600 ألف كيلو متر مربع. وشهدت الدولة مواجهات عنفية في ديسمبر 2015، وأغسطس 2016، واحتجاجات متفرقة حتى تاريخه، على هذه الخلفية وبحججٍ اقتصادية ومعاشية.

رغم ذلك، تعتبر إثيوبيا الأقوى بين جيرانها، عدا عن أنّها عاصمة منظّمة الاتحاد الإفريقي، وهو ما جعلها الأكثر تلقياً للاستثمارات الأجنبية المباشرة بين دول الإقليم، عام 2016.

شكل رقم (2)

الاستثمار الأجنبي المباشر في دول القرن الإفريقي

القرن2

القسم الأول:

التغلغل التركي في دول القرن الإفريقي

أولاً-مراحل المشروع التركي في إفريقيا:

  • المرحلة الأولى (1998-2005)، وشهدت هذه الفترة:
    • تبنّي تركيا خطة عمل للتغلغل في إفريقيا (الخطة الإفريقية).
    • إرساء العمل الدبلوماسي في إفريقيا.
  • المرحلة الثانية (2005-2011)، وشهدت هذه الفترة مأسسة العلاقات التركية-الإفريقية، من خلال:
    • إعلان تركيا عام 2005، بأنّه عام إفريقيا.
    • حصلت تركيا على منصب مراقب في منظمة الاتحاد الإفريقي (2005).
    • أصبحت حليفاً استراتيجياً (2008).
    • انضمّت إلى البنك الإفريقي للتنمية.
    • توطيد العلاقات مع المنظمات الحكومية الدولية للتنمية في إفريقيا.
    • توطيد العلاقات مع التجمّع الاقتصادي لدول غرب إفريقيا.
    • عقد المؤتمر التركي-الإفريقي الأول (2008).
    • استضافة مؤتمر رجال الدين الأفارقة (2006)
    • زيادة حركة التجارة مع دول القارة.
  • المرحلة الثالثة (2011-حتى تاريخه)، وشهدت هذه الفترة:
    • القيام بأدوار سياسية واقتصادية وإنسانية تدخلية واسعة.
    • توسيع حضورها الدبلوماسي (39 سفارة)، وتوسيع علاقاتها السياسية مع حكومات إفريقية عدّة، من خلال زيارات أردوغان المتكررة.
    • المشاركة في 6 بعثات أممية لحفظ السلام في القارة.

ثانياً-أهداف تركيا من التغلغل في القارة الإفريقية، وأدواتها، ومرتكزاتها:

تتنوّع الأهداف التي تسعى تركيا للحصول عليها داخل القارة الإفريقية، وإن كان يبرز ظاهرها في منافع اقتصادية واسعة، إلى أنّها تتعدّى ذلك، إلى مرحلة التوسّع الإقليمي-الدولي، باستخدام مجموعة أدوات، أهمّها:

  • المساعدات الإنسانية، وخصوصاً من البوابة الصومالية. (البعض أتى إلى إفريقيا من أجل الذهب، لكن تركيا أتت لكي تضمّد الجراح-أردوغان)
  • الأدوات الثقافية: وتتمثّل في نشر اللغة التركية، وفي الدراما التركية المدبلجة إلى اللغات المحلية.
  • الأدوات الدينية، من خلال الاستفادة من ترويج “النموذج الإسلامي التركي السني”، دون الحاجة إلى إحداث تغيير مذهبي في هذه الدول.
  • الأدوات التاريخية، بالاستناد إلى الإرث العثماني في هذه المنطقة، وهو ما يؤكِّد نظرية “العثمانية الجديدة”.
  • الأدوات الاقتصادية: من خلال الاستثمارات وتوسيع التبادل التجاري، وخصوصاً أنّ تركيا تتفوق بعدّة أضعاف في مستوى دخلها القومي على هذه الدول (الشكل رقم 3)، عدا عن أنّ الميزان التجاري دائماً ما يكون لصالحها.
  • الأدوات السياسية والدبلوماسية، من خلال الاتفاقيات الحكومية، والتعاون الدبلوماسي والسياسي، وتوسيع التمثيل الدبلوماسي، وزيارات أردوغان المتواصلة. تطلّعاً إلى أنّ تصبح تركيا محور العلاقات بين القارات الثلاث (دولة أفرو-أوراسية).
  • الأدوات العسكرية والأمنية، وبناء القواعد العسكرية، حيث يميل الميزان العسكري لصالح تركيا بأضعاف هذه الدول، على مستويات: الحجم، العتاد، التقنية، الصناعة (الشكل رقم 4). إضافة إلى الخبرة والموقع المكتسب من عضوية تركيا في حلف الناتو. عدا عن تطلع تركيا إلى أن يكون التدريب الأمني أحد أبرز صادراتها إلى إفريقيا.

شكل رقم (3)

مقارنة بين الدخل القومي التركي والدخل القومي لدول القرن الإفريقي

القرن3

الشكل رقم (4)

مقارنة بين تعداد الجيوش في تركيا ودول القرن الإفريقي

القرن4

ويبدو أنّ تركيا أعدّت مخطّطاً متكاملاً في القرن الإفريقي، يمتاز بما يلي:

  • استمرارية الدعم الإنساني، وعدم الاكتفاء بكونه مدخلاً عام 2011.
  • السرعة في تنفيذ مشاريع المساعدات والاستثمارات، وتنويعها وتوسيعها جغرافيا وقطاعياً.
  • الدعم المباشر لهيئات حكومية، وتنفيذ مشاريع تحتية من قبل شركات تركية وتحت مراقبة الحكومة التركية، للحيلولة دون حدوث فساد فيها.
  • الربط في مشاريعها بين دول المنطقة، والنظر إليها ككيان متكامل.

ويرتكز هذا المخطط على أربعة دول رئيسة في منطقة القرن الإفريقي:

  • الصومال، باعتبارها المدخل الأساسي، ويجري تحويلها إلى المرتكز العسكري والإنساني، من خلال السفارة التركية الضخمة والقاعدة العسكرية.
  • إثيوبيا، باعتبارها القاعدة الاقتصادية والسياسية، لناحية ثقل إثيوبيا السياسي في القارة، ولضخامة الاستثمارات التركية فيها، رغم وجود استثمارات في الدول الأخرى، لكن إثيوبيا تنال الحصة الأكبر منها.
  • جيبوتي، باعتبارها القاعدة التجارية، وبوابة العبور البحري-البري (إلى إثيوبيا)، من خلال مساعي السيطرة على موانئ التصدير فيها، وتعزيز ربطها بسكك الحديد مع إثيوبيا، رغم السيطرة التركية على ميناء مقديشو، إلا أنّ أهمية ميناء جيبوتي تكمن في أنّه أكثر نشاطاً من جهة، وأكثر أمناً حيث يقع تحت حماية عدة قواعد أجنبية دولية كبرى.
  • إضافة إلى المرتكز الاستثماري في كينيا، الذي يشكل إسناداً للمشروع التركي، واستكمالاً له في المنطقة.

غير أنّ عملية الربط بين هذه المرتكزات الأربعة، ما تزال جارية، وتواجه تركيا عوائق سياسية وأمنية، وخصوصاً في حالة الصومال (وجود تنظيم القاعدة جنوباً، والحاجة إلى اتفاق مع حكومة أرض الصومال شمالاً).

شكل رقم (5)

قواعد الارتكاز التركي في القرن الإفريقي

القرن5

ويسعى المشروع التركي، إلى جملة أهداف، أبرزها:

  • الحصول على موقع أكثر تقدّماً في العالم الإسلامي، ضمن محاولة تزعّمه.
  • إحياء الروح الحضارية لتركيا “العثمانية الجديدة”.
  • القيام بدور استراتيجي في القرن الإفريقي، يعزّز مكانتها العسكرية في عموم الشرق الأوسط، ودولياً.
  • الاستفادة الاقتصادية من دول المنطقة، في الوصول إلى هدف خطة 2023، بجعل حجم الدخل القومي التركي الإجمالي 2 تريليون دولار، وخصوصاً مع توقّعات اكتشاف الغاز في مياه المنطقة الإقليمية.
  • منافسة – ومحاولة تقويض- أدوار القوى المنافسة لها في الشرق الأوسط، وأبرزها الإمارات ومصر وإيران.
  • تعزيز أدوارها السياسية الدولية.
  • التعويض عن خسائرها الاستراتيجية أمام إيران في الشرق الأوسط (سوريا والعراق).
  • التعويض عن إخفاقاتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والحصول على ثقل أكبر يؤهلها لإعادة التفاوض مع زعماء الاتحاد الأوروبي (من خلال إثبات مكانتها الدولية).
  • أهداف شخصية تتعلق بأردوغان، لناحية تعزيز مكانته الداخلية والخارجية.

وقد استفادت تركيا من مجموعة متغيرات، في عملية مدّ نفوذها في هذه الدول، أبرزها:

  • تراجع الأدوار الغربية، وارتباط الوعي المجتمعي في غالبية هذه الدول حول القوى الدولية، بفترة الاستعمار، ما سهّل تقبل مشاريع من خارج تلك القوى.
  • توسّع الدور الصيني، وبالتالي رغبة قوى غربية في موازنته عبر الدور التركي.
  • التقارب التركي-السعودي، ما سمح لتركيا بالدخول إلى مناطق نفوذ سعودية.
  • هي دول مسلمة سنية (الصومال، جيبوتي، أريتريا)، أو ذات نسب مسلمين سنة مرتفعة (إثيوبيا، كينيا)، شكّلت مدخلاً دينياً لتركيا وقطر، دون الحاجة إلى عمليات تبشير مذهبي، كما حال إيران.
  • تراجع التغلغل الإسرائيلي في بعضها، نتيجة الحرج الذي وجدته هذه الدول دينياً وقومياً (الصومال وجيبوتي).
  • طرد المشروع الإيراني في بعضها (الصومال وجيبوتي وأريتريا)، سعياً منها للحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج العربي، ونتيجة محاولة إيران فرض التبشير المذهبي ضمن مشاريعها في هذه الدول.
  • تراجع الدور المصري منذ تسعينيات القرن العشرين (منذ محاولة اغتيال الرئيس الأسبق مبارك 1995).
  • الكوارث الطبيعية التي تشهدها غالبية هذه الدول (مجاعات، فيضانات، جفاف)، إضافة إلى الكوارث الإنسانية الناجمة عن الحروب، والتي شكّلت مدخلاً مهمّاً للقوى الخارجية لتقديم مساعدات إنسانية.
  • حاجة حكومات هذه الدول، إلى توسيع علاقاتها الخارجية والحصول على استثمارات جديدة، ترفع المستوى المعاشي لشعوبها، وتوفِّر مزيداً من الشرعية للأنظمة السياسية المحلية.
  • الفاقة وتدني مستوى دخل الفرد، وافتقاد فرص العمل الكريمة، دفع إلى تقبّل جزء من مجتمعات هذه الدول، للأدوار الاقتصادية الدولية الجديدة.
  • كما استفادت تركيا من ديناميكية اقتصادها وسوقها الداخلي الواسعة، وقدارتها الصناعية والتمويلية العالمية، والقوى البشرية الكبيرة والمؤهّلة لديها.
  • ويتمثّل المتغير الأحدث، في نجاح أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب، ما أعطاه حرية عمل أوسع.

ثالثاً-ملامح أساسية في العلاقات التركية-الإفريقية:

  • مجموع المساعدات التركية المقدمة إلى إفريقيا، حتى مطلع عام 2016، بلغ مليار دولار.
  • ترتبط تركيا بأكثر من 20 اتفاقية تعاون مع دول إفريقية (2015).
  • قام أردوغان بـ 39 زيارة إلى إفريقيا خلال (2000-يناير 2017)، وطالب بأن يكون عام 2017، عام التجارة الحرة بين تركيا وإفريقيا.
  • أسّست تركيا مبدأها في التعامل مع إفريقيا على قاعدة “أنت تكسب وأنا أكسب”.
  • عُقِدت قمتا تعاون تركي-إفريقي، ومن المفترض أن تُعقَد القمة الثالثة في إسطنبول 2017.
  • حجم التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا عام 2003 بلغ 5.5 مليار دولار، ووصل إلى 43.4 مليار دولار عام 2014، وإلى 50 مليار دولار عام 2015.
  • هي عاشر دولة عالمياً في التجارة مع إفريقيا.

شكل رقم (6)

التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا (2003-2015)

القرن6

شكل رقم (7)

التبادل التجاري بين تركيا ودول القرن الإفريقي (2015-2016)

القرن7

رابعاً-التغلغل التركي في الصومال:

شكّلت الصومال منطلق المشروع التركي في القرن الإفريقي، وقاعدة العمليات الأساسية، عبر زيارة أردوغان إلى مقديشو (2011)، كأول شخصية رفيعة المستوى من خارج القارة الإفريقية منذ زيارة بوش الأب عام 1992. وقد أتى أردوغان برفقة زوجته ومستشاريه، رغم المخاطر الأمنية المرتفعة، لتأكيد إصرار تركيا على اقتحام الصومال، وتحويلها لاحقاً إلى قاعدة تركية في المنطقة، بالاستناد إلى أدوات المساعدات الإنسانية، والاستثمارات الاقتصادية، والعلاقات السياسية والدبلوماسية، والبعد الديني والتاريخي، وأداة اللغة التركية، إضافة إلى البعد العسكري والاستخباراتي.

وترافق ذلك، مع ضخّ إعلامي تركي كبير، لتهيئة الرأي العام المحلي داخل تركيا، بالتركيز على معاناة الصومال نتيجة الجفاف والحروب عام 2011، وفتح المجال لشركات محدّدة من القطاع الخاص للحصول على صفقات استثمارية في الصومال.

ويأتي اختيار الصومال من بين دول المنطقة، باعتبارها الأضعف أمنياً، وبالتالي الأعلى مخاطرة لمنافسي تركيا الدوليين، من جهة، ولاتساع مساحة العمل الذي يمكن البدء به (مدخل المساعدات الإنسانية)، وأنّها الأقل حضوراً للقواعد العسكرية الأجنبية بين جيرانها، ما يُسهِّل على تركيا أن تكرّس وجودها العسكري فيها، ضمن المشروع المتكامل في المنطقة.

وتتمثّل الأدوات التركية في اختراق الصومال، فيما يلي:

أ-أداة المساعدات الإنسانية، تقع تركيا في صدارة الدول المانحة للصومال، وتتمثّل أبرز المساعدات التركية للصومال في:

  • وعود بمشاريع تنموية جديدة وببناء 10 آلاف وحدة سكنية مخصّصة للفقراء في العاصمة، وإزالة العشوائيات (يناير 2015)، على أن ينتهي العمل بها عام 2018.
  • منح فرص تعليم لطلاب صوماليين في مستويات التعليم المختلفة، داخل تركيا، ارتفعت أعدادهم من 1500 في العام إلى 2000 عام 2016، وبما مجموعه 20 ألف طالب.
  • إنشاء مدارس تعليمية داخل الصومال.
  • إنشاء مراكز طبية داخل الصومال.
  • رصفت بلدية إسطنبول شوارع في مقديشو.
  • بنت المنظمات الإنسانية التركية مخيمات للنازحين، وملاجئ للأيتام، ومراكز توزيع المساعدات الإنسانية، ومشاريع إعادة المياه للمنازل.
  • مشاريع طبية للهلال الأحمر التركي.
  • افتتحت (وكالة التعاون والتنسيق التركية-تيكا)، 4 مدارس واثنتين للأيتام، وتعمل على تجهيز خمسة مدارس أخرى.
  • تعاون تركي-قطري لتقديم مساعدات لمنطقة بلدوين، نتيجة الفيضانات وعمليات العنف فيها، حيث تمّ جمع مبلغ 2.75 مليون دولار كمساعدات لمدة عام لسكان المنطقة (يونيو 2016).
  • تقديم الهلال الأحمر التركي 11 طناً من المساعدات الإنسانية، بقيمة 8 مليون دولار (مايو 2016).
  • حفرت تيكا بالتعاون مع المديرية العامة للمياه في تركيا، 20 بئراً في مقديشو، وبناء خزانات وشبكات وصنابير، لتوفير مياه الشرب لقرابة 400 ألف صومالي (مشروع الوصول لمياه نظيفة في الصومال).
  • وفق السفير التركي في مقديشو، قدّمت بلاده 500 مليون دولار، في مجال الاستثمار والدعم الإنساني في الصومال (سبتمبر 2016). منها 400 مليون دولار أنفقتها الهيئات الحكومية التركية والمستقلّة للدعم الإنساني والبنى التحتية، و100 مليون استثمارات. غير أنّه يُلاحَظ المزج إعلامياً بين الاستثمارات التركية (لأهداف ربحية)، وبين المساعدات الإنسانية المقدّمة للصومال (لأهداف غير ربحية).

ب-الأدوات الاقتصادية، أدّت الأداة الإنسانية التي ابتدأت عام 2011، وبشكل مستمر وبزخم متواصل، إلى تسهيل حصول تركيا على حجم صفقات استثمارية كبيرة في الصومال. ومن أبرز الاتفاقيات التي وقعها الطرفان:

  • توقيع الحكومة التركية عدداً من الاتفاقيات لدعم الصومال في مجالات: النقل البحري والصناعة والدفاع والقطاع الرياضي والشباب (يناير 2015).
  • تنظيم منتدى الأعمال التركي-الصومالي في إسطنبول، وتمّ من خلاله توقيع اتفاقية التعاون التجاري بين الطرفين، تهدف إلى تشجيع التعاون في مجالات أبرزها: الطبيعية، والزراعة، والصحة، والتعليم، وصيد الأسماك (فبراير 2016).
  • توقيع 9 اتفاقيات بين الجانبين، تشمل: المياه المعدنية، الزراعة، الضرائب، المجال الصحي، التعاون العسكري، التعاون المشترك بين وكالتي الأناضول وصونا للأنباء، تمّ توقيعها بحضور الرئيسيين في السفارة التركية في مقديشو (يونيو 2016). ومن الملاحظ أنّ التوقيع تمّ في السفارة التركية وليس في القصر الجمهوري الصومالي أو مقر رئاسة الوزراء، ورغم الحجج الأمنية التي قد تسوقها بعض الأطراف التركية لذلك، إلا أنّه يؤكد طابع الوصاية الذي تحاول تركيا فرضه على البلاد وحكومتها.

وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما، من 6 مليون دولار عام 2010، إلى 72 مليون دولار عام 2015، وتسعى تركيا إلى رفعه إلى 100 مليون دولار.

شكل رقم (8)

التبادل التجاري بين تركيا والصومال (2010-2015)

القرن8

وشملت مجالات الاستثمارات التركية في الصومال، قطاعات واسعة، أبرزها:

  • الاستثمار في مطار مقديشو الدولي: حيث تولت شركة فافوري التركية ترميم وإدارة محطة مطار مقديشو، وإدارة الخدمات والبضائع فيها، والركاب من وإلى المطار، وتسعى لبناء محطة جديدة في المطار. فيما أنشأت تيكا مدرجاً إضافياً فيه، وقام أردوغان بافتتاح الصالة الجديدة في المطار (يناير 2015). ويتمّ تسيير رحلات جوية بين مقديشو وإسطنبول، تربط مقديشو بالعواصم الأوروبية، حتى غدت الخطوط التركية الأكثر نشاطاً دولياً داخل الصومال (رغم أنّها الأعلى تكلفة بين نظرائها).
  • الاستثمار في ميناء مقديشو: حيث تديره شركة البيرق التركية منذ عام 2015، بعد ترميمه عام 2014، وتذهب عائداته بنسبة 55% للحكومة الصومالية و45% للشركة التركية، وبلغت استثمارات الشركة فيه 7 مليون دولار.
  • الاستثمار في قطاع الصحة: حيث تبلغ استثمارات تركيا فيه قرابة 200 مليون دولار لعام 2015، منها 153 مليون دولار تمّ ضخها لترميم وإعادة تأهيل مشفى (ديكفير)، في مقديشو، وتحويله إلى مشفى رجب طيب أردوغان، بسعة 205 سرير، من قبل شركة البيرق التركية، ويتكون طاقهم الطبي من: 90 تركياً، و200 صومالي، وقام أردوغان بافتتاحه أثناء زيارته في يناير 2015. ويتمّ العمل على إنجاز المعهد العالي الصحي، الذي سيدرِّس 600 صالب صومالي، ومن المتوقّع أن يكون جاهزاً في سبتمبر 2017.
  • الاستثمار في قطاع التعليم: تمّت مصادرة 13 مدرسة ومعسكر جامعي، بموافقة الحكومة الصومالية، وتحويل بعضها إلى مدراس تركية خالصة.
  • الاستثمارات في قطاعي الزراعة والغذاء: شملت زراعة 8.9 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، والاستثمار في قطاع صيد الأسماك.
  • الاستثمارات في البنى التحتية والخدمات، ومن أبرزها:
    • إعادة بناء الطرق الرئيسة، بما فيها شارعي المطار والقصر الجمهوري (طريق مقديشو للصداقة)، بطول 23 كم، ويتمّ العمل على إنجاز 10 كم إضافية.
    • التحضير لإعادة بناء أكبر معمل للسكر شمال البلاد.
    • العمل على ترميم سد نهر شبيلي.
    • شركات تركية صغيرة تعمل في مجالات: البناء، النجارة، التجارة.
    • شركات تركية لإزالة القمامة من شوارع مقديشو.
    • الاستثمار العقاري، وبناء المساكن الشعبية.

ويبدو أن رقم 400 مليون دولار، التي تحدّث عنها السفير التركي باعتبارها مساعدات تركية للصومال، هي استثمارات تركية ربحية، أو في غالبيتها، في الفترة 2011-2016.

ج-الأدوات السياسية: استطاعت تركيا من خلال ضخّ المساعدات أولاً، تأمين حصولها على استثمارات واسعة لاحقاً، ما أهّلها لأن تكون داعماً رئيساً لاستقرار  السلطة في الصومال، وأن تبدأ نهجاً جديداً في فرض التوجّهات التركية عليها، ضمن مسار يوحي بنظام وصاية تركي على الصومال. حيث يتشابك المدخلان السابقان مع المدخل السياسي، ومن أبرز ما قدمته تركيا لدعم الحكومة الصومالية:

  • زيارة أردوغان إلى مقديشو ثلاث مرات خلال الأعوام الخمسة الماضية: أغسطس 2011، يناير 2015، يونيو 2016، والتوقيع على عدّة اتفاقيات تعاون مع الحكومة التركية.
  • زيارات دورية لوزراء ومسؤولين أتراك للصومال، أبرزها زيارات وزيري الخارجية والاقتصاد التركيين.
  • تدفع الحكومة التركية 4 ملايين دولار شهرياً للحكومة الصومالية منذ عام 2011.
  • إعادة ترميم مقر رئيس الوزراء.
  • العمل على بناء مبنى جديد للبرلمان الصومالي.
  • دور تركي في إتمام عملية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
  • رعاية المفاوضات مع إقليم أرض الصومال (مستقل من جانب واحد)، بهدف توحيد البلاد، خلال مؤتمر تم عقده في تركيا. ما يسهِّل ربط الصومال بجيبوتي، ويمنح تركيا نقطة تمركز في موانئ أرض الصومال.
  • تنظيم دورات تدريبية للموظفين الحكوميين.

وما يؤكِّد توجهات تركيا لجعل الصومال محطة استراتيجية لمدّ نفوذها، هو بناء أكبر سفارة لها في مقديشو، بمساحة 47 ألف متر مربع، (أنشأتها شركة البيرق التركية)، وهو ما يذكِّر بالسفارة الأمريكية الأضخم في بغداد. حيث من المتوقع أن تتحول السفارة التركية في مقديشو إلى مقر إدارة كافة العمليات التركية في القرن الإفريقي، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، إلى جانب القاعدة العسكرية التركية.

وقد أدى هذا المدخل إلى نتائج لصالح تركيا، من أبرزها:

  • إدانة الرئيس الصومالي ومجلس الوزراء، لمحاولة الانقلاب. كما أرسلت الحكومة وفداً رسمياً إلى السفارة التركية لإعلان التضامن مع أردوغان والحكومة التركية، إضافة إلى مسيرات شعبية مؤيدة في مقديشو (يوليو 2016).
  • وفي إثر ذلك، أصدر مجلس الوزراء الصومالي قراراً في الاجتماع الاستثنائي (16/7/2016)، بوقف كافة الخدمات التي تقدِّمها مؤسسة أكاديمية النيل (مؤسسات غولن)، وإمهال موظفيها أسبوعاً للمغادرة، استجابة لطلب الحكومة التركية. فيما تسلّمت السفارة التركية، إدارة 3 مدارس ومشفى، تابعة لأكاديمية النيل، وضمّ المشفى إلى مشفى أردوغان (يوليو 2016).
  • فيما تسعى تركيا للتمدّد خارج مقديشو إلى إقليم بونت لاند في شمال شرق، ومنطقة جالمودغ في وسط الصومال، وإقليم أرض الصومال شمالاً.

د-الأدوات العسكرية:

وتُعتَبر نتيجة أكثر منها مدخلاً، حيث استطاعت تركيا من خلال المداخل السابقة، الحصول على قاعدة عسكرية –هي الثانية لها خارج أراضيها بعد قاعدتها في قطر-، ومن المتوقّع أن تبدأ عملها في صيف 2017، بعد أن كان من المفترض أن تباشر نشاطها في يناير 2017.

أنشأتها شركة (إسطنبول-مقديشو)، على مساحة 400 ألف متر مربع. وتحت إشراف تيكا، وعمل على إنشائها 100 عامل تركي، و450 عامل صومالي، وبكلفة بلغت 50 مليون دولار، على الطراز السلجوقي. تستطيع القاعدة تدريب 500 شخص في آن واحد، لتنتقل لاحقاً إلى تدريب 3000 عنصر، على أن تقتصر فيها التدريبات على الجنود الصوماليين، لتضمّ لاحقاً صف الضباط والضباط.

تبعد القاعدة عن المطار كيلو متراً واحداً، وعن مشفى أردوغان والميناء 3 كيلو متر، ويمكن الوصول إليها براً وبحراً وجواً، وتقع تحت حماية القوات الجوية التركية، وتضمّ 3 مدارس عسكرية، مخصصة لاستقبال الجنود من دول إفريقية أخرى. وسيعمل فيها 200 جندي تركي، يتم رفعهم لاحقاً إلى 600 جندي، وقد رشّحت الأمم المتحدة 10500 عنصر صومالي للتدريب في هذه القاعدة.

شكل رقم (9)

القاعدة العسكرية التركية في الصومال

القرن9

ومن أهداف القاعدة التركية، الترويج للصناعات العسكرية التركية، وتحويلها إلى قاعدة مبيعات في شرق إفريقيا، كما تسعى من خلالها لتحديد مناطق نفوذها الاستراتيجي المستقبلي، وإخضاع الحكومات لنفوذها ومشاريعها. إضافة إلى تطلّعها إلى القيام بدور عسكري في المنطقة (مكافحة القرصنة، الحرب على الحوثيين، مكافحة الإرهاب، …).

وتعمل تركيا على فرض نفوذها العسكري والأمني في الصومال، من خلال عدّة أدوات أخرى، من أبرزها:

  • تقوية أجهزة الأمن والجيش والشرطة، وتدريب عناصرها داخل تركيا.
  • المساهمة في إعادة تشكيل الجيش الصومالي والأجهزة الأمنية، وتدريب عناصرهما، وتوفير التجهيزات اللازمة لها.
  • وضع حجر الأساس لمصنع الملابس العسكرية بتمويل كامل من الحكومة التركية (يناير 2016).

ه-ملاحظات حول التغلغل التركي في الصومال:

قامت الصومال بطرد البعثات الدبلوماسية والإنسانية الإيرانية يناير 2015، وخصوصاً بعد حصولها على معونة سعودية بقيمة 50 مليون دولار، وزيارة أردوغان وتوقيع اتفاقيات عديدة ومِنَح مساعدات للحكومة الصومالية. وساقت الحكومة الصومالية أسباب طرد إيران، بأنّها رادعة لمحاولة إيران تغيير البنية الثقافية-الدينية الصومالية (التبشير المذهبي)، وهو ما فتح آفاقاً أوسع لتركيا في الصومال، وخصوصاً على المستوى الثقافي: (إخواننا وأخواتنا المسلمون في الصومال-أردوغان).

وإن كانت تركيا ليست بحاجة إلى عمليات تبشير مذهبي، كالتي تقوم بها إيران، لتوفير حاضنة مجتمعية، إلا أنّها عمدت إلى تغيير ثقافي آخر، تفرضه طبيعة السياسة التركية (الوصائية) على الصومال.

إذ يُلحَظ انتشار اللغة التركية على حساب اللغة السواحلية والعربية والإنجليزية، وخصوصاً بين الجيل الشاب، وبلغ عدد من يجيد اللغة التركية عام 2014، قرابة 6000 صومالي، حيث تنتشر بوتيرة أسرع ما انتشرت به الإيطالية إبان فترة الاحتلال. ومما يشجّعهم على ذلك، تأمين تركيا فرص عمل لهم في المؤسسات التعليمية والهيئات الإغاثية والشركات الخاصة التركية، وبإشراف السفارة التركية، للاستعاضة عن مخاطر جلب العمالة التركية.

كما عمدت تركيا إلى رفع وتيرة تعلم اللغة التركية، من خلال افتتاح معاهد خاصة لتعليمها للكبار، إلى جانب المدارس التركية الخالصة. إذ يخسر الموظفون الحكوميون وظائفهم في المؤسسات التي تديرها تركيا، لصالح أولئك الذين يجيدون اللغة التركية.

ومن ذلك أيضاً، تغيير أسماء مدارس وشوارع ومشافي في مقديشو إلى أسماء تركية.

أمّا في الجانب الاقتصادي، ورغم أنّ جزءاً من مشاريع تركيا يحمل طابعاً إنسانياً –وإن في بداية المشروع التركي-، وخصوصاً في مجال التعليم، إلا أنّه يلحظ كذلك، أنّ الرسوم الدراسية في المدارس التركية تبلغ 2500 دولار سنوياً، فيما تخطّط تركيا لافتتاح فروع للجامعات التركية في مقديشو، لتقليل كلفة نقل الطلاب إلى تركيا.

كما أدّى التغلغل الاقتصادي التركي إلى تسريح 5000 من موظفي الميناء، وتوقيف 700 شاحنة، بعد تسلّم شركة تركية إدارة الميناء، ما أثّر في معيشة 40 ألف صومالي. حيث تستولي 4 شركات تركية على أبرز الاستثمارات التركية في المؤسّسات الصومالية، هي: تيكا، البيرق (بلغت استثماراتها 70 مليون دولار)، فافوري، شركة إسطنبول-مقديشو، إلى جانب عدد من الشركات المتوسطة والصغيرة التي تتولى أموراً تقنية وخدمية.

ويسعى أردوغان لتصوير نفسه، المخلّص الأول للصومال من محنته، وتطلعه لتعميم نموذج العلاقات معه. حيث قال في منتدى الصومال السادس للشراكة رفيع المستوى، في إسطنبول (فبراير 2016): “الصومال كان على شفا الانهيار عام 2011، يقف حالياً على قدميه بجهود تركيا، أصبح مثالاً للعلاقات التي ترغب تركيا في بنائها مع الدول الإفريقية … تركيا قدمت خلال 5 سنوات ما قيمته 370 مليون دولار دعم عيني ونقدي، وقدمت منظمات المجتمع المدني مساعدات بقيمة 100 مليون دولار”.

غير أنّ المشروع التركي في الصومال، يبقى محفوفاً بعدة عوائق وتهديدات وتحدّيات، في مقدمتها:

  • تهديد حركة الشباب/القاعدة.
  • دويلات متحاربة، بعضها غير راضٍ عن الوجود التركي.
  • المخاطر الأمنية الناتجة عن عدم الاستقرار السياسي.
  • ضعف النضج السياسي في الصومال.
  • تعدّد المصالح الخارجية المنافسة لتركيا.

خامساً-التغلغل التركي في إثيوبيا:

تعتبر إثيوبيا الدولة المحورية في القرن الإفريقي، وهي الأكبر حجماً في الجغرافيا والموارد والقوة العسكرية والاقتصادية لدول المنطقة، وتعتبر المعادل العسكري لمصر في شرق إفريقيا. لذا سعى المشروع التركي لتحويل إثيوبيا إلى المرتكز الاقتصادي التركي، والشريك العسكري والسياسي في المنطقة، وإن كانت هذه الشراكة غير متكافئة حيث تميل موازين القوى لصالح تركيا، كما القضايا الاقتصادية.

وتتمثل الأدوات التركية في إثيوبيا، في النقاط التالية:

أ-الأدوات السياسية:

تتمتّع الدولتان بعلاقات سياسية جيدة منذ عقود، وشكّل ترسيخ المشروع التركي في الصومال، حافزاً لتوسيعها والانتقال بها خطوة إضافية من خلال افتتاح أردوغان جملة من الاتفاقيات مع إثيوبيا في زيارته لها في يناير 2015، ضمن جولته الإفريقية.

تلتها عدة زيارات لوزراء ومسؤولين أتراك، أبرزها كان زيارة وزير الاقتصاد التركي إلى إثيوبيا في ديسمبر 2016، برفقة وفد يتكون من 100 من رجال الأعمال الأتراك، والتي عزّزت العلاقات باتفاقيات اقتصادية أوسع، وخصوصاً أنها أتت لاحقة بشكل مباشر لزيارات سعودية وقطرية إلى إثيوبيا.

فيما تعزّز هذا الاتجاه مع زيارة الرئيس الإثيوبي إلى تركيا في فبراير 2017، أكّد فيها أنه: “يعتبر تركيا وطناً له، حيث كان سفيراً لبلاده فيها لمدة 8 سنوات”. وأعلن تأييده لأردوغان في مواجهة محاولة الانقلاب، ودعم الحكومة التركية في مواجهة الإرهاب، وتأكيد قطع علاقة حكومته بمدارس تنظيم غولن “الإرهابي”، وإلحاقها بوقف المعارف التركي، ودعا تركيا لإنشاء مناطق صناعية في إثيوبيا، ووصفها بأنها “شريكنا المستقبلي”.

وربّما يشير ذلك إلى ارتباط تركيا بالرئيس الإثيوبي بشكل مسبق (علاقات ومنافع خاصة)، ودور محتمل لها في دعمه للوصول إلى سدّة الحكم، ودعمه في مواجهة الاحتجاجات الإثنية التي تندلع بين فترة وأخرى في بلاده.

وتركِّز تركيا في علاقتها بإثيوبيا على ثلاثة محاور رئيسة:

  • الاستثمارات الاقتصادية.
  • دعم مشروع سد النهضة، باعتبار تركيا دولة منبع، ولها خبرة واسعة في إنشاء السدود واستثمارها، وفي مجالات الطاقة الكهرومائية، وتصدير المياه.
  • التعاون العسكري، في مواجهة مصر، حيث تعتبر أطراف مصرية عديدة أنّ التعاون التركي-الإثيوبي هو في الأساس تعاون موجّه لتقويض دور مصر، والتضييق عليها مائياً، لفرض أجندات تركية وإثيوبية سياسية واقتصادية (على غرار التعاون الإسرائيلي-الإثيوبي).

ب-الأدوات الاقتصادية:

يتمثّل موقع تركيا الاقتصادي في إثيوبيا من خلال حجم استثمارات تجاوز 2.5-3 مليار دولار، من أصل 6 مليار دولار مجموع استثمارات تركيا في عموم إفريقيا جنوب الصحراء، لتكون رابع الشركاء الاقتصاديين لتركيا، مع تطلّع لجعلها الشريك الأول (السفير التركي في إثيوبيا، ديسمبر 2016). أي أن حصة إثيوبيا تبلغ 40-50% من الاستثمارات التركية في إفريقيا جنوب الصحراء.

شكل رقم (10)

الاستثمارات التركية في عموم إفريقيا، وحصة إثيوبيا والصومال منها

القرن10

وقد ارتفع التبادل التجاري بين الطرفين من 27 مليون دولار عام 2001، إلى 439 مليون دولار عام 2016، وتسعى تركيا لرفعه إلى مليار دولار خلال عامين (الرئيس التركي، فبراير 2017).

شكل رقم (11)

التبادل التجاري بين تركيا وإثيوبيا 2001-2016

القرن11

ومن أبرز الاتفاقيات الموقّعة بين الطرفين:

  • اتفاقية تعاون لتوليد الطاقة الكهربائية من سد النهضة، وإيصالها إلى دول الجوار (يناير 2015).
  • توقيع 5 اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي، تشمل الاتفاقيات قطاعي المعادن والهيدروكربونات، وتشمل مذكرات التفاهم: مذكرات تفاهم بين المؤسسات المتوسطة والصغيرة، ومذكرة تفاهم حول التعاون في مجال الطاقة الكهربائية (ديسمبر 2016).
  • انطلاق محادثات لتوقيع اتفاقية التجارة التفضيلية (ديسمبر 2016).
  • بحث اتفاقيات تشمل الطاقة المائية (فبراير 2017).

 

وتتمثل أبرز الاستثمارات التركية في إثيوبيا، في:

  • نفذت شركة (YAPI MERKEZI) التركية خط سكة الحديد من مدينة أواش إلى ولديا شمال شرق إثيوبيا، بكلفة 1.7 مليار دولار (فبراير 2015)، وهو ما يُعزِّز عملية الربط بين إثيوبيا وجيبوتي، ويُسهِّل عملية نقل البضائع التركية من وإلى إثيوبيا، وإلى عموم إفريقيا (الشكل رقم 11).

شكل رقم (12)

خطوط السكك الحديدية في إثيوبيا

القرن12

  • منحت الحكومة الإثيوبية لتركيا، أرضاً لمدة 99 عاماً، لإقامة مجمع ومركز للشركات التركية في إفريقيا (فبراير 2015).
  • تقديم بنك إكزيم التركي قرضاً لإثيوبيا، ويعمل أردوغان على دفع المستثمرين الأتراك لتقديم قروض أخرى لها (فبراير 2017).
  • يوجد أكثر من 100 شركة تركية، يعمل فيها أكثر من 60 ألف إثيوبي.
  • مجالات استثمار تركيا في إثيوبيا: الغزل والنسيج، قطاعات البناء والتشييد، الجلود، تجهيز الأغذية، الأدوية، الكابلات، المزارع.
  • تستورد إثيوبيا من تركيا: الآلات، المعادن، منتجات بلاستيكية، أدوية. وتصدر لها: القهوة، الجلود، النسيج.
  • إضافة إلى رحلات جوية يومية متبادلة للخطوط التركية والإثيوبية.

ج-الأدوات الثقافية والإنسانية:

لم يُشكِّل البعد الإسلامي كثير اهتمام في علاقات تركيا مع إثيوبيا، إلا أنّها وظّفته من خلال ترميم مؤسسة تيكا قبر النجاشي وقبور صحابة والقنصلية العثمانية في شرق البلاد (لتعزيز السياحة وفق السفير التركي)، واستعاضت عن ذلك بالبعد التاريخي، من خلال التركيز على الفترة العثمانية، وشعبية الدراما التركية المدبلجة في إثيوبيا.

كما أنّ المدخل الإنساني يبقى محدوداً، حيث أنّ المساعدات التركية المقدّمة ضئيلة، تشمل مساعدات المتضررين من الجفاف، ضمن مشاورات مع المستثمرين الأتراك لتقديم هذه المساعدات.

ورغم أنّ إثيوبيا تضم عشرات ملايين المسلمين، غالبيتهم من جماعة أورومو، فإنّ تركيا فضّلت دعم السلطة (أقلية أمهرة)، وهو ما دفع متظاهرين في إقليم الأورمو لمهاجمة استثماراتٍ تركيةٍ في إثيوبيا، بسبب مصادرة الدولة لأراضيهم التي أُنشِأت عليها تلك المشاريع، وحطّموا مصنع نسيج تديره شركة “ساينج ديما” التركية (أكتوبر 2016).

د-الأوات العسكرية: تعتمد تركيا على تعزيز المقدرات العسكرية الإثيوبية، وتعزيز الوجود التركي العسكري فيها، وذلك من خلال:

  • توقيع اتفاقية دفاع مشترك (مايو 2013)، وتصديق البرلمان الإثيوبي عليها في (مارس 2015)، وتنصّ على تدعيم التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وتقديم تركيا دعماً فنياً ولوجستياً لزيادة قدرات إثيوبيا العسكرية، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، وتحديث الموجودات العسكرية لإثيوبيا، وإقامة تعاون متبادل بين شركات الصناعات الدفاعية. وجاء في إعلان البيان الختامي لاتفاقية الدفاع المشترك: “تركيا تنقل خبرتها في بناء السدود وتساعد في الدفاع عن السد ضدّ أي تهديد”.
  • صفقة أسلحة من تركيا إلى إثيوبيا بقيمة مليار دولار (2015).
  • المشاركة في تدريب القوات الإثيوبية، وقوات الشرطة والأمن.
  • التعاون المشترك في مكافحة الإرهاب.

سادساً-التغلغل التركي في جيبوتي:

تُشكِّل جيبوتي المحطة الثالثة في المشروع التركي في القرن الإفريقي، وتسعى تركيا لجعلها بوابة تجارية لاستثماراتها في إثيوبيا، حيث أنّها أكثر أمناً من الصومال، وخصوصاً مع وجود قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية ويابانية فيها، فيما تقوم الصين ببناء قاعدة عسكرية، وتعتزم السعودية بناء قاعدة عسكرية أيضاً، إضافة إلى وجود للقوات الألمانية والإسبانية والإيطالية.

وتُشكِّل دولة الإمارات، التحدي الأكبر للتغلغل التركي الاقتصادي في جيبوتي، نتيجة إدارة شركة دبي لميناء جيبوتي الرئيس (الميناء الأهم على الساحل الغربي للبحر الأحمر وباب المندب)، فيما تسعى تركيا للهيمنة على موانئ باب المندب الإفريقية، أو إنشاء موانئ أخرى بديلة.

وتتشكّل المداخل التركية في جيبوتي، من خلال ما يلي:

أ-الأداة الإنسانية:

لا تشكِّل المساعدات الإنسانية التركية المقدّمة إلى جيبوتي، حجماً كبيراً من المنح التركية، حيث ترتكز على المساعدات المقدّمة من منظمات المجتمع المدني التركية، والتي بلغت 2.5 مليون دولار خلال الفترة 2013-2016. وأبرز الجهات التركية المانحة للمساعدات: الهلال الأحمر التركي، ووقف الديانة التركي، وجمعية حسنة، وجمعية صويو، ووقف عزيز محمود خوداي، ومؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية.

وشملت المساعدات التركية: أدوية وملابس ومواد غذائية ومستلزمات دراسية للأيتام. أمّا المساعدات الحكومية، فتبقى محدودة، ومنها منح 6 سيارات إسعاف كاملة المعدات (فبراير 2015)، إضافة إلى منح دراسية.

ب-الأدوات السياسية والثقافية:

قام أردوغان بزيارة جيبوتي مرتين (يناير 2015، أغسطس 2016)، ضمن جولته في المنطقة، تمّ خلالهما توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية، إضافة إلى زيارة وزراء ومسؤولين أتراك. ويُلحَظ في جميع الزيارات الرسمية، الإصرار التركي على البعد التاريخي-الثقافي بين البلدين (الفترة العثمانية)، ومنها تصريح رئيس الوزراء نعمان قورطولمش، (برفقة أردوغان يناير 2015)، أنه: “استُقبِل في تاجورة من قبل أحد أحفاد برهان بك، آخر وال عثماني على جيبوتي، والذي مازال يحتفظ بفرمان تعيين جده والياً من قبل السلطان عبد الحميد الثاني، عام 1881، والميداليات التي حصل عليها جده من الدولة العثمانية”.

ومن أبرز المشاريع الثقافية التركية في جيبوتي: البدء ببناء مسجد ومجمع (عبد الحميد خان الثاني) على الطراز العثماني، على أن يُنجَز في عام 2018، ويُشرِف على بنائه وتمويله وقف الديانة التركي. ويمتدّ على مساحة 10 آلاف دونم، ليتسع لـ 4000 مصلٍ، وصالة مؤتمرات، ومكتبة، ومنشآت للفعاليات الاجتماعية، على أن يكون أكبر مساجد المنطقة ورمزاً لها. إضافة إلى ترميم مؤسسة تيكا لثلاثة مساجد تعود للعهد العثماني.

ج-الأدوات الاقتصادية:

تجاوزت الصادرات التركية إلى جيبوتي خلال السنوات الخمس الأخيرة 100 مليون دولار، وتسعى تركيا إلى أن تبلغ 150 مليون دولار مستقبلاً. فيما تهدف لتحويل جيبوتي إلى مرتكز لصادراتها وواردتها من القارة، وذلك من خلال إنشاء منطقة تجارة حرة فيها.

ووفقاً لسفير جيبوتي في أنقرة، فقد تمّ تخصيص مساحة 5 ملايين متر مربع لتركيا، لإنشاء المنطقة الحرة، قرب الساحل، وصادق عليها رئيس جيبوتي في نوفمبر 2015، وسيتم البدء بإنجازها في عام 2017. وتأمل جيبوتي من خلالها رفع حجم التبادل التجاري مع تركيا من 70 مليون دولار لعام 2015، إلى 200 مليون دولار.

وممّا يؤكد أهداف المشروع التركي، والمرتبط بالاستثمارات التركية في إثيوبيا، تصريح السفير الجيبوتي في إسطنبول، ديسمبر 2016: “قمنا مع شريكتنا الرئيسة في المنطقة، إثيوبيا، خلال الأعوام السبعة الأخيرة بإنشاء عددٍ كافٍ من الموانئ، ومدّ خطوط سكك الحديد، وتعبيد الطرق، واستثمارات أخرى في القطاع المصرفي، وذلك لتشجيع المستثمرين … مع إنشاء منطقة حرة تركية، فإنّه بإمكان تركيا أن تُصدِّر مواداً خام، وصناعات تتعلّق بالمنتجات الزراعية، والأدوات المنزلية الكهربائية، بكل سهولة إلى شرق إفريقيا، عبر المنطقة الحرة، التي ستؤمِّن وصول المنتجات التركية إلى 200 مليون مستهلك … واحتياجات البنية والخدمات اللوجستية لإنشاء المنطقة جاهزة”.

وتتمثل أبرز الاتفاقيات والاستثمارات التركية في جيبوتي، فيما يلي:

  • ارتفع عدد الشركات التركية العاملة في جيبوتي، من شركتين عام 2012، إلى 18 شركة عام 2015، تضم 450 تركياً.
  • توقيع اتفاقية تعاون اقتصادي، لتقديم تسهيلات للشركات التركية في مجال الاستثمار والصناعة (2015).
  • شقّ طريق ساحلي في مدينة تاجورة الجيبوتية، من قبل مؤسسة تيكا.
  • توقيع أردوغان (يناير 2015)، 7 اتفاقيات تعاون في مجالات: الموانئ، الإعلام، الزراعة، الصحة، التعاون العسكري. وسعي تركيا للحصول على إدارة ميناء جيبوتي من شركة دبي للموانئ. وتشمل اتفاقية النقل البحري تقديم معدات حديثة لموانئ جيبوتي وتبادل الخبرات بين الجانبين.
  • اتفاقية تمويل بقيمة 11 مليون يورو لتنفيذ مشروع بناء سد “ويعا”، من قبل مهندسين أتراك. ويهدف المشروع إلى حماية سكان العاصمة من الفيضانات المتكررة، والاستفادة منه في الزراعة والري (يناير 2015).
  • وقّع أردوغان مع الرئيس الجيبوتي، 8 اتفاقيات تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والمياه والبنية التحتية والتربية (أغسطس 2016).
  • اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة بين تركيا وجيبوتي (ديسمبر 2016)، وتوقيع عدّة اتفاقيات اقتصادية.
  • توقيع وزير الاقتصاد التركي في جيبوتي (ديسمبر 2016)، اتفاقاً إطارياً للتجارة الحرة واتفاقاً للشراكة الاقتصادية، واتفاقيات أخرى، يبدأ تنفيذها في فبراير 2017. مع سعي تركيا لتوقيع اتفاقيات تدريب أمني واتفاقيات سياحية.

سابعاً-التغلغل التركي في كينيا

رغم أنّ التغلغل التركي في كينيا أضعف من الدول السابقة، إلا أنه بدأ بإرساء العديد من ملامحه، وأبرزها:

أ-أداة المساعدات، وأبرزها:

  • مساعدات تقدّمها جمعية ريدا للتعليم ومساعدة المحتاجين الدولية التركية، للاجئي مخيم داداب بكينيا، منذ عام 2012، وهم في غالبيتهم لاجئون صوماليون.
  • أجرت جمعية “أطباء حول الأرض” التركية 59 عملية جراحية وكشفت على 249 مريضاً (فبراير 2016).
  • قدمت مؤسسة تيكا، جرارات ومعدات زراعية إلى ستة أقاليم في كينيا، في إطار “دعم التنمية الزراعية”، وهي مناطق لم تحصل على أية مساعدات مسبقاً. وحضر الحفل زوجة أردوغان ووزراء ومسؤولون كينيون، ونواب أتراك (يونيو 2016).
  • تبرّعت مؤسسة تيكا بكراسي متحركة كهربائية لذوي الاحتياجات الخاصة، ضمن حفل في القصر الجمهوري الكيني، حضرته زوجة أردوغان (يونيو 2016).

ب-الأدوات السياسية والأمنية والعسكريةاستفادت تركيا في ذلك من علاقاتها السابقة مع كينيا، ودور كينيا في القبض على عبد الله أوجلان وتسليمه إلى تركيا عام 1999. ومن أبرز تطوّرات العلاقة بينهما:

  • اتفاق لتطوير وتحديث الأمن الكيني (إبريل 2014).
  • زيارة أردوغان إلى كينيا برفقة 135 من رجال الأعمال الأتراك (يونيو 2016).
  • حضور زوجة أردوغان ووزراء ومسؤولين ونواب أتراك، في حفلات توزيع المساعدات، لإبراز الاهتمام التركي الرسمي، ولإعطاء قيمة سياسية لتلك المساعدات.
  • التعاون مع كينيا في الصومال.
  • تأييد كينيا في مواجهة الإرهاب.
  • فيما رفضت كينيا إغلاق المؤسسات الأكاديمية التابعة لغولن في كينيا (لايت أكاديميز).

ج-المدخل الاقتصادي، وأبرز ملامحه:

  • ارتفع حجم التجارة بين الطرفين من 75 مليون دولار عام 2011، إلى 144 مليون دولار عام 2016.
  • تمّ توقيع 3 اتفاقيات، تشمل: منع الازدواج الضريبي، والتجارة الحرة. إضافة إلى اتفاقيات تشمل: أنظمة السكك الحديدية، والتعليم، والصحة، والطاقة، والتنمية الريفية، والدورات المهنية، والمساعدة في الكوارث، والزراعة (يونيو 2016).

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق