جاسم عبيات

الأحواز في ذكرى احتلالها: مراجعة للمشروع الوطني التحرري

تمر علينا هذه الأيام من شهر نيسان/ابريل ذكرى حدثين بالغي الأهمية في التاريخ السياسي الأحوازي الحديث، يتمثل الأول ذكرى الاحتلال الأليمة لدولة الأحواز العربية 20/4/1925، وإلغاء سيادتها الشرعية، ومصادرة حقوق أهلها. وتتجلى الذكرى الثانية في الانتفاضة النيسانية المجيدة التي اندلعت أحداثها في 15/4/2005 ومازالت مستمرة إلى يومنا هذا.

الانتفاضة النيسانية والتي تزامنت مع الذكرى الثمانين لاحتلال الأحواز، والتي اندلعت شرارتها عقب تسريب وثيقة رسمية وسرية، تشير إلى خطة إيرانية ممنهجة ومحكمة، للتغيير الديمغرافي في الأحواز وتحويل سكانها العرب الأصليين إلى أقلية في أرض الأجداد، من خلال تكثيف الاستيطان وجلب المستوطنيين من المناطق الإيرانية، والذي يتطلب أيضاً التهجير العكسي للعرب إلى عمق بلاد فارس بهدف تفريسهم.

لم يتأخر الأحوازيون، وجاء ردهم صاعقاً ومدوياً، عبر الانتفاضة، وهي شكل من أشكال الاحتجاج الشعبي على الوضع العام المزري الذي يعيشه العربي الأحوازي في وطن خيراته وثرواته التي لا تعد ولا تحصى، وهي هبة من الله إلى هذا الشعب، واحتجاج على انتشار الفقر والبطالة والمخدرات، وعلى إهانة الشعور القومي العربي الذي يعد بمثابة خط أحمر لدى كل أحوازي، فلا يحق لأحد الاقتراب منه والمساس به، وأضف إلى ذلك الاضطهاد والقمع اليومي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الفارسي ضد العرب.

أثبتت هذه الانتفاضة للقاصي والداني، أن سكان الأحواز يشكلون شعباً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ويرتبطون بمصير وتحديات وأهداف وآمال مشتركة، خلافاً لما كانت تسعى له الماكينات الإعلامية للمحتل، لترسيخ أكاذيبه في عقول ونفوس الجميع، على أنهم مجموعة من القبائل والعشائر المهاجرة. كما أثبتت أن هذا الشعب لا يزال متمسكاً بأرضه التي ورثها منذ آلاف السنين من أجداده، وأنه مستعد للتضحية بالغالي والنفيس لاسترجاع كافة حقوقه المشروعة، وأنه لا يساوم على ترابه وعروبته، وطالما عبَّر عن رفضه للأمر الواقع المفروض بقوة النار والحديد، مؤكداً أن هذه الحقوق لن تسقط بتقادم الزمن، وأنه يتحين الفرص المناسبة لانتزاع حقوقه وإعادة شرعيته وسيادته على أرضه المغتصبة، وهو لا يزال يكافح ويناضل حتى طرد آخر جندي من جنود الاحتلال وآخر مستوطن دنس ترابها الطاهر.

إن أهمية الانتفاضة النيسانية لم تتوقف عند هذا فحسب، وإنما باغتت العدو وأربكت حساباته وجعلته يتراجع خطوات إلى الخلف ويعيد حساباته من جديد، بعد أن صوّر لنفسه واهماً أنه قاب قوسين أو أدنى من طمس المعالم العربية وهوية العرب والعروبة في الأحواز وضمها إلى كيانه المصطنع ضماً نهائياً، ذلك الضم الذي جاء تحت ظروف التفاهم الاستعماري الإنجليزي (القوة الأولى وبلا منازع في تلك الحقبة الزمنية) والفارسي (المتواطئ مع جميع الدسائس والخبائث التي تحاك ضد العرب والاطماع الأجنبية). والتقاء مصالحهم في السيطرة ونهب وسرقة الثروات وخيرات هذه الأمة، ومراجعة خططهم وسياساتهم مراجعة شاملة، واتخاذ سياسات جديدة تضمن لهم تحقيق أهدافهم وغاياتهم المشؤومة في الأحواز. وتعتبر الوثيقة التي تسمى بالخطة الأمنية الشاملة التي تم كشفها وتسريبها من قبل النشطاء الأحوازيين، دليلاً واضحاً ومثالاً حياً على أن الاحتلال الفارسي مستمر بسياساته العنصرية الشوفينية بغض النظر عن طبيعة سدة الحكم في طهران، أكانت معممة أم علمانية، وسواء أكانت يمينية أم يسارية.

من هنا تبدء واجباتنا كأبناء شعب، بألا نبقى مكتوفي الايدي، وأسرى تلك المرحلة، وأن نقوم أيضاً بمراجعة علمية عملية شاملة، تُحدّد في ضوئها الأخطاء ومكامن الضعف والخلل الذي استطاع العدو من خلالها القضاء والسيطرة على انتفاضتنا وتحريف مسارها إلى ما أراد، وحال دون توسعها وانتشارها واستمرارها، وعدم تحقيق أهدافها الأساسية. مما يمهد الطريق أمامنا لرسم مشروع ثوري وطني متكامل بقدر الإمكانات المتاحة، نستطيع من خلاله مقارعة المحتل المدجج بالسلاح والإمكانيات المادية بأقل خسائر الممكنة، وسد الثغرات المحتملة لتمزيق الشعب وتقسيمه على أسس مناطقية أو عشائرية ومذهبية، مما قد يحولها إلى حالة الصراع من حرب عادلة ومقدسة ضد المحتل إلى حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، على غرار ما حدث في الربيع العربي وسيما بين السوريين والليبيين واليمنيين.

هذه المهمة تقع مسؤوليتها على جميع النخب والمثقفين والمناضلين والتنظيمات الأحوازية دون استثناء، من خلال تثقيف الشعب الأحوازي بمسؤوليته تجاه الوطن، وتعميق الأهداف وترسيخها في نفوس وعقول كافة المواطنين، لتتحول إلى إيمان نستمد منه قوة الكفاح والنضال، حيث كان هذه الوعي الوطني ولا يزال هو اللبنة الأساسية لنجاح جميع الثورات والانتفاضات التي قام بها أبناء الأحواز منذ الأيام الأولى للاحتلال الإيراني، وحالت دون أن تأخذ هذه الانتفاضات طابعها الجماهيري الواسع، بسبب عكس ما تم ذكره سالفاً.

حيث ظلت حبيسة منطقة بعينها، وتم استغلال قلة الوعي السياسي، ثم صوروا مناضلينا وشهداءنا، على أنهم إرهابيون أو قطاع طرق، كما حدث مع الرمز الوطني الأحوازي حتة، وكذلك استغلال الشعور الديني وتزييف الحقائق على شكل فتاوى تصدر بالظاهر من مراجع دينية ولكنها في الحقيقة من عنصريين وشوفينيين يستغلون المذهب والدين لتحقيق مآربهم القومية على حسابنا، كما قاموا بتشويه صورة الشيخ خزعل على أنه كافر وعميل للاستعمار في الوقت الذي صوروا فيه رضا شاه الغازي وجيشه على أنه الجيش المسلم الفاتح.

أعتقد أنه من الواجب علينا أن نقوم بتشكيل تنظيم سياسي موحد واضح الأهداف، يستطيع أن يستوعب في مؤسساته كافة أفراد الشعب على اختلاف أفكارهم ومشاربهم السياسية لتوحيد النضال.

إن المتعارف عليه للجميع، أن الثورة يجب أن يتم صناعتها بما يتناسب مع طبيعة أبناء شعبنا وظروفنا وجغرافيتنا، آخذين بعين الاعتبار العوامل الأساسية التي تشكل الشخصية الأحوازية، والابتعاد عن النماذج الجاهزة، عربية كانت أو غير عربية.

وعلى هذه الأساس، يجب أن نقوم بتوفير كل ما تحتاجه ثورتنا من عوامل مادية وعوامل معنوية، كأفكار ورسم سياسات واستراتيجيات مرسومة الخطوط ومحددة الأهداف، وأن نترفع بشكل قاطع عن الأنانيات والشخصنة وعن كافة الانتماءات المناطقية والقبلية والمذهبية والحزبية، وسيبقى انتماؤنا الأول والأخير للوطن.

جاسم عبيات

كاتب أحوازي

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق