الاستعصاء

الامبريالية الإيرانية وصناعة الأقليات

(مرفق رابط تحميل الملف بصيغة PDF في نهاية هذه المادة)

تتّسم السياسة الإيرانية تجاه ملفات الأقليات بازدواجية المعايير والمصالح، إذ تشهد الشعوب المحتلَّة داخل جغرافية إيران السياسية سلوكاً إقصائياً، وتغيب عن أقاليمها كلّ مقومات التنمية والعيش الكريم، بل وتشهد نهباً مستمراً لثوراتها لصالح المركز الفارسي، عدا عن حجم الاعتقالات والانتهاكات الإنسانية التي تطال أبناء هذه الشعوب، لمجرد سعيها للحفاظ على هويتها في مواجهة الطغيان الفارسي.

في المقابل، فإنّ السلوك الخارجي الإيراني تجاه أقليات العالم العربي يختلف عن سابقه تماماً، حيث تشهد عدة أقليات دعماً إيرانياً مكثفاً، يتجاوز الأطر الثقافية والاقتصادية والعقائدية، وطبعاً تحت ذرائع إنسانية وقانونية، إلى دعم سياسي وعسكري، تروم من خلاله إلى أحد هدفين:

  • يتمثّل الهدف الأول في تمكين الأقليات المدعومة من الهيمنة على الدولة، وتحويلها إلى مرتكز للمشروع الامبريالي الإيراني.
  • وفي حال عدم تمكنها من ذلك، تتحوّل إلى دفع تلك الأقليات لخلق مجال جغرافي خالص بها، من خلال عمليات التطهير العرقي/المذهبي عسكرياً، واصطناع ادِّعاءات تاريخية غير قائمة، ومن ثم مواجهة الدولة والمجتمع، عبر انفصال الأقلية في إقليم خاص بها، يعزِّز حضور إيران، ويفتِّت الدول العربية واحدة تلو الأخرى.

وتستند إيران في ذلك إلى جميع الأدوات المتاحة لها، بدءً من أدوات القوة الناعمة، وتوظيف للتاريخ وفق قراءات مجتزأة، وصولاً إلى إعادة تشكيل الحاضن الاجتماعي من خلال إعادة مذهبته شيعياً. عدا عن الدعم السخي الذي تقدمه لنخب عربية تستر بغطاء قومي عربي (بعثية وناصرية) أو بغطاء إسلامي (طرق ومذاهب إسلامية)، أو حتى بغطاء ثقافي أكاديمي، وظيفتها الترويج للمشروع الإيراني في الأوساط المثقفة ولدى العامة، ومهاجمة الدول العربية المناهضة للمشروع الإيراني.

 لتنتقل إيران في مشروعها إلى مراحل متقدمة، عبر توظيف أدوات قوتها الصلبة، والتي بلغت أقصاها في سورية، عبر إسناد نظام الأسد بالسلاح والميليشيات، بل الإشراف والمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية الموجهة ضد المجتمع السوري، بعد أن رسّخت ذاتها عبر الأدوات السابقة.

 

طبيعة المشروع الإمبريالي الإيراني:

يشكل التاريخ المجتزأ مادة مهمة لبناء الفكر التوسعي الفارسي، على اختلاف أشكال الأنظمة السياسية التي توالت على فارس، إذ ادَّعت كافة تلك الأشكال أحقيّة إيران (فارس) التاريخية في “استعادة” بناء امبراطوري كان لها أن تقيمه في مراحل من التاريخ القديم، وفق ادعاءات هذا التاريخ. متصادمة بشكل مستمر مع البيئة العربية التي وجدت فيها منافساً وخصماً تاريخياً وعقائدياً رئيساً، بل وخصماً رخواً سياسياً في بعض الدول المستهدفة، قابلاً للتفتيت والاختراق، خاصة في العقود الأخيرة، التي توافقت مع قيام النظام الإسلاموي-القومي في إيران، لتبدأ حالة التمدّد الفعلي من خلال أولى حروبها المعاصرة تجاه البيئة العربية (حرب الخليج الأولى 1980-1988)، بعد أن رسَّخت بناء كيانها الحديث (إيران)، وليتعزّز هذا المشروع منذ الاحتلال الأمريكي للعراق (2003).

ويمكن تقسيم أشكال التمدّد الإمبريالي الإيراني في البيئة العربية، وفق بؤر متوالية، تتغير طبيعتها القائمة وفقاً للمتغيرات الإقليمية والدولية، إلا أنها تبقى ثابتة في الفكر المؤسِّس للمشروع الإيراني:

  • بؤر الارتكاز الاستراتيجية: وتشكِّل هذه البؤر عماد المشروع الإمبريالي الفارسي، وقاعدة التأصيل له عربياً، ومنطلق العمليات التوسعية اللاحقة، وتشمل كلاً من العراق ولبنان وسورية. وقد استطاعت إيران فرض هيمنة عسكرية مباشرة عليها، وتحديد أطر العلاقات السياسية داخلها وفق إملاءات الحرس الثوري.
  • بؤر تمدّد استراتيجي: وتشكِّل هذه البؤر أهمية كبرى، لناحية استقرار المشروع الإمبريالي، وحمايته، عبر تغليفه للبؤر الأولى بمناطق عزل ثقافي-مذهبي، تتحوَّل لاحقاً إلى عازل سياسي-عسكري تجاه المحيط الخارجي، يمنع تسرب مقاومة عربية إلى داخل الكيان الإمبريالي، وتشمل اليمن ومصر والسودان، وهي ما تزال في طور المحاولة، حيث تتفاوت قدرات إيران في هذه الدول، من محاولات ولوج ما زالت تخفق في مصر، إلى إخفاق تام في السودان بعد طرد مقومات مشروعها منه، إلى اختراق ميليشياوي في اليمن قاد إلى الانقلاب الحوثي على الدولة.
  • بؤر التوسع الفائض: وتشكِّل مناطق هذه المجموعة فائضاً استراتيجياً في المشروع الفارسي، تستكمل به الهيمنة على العالم العربي ككل، جاعلة منها خط دفاع أول، وربما قابلٍ للمساومة في مواجهة المشاريع المنافسة له. وتشمل دول المغرب العربي، حيث تعتبر تونس بوابتها، بالإضافة بالطبع إلى المغرب وموريتانيا، وتشكل هذه البؤر داعماً إسنادياً لوجستياً للبؤر السابقة، عبر توظيف معطياتها في ترسيخ المشروع الإيراني (تشييع واستقطاب نخب).
  • الهدف الاستراتيجي الأعلى: ويشمل دول الخليج العربي كافة، بحثاً عن السيطرة المباشرة على الحرمين الشريفين، وفق ادعاءات دينية-قومية، عبر إحاطة هذه الدول ببؤر ارتكاز وتمدّد وتوسع، واختراقها من داخلها عبر تغذية صراع الهويات المذهبية، وتعتبر البحرين البوابة الرئيسة لهذا الهدف، إضافة إلى محاولات اختراق عديدة للكويت وقطر وعمان.

صناعة الأقليات:

أي إنّ المشروع الفارسي، مشروع بعيد المدى، يستهدف كافّة المحيط العربي، مستفيداً من أية اضطرابات تقع في هذه البيئات، دافعاً إلى توظيفها بأقصى حدودها من خلال جملة آليات اختراق، لعلّ من أهمها:

  • الربط بين إيران والدولة المستهدفة باتفاقيات التعاون (الاختراق الدبلوماسي).
  • الإسناد التاريخي وإعادة كتابة تاريخ مصطنع للحضور الفارسي فيها (الاختراق الثقافي).
  • إنشاء مشاريع استثمارية ذات أبعاد استخبارية (الاختراق الاقتصادي).
  • إعادة بناء المجتمع مذهبياً، عبر تغيير هويات البنى الديموغرافية (الاختراق البشري الهوياتي الديني/ التشييع).
  • الاستحصال القانوني على وضع مميّز للأقلية المصطَنعة (الاختراق القانوني).
  • العمل على استحداث أزمات داخلية أو تغذية أزمات قائمة (الاختراق السياسي).
  • إسناد النظام السياسي أو المجموعات البشرية التي تمّت مذهبتها/ تشييعها في مواجهة الطرف الآخر عبر أدوات القوة الصلبة (الاختراق العسكري).

حيث عملت إيران ضمن المجال المشرقي على تغذية النزعات الأقلوية، خاصة لدى الشيعة والعلوية والأكراد في مواجهة الدولة العربية، عبر دعمها تحت غطاء ديني-قانوني. لكنها اصطدمت بمجتمعات عربية لا تضمّ أقليات شيعية، لذا عمدت إلى أحد خيارين:

  • إمّا خلق أقليات في المجتمع (التشييع).
  • أو تبنّي قضية الأقليات العرقية (الأمازيغ في تونس مثالاً). وننوّه هنا إلى ذات المسلك الإسرائيلي تجاه استقطاب الأقليات في العالم العربي (الأكراد في العراق، والأمازيغ في المغرب).

وتنهج عمليات التشييع منهجين متوازيين ومتكاملين، أي أنّهما يتِمَّان في ذات الوقت، ولكن بشكل منفصل ظاهرياً، ومتكامل في حقيقة المشروع:

  • تشييع بؤر منفصلة داخل مراكز الدولة، تتميز بنخبويتها السياسية والثقافية، تعمل على اجتذاب الأطراف، ويكون الاعتماد الرئيس عليها في محاولة السيطرة على الدولة لاحقاً.
  • تشييع بؤر جغرافية أشبه بالكانتونات، تكون متطرِّفة عن المركز، تشكِّل فيما بعد شريطاً جغرافياً-ديموغرافياً متكاملاً، يمكن فصله في حال إخفاق خطة السيطرة على الدولة.

ليست عملية خلق أقليات مذهبية في العالم العربية من قبل إيران، سياسة مستحدثة، بل يمكن العودة إلى التاريخ الصفوي والشاهنشاهي، ودراسة العديد من الأقليات الدينية التي ظهرت فجأة في العالم الإسلامي عامة، وفي منطقة بلاد الشام والعراق بشكل أكثر وضوحاً، وأرست قواعدها الفكريّة بالبناء على الفكر الفارسيّ بمرجعيّته المجوسيّة، قبل أسلمتها، وتحويلها إلى أداةٍ تدخليّةٍ على امتداد التاريخ.

المثال الحوثي في المشروع الإيراني:

يشكِّل الحوثيون في اليمن إضافة إلى العلويين في سورية، أكثر النماذج وضوحاً بعد شيعة العراق ولبنان، في مسار المشروع الإمبريالي الإيراني. حيث ينقسم اليمن طائفياً إلى مذهبين أساسيين: زيدي وشافعي، يمثِّل الأول نسبة 35% من السكان، وينحصر في المناطق الجبلية في الشمال والغرب، بينما يمثِّل الثاني النسبة الغالبة من السكان. وتختصر هذه النسبة من الزيدية/الشيعية في اليمن على المشروع الإيراني عمليات خلق أقلية تُستَخدم في الهيمنة على اليمن، والتي صنفناها من ضمن بؤر التمدّد الاستراتيجي. كما أنّ تمركز هذه الأقلية في محافظتي صعدة وعمران يساعد –وفق التصوّرات الحوثيّة في عزل الإقليم ومن ثم فصله في حال أخفق مشروع الهيمنة على الدولة، وهو بالإضافة إلى كلّ ما تقدّم يشكِّل تماسّاً مباشراً مع السعودية –الهدف الاستراتيجي في الفكر الإيراني-.

وقد اشتغلت إيران على تقوية الطائفة الجارودية، التي ينتمي إليها الحوثي، وهي أقرب الفرق الزيديّة للمذهب الاثني عشريّ الإيراني، والتي تقول بحصر (الولاية/الإمامة) في (البطنين: الحسن والحسين)، وهي إحدى الاختلافات الكبرى مع الطوائف الزيدية الأخرى في اليمن، وذلك منذ أوائل ثمانينات القرن العشرين، بالإعلان عن قيام “تنظيم الشباب المؤمن” على بقايا تنظيم “اتحاد الشباب”، عقب عودة المؤسس (محمد بدر الدين الحوثي) من دراسته الدينية في إيران، والتي ساهمت في تحضيره سياسياً ومذهبياً لنقل الثورة الإيرانية إلى محيطها العربي.

بل وحوَّلتها إلى تكتّل سياسي مغلق في مواجهة الزيدية والشافعية معاً، ما منح أعضاءها نزعة تضامن عقائدي وقبلي قرابي شديدة. أي أن الاشتغال الإيراني هنا أتى على أقلية ضمن أقلية، بالاستناد إلى التاريخ الإمامي لليمن، المسنود بحضور هاشمي، باحثة عن نقل التجربة الإيرانية وإعمال مبدأ ولاية الفقيه، بالاستناد على “إحياء مظلوميّة آل البيت وحقهم في الولاية الدينيّة والسياسية”، وأنّهم “الأجدر بقيادة الأمة وإنهاضها من كبوتها”. فيما يعتبر الحوثيون أن سعيهم لإعادة التمكين لآل البيت “جهاد ديني في سبيل الله يؤجرون عليه”. وترافق الإعداد الإيراني العقدي والسياسي لهذه المجموعة، بإسنادٍ عسكري لاحق، بعد أن تبلورت كحركة لها حضورها السياسيّ في اليمن. واكتسب خبرة واسعة من خلال حروبها الستة مع الدولة اليمنيّة في الفترة 2004-2009.

وإن كان المشروع الإيراني في اليمن بشكله العسكري والسياسي قد انطلق عام 2004، إلّا أنّه لم يستطع تحقيق تقدُّمٍ يُذكر حتى وقوع ثورة 11 فبراير، وانهيار الضبط السلطوي للدولة، ما أفسح المجال أمامهم لإعادة تفعيل مشروع الهيمنة أولاً. ونلحظ هنا أنّ الحوثيّين فضّلوا الفدرالية القائمة على خيار الإقليمين عن خيار ستة أقاليم، حيث أنّ هذا التفضيل قائمٌ على التفوق التنظيمي العسكري والسياسي للحركة، وبالتالي القدرة على الهيمنة على إقليم الشمال بالكامل، سواءً عبر تحالفات انتخابية جديدة عقب الخلل القائم في التحالفات القبلية التقليدية، أو من خلال عملية هيمنة عسكرية لاحقة على الدولة ككل. لذا رفضوا التوقيع على وثيقة الأقاليم (الستة)، بحجّة أنّها تقسِّم اليمن إلى فقراء وأغنياء، بينما حقيقة رفضهم جاء نتيجة حرمان التقسيم لهم من منفذ بحري؛ حتى لا يكون طريقاً للإمدادات العسكرية الإيرانية إليهم.

ونلاحظ أنّ الانقلاب العسكري الحوثي أتى قبيل الاستفتاء على مسودة الدستور وإقراره، حيث أنّه بالإضافة إلى ما سلف، سيحرمهم من قوّتهم العسكرية من خلال المادة ( 440)، التي تُلزِم الدولة بإخلاء المدن ومناطق التجمعات السكنية من معسكرات الجيش ومخازن الأسلحة. والمادة مادة (441)، التي تطالب الدولة بنزع سلاح الجماعات والميليشيات المسلحة وفق جدول زمني محدّد. وهو ما سيُدخِل الحركة في أزمة مواجهة مع الدولة على غرار نظريه اللبناني “حزب الله”، حول مسألة نزع السلاح. لذا سارع الحوثيون إلى انقلابها العسكري، ومصادرة صناعة القرار السياسي، وإلغاء غالبية القرارات التوافقية المعتمدة عقب ثورة 11 فبراير.

أي أنّ الحسابات الإيرانية/الحوثية قامت على اعتقاد إمكانية الهيمنة مباشرة وسريعاً على اليمن، وفق المعطيات التالية:

  • تفكُّك التحالفات القبلية في اليمن التي يمكن أن تواجهها.
  • ضُعف البنى العسكرية في الجيش اليمن عقب الثورة، وبالتالي انشغاله عنها.
  • وجود القاعدة في الجنوب، وهو ما يُشكِّل أولوية للدول الخارجية.
  • محاولة استقطاب الحراك الجنوبي ودفعه نحو الانفصال، لتعزيز موقف الحوثيين في الشمال.

غير أنّه لم يكن في حسبان إيران والحوثيين، أن تطلق المملكة العربية السعودية تحالفاً عسكرياً عربياً-إسلامياً، بدء منذ عاصفة الحزم، ليقوِّض المسعى الإيراني في الهيمنة على اليمن، ويقوِّض المسعى الحوثي في اقتطاع إقليم شمالي اليمن، ويحفظ للسلطة الشرعية وجودها. فيما ذهبت أفضل التصوّرات الإيرانية، إلى أنّ السعودية لن تكون قادرة على مواجهة الانقلاب الحوثي، كما فعلت في البحرين، وأنها ستترك المجال لاحقاً للقوى اليمنية لإدارة ملفاتها، وعوّلت إيران في ذلك على سياسة ضخّ مزيد من المقاتلين الحوثيين والشيعة العرب والأجانب في المحرقة الإيرانية.

pdf

ويمكن تحميل نسخة من البحث على شكل ملف PDF، بالضغط على الرابط التالي: الامبريالية الإيرانية وصناعة الأقليات – عبد القادر نعناع 

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق