أيوب سعد

استعصاء السؤال السعودي: الموقف من أمريكا يتحدد بإيران؟

تواصل التطورات الإقليمية الأخيرة مواكبة الاستراتيجية الأمريكية، التي نتجت عن تغيرات طرأت على بنية النظام الدولي وتجلياتها في ميزان القوى عالمياً، في انتقال نسبي لمركز القوة العالمي باتجاه الشرق، وما يثيره من فرضيات تشغل الكثير من باحثي العلاقات الدولية، حول احتمالية انطلاق موجة من النزاعات في محاور شرق وجنوب شرق آسيا، التي تنطوي على قيمة جيواستراتيجيّة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفاءها الآسيويين من جهة والصين من جهة مضادة. مما يُقحم هذه الدول في التفكير الملح برفع مستوى استعداداتها للتعامل مع التهديدات التي قد تنجم عن احتكاك المصالح الدولية في تلك المنطقة.

من هذه الزاوية يمكن فهم انخفاض منسوب الانخراط الامريكي المباشر في تقرير شؤون الشرق الأوسط، والاكتفاء بترقب الأحداث دون الخوض في جهد حقيقي لاحتواء تداعياتها السياسية، وذلك تعبيراً عن استراتيجية أمريكية اتّسمت حسب مراقبين بالغموض والتخبط، وانعكست تذبذباً في المواقف الأمريكية من أزمات سوريا والعراق واليمن.

لكن الإدارة الأمريكية التي تعيش سنتها الأخيرة، باتت تفاخر بإنهاء الأزمة النووية مع إيران، كان من الممكن حسب الزعم الامريكي أن تفضي إلى حرب لا قِبَلَ للولايات المتحدة بتحمل أكلافها الاقتصادية وآثارها السياسية التي “ستنهك” الأمن والسلم الدوليين. وقد جرى التهويل من حجم الإنجاز الامريكي بمنع إيران من حيازة أسلحة نووية، في مسعى متهافت لإظهار الاتفاق النووي في مظاهر تقنية لا تمت بصلة بالحيثيات السياسية، والتي مثلت عامل إعاقة وضغط متبادل طيلة فترة المفاوضات التي انطلقت عام 2013.

وقد رافق إتمام الاتفاق النووي، إشادة أمريكية على مستويات رسمية وغير رسمية (في أهم الصحف ومراكز الدراسات)، بجدية إيران في تنفيذ الاتفاق النووي، وما ترتب عليها من التزام بقرارات الشرعية الدولية. في مقابل إظهار نفاد الصبر الأمريكي المدعّم بالريبة من قدرة السعودية على إحداث تقدم ميداني أو سياسي، على خطوط التماس العسكرية والتفاوضية اليمنية. حيث يتم ذلك في ظل تجاهل تام للاستغلال الإيراني لعناصر الهشاشة المجتمعية في عدد من الدول العربية بما فيها اليمن، لتكريس أجندة التقسيم وفق اعتبارات طائفية.

بالمقابل لم تعد الإدارة الأمريكية تقيم وزناً للقلق الخليجي من تكثيف ايران لمساعيها الرامية إلى توسيع دوائر نفوذها وهيمنتها الإقليمية في سيرورة تحد لأمن الخليج العربي، من خلال إعادة المراهنة التاريخية على نجاح أيدولوجية/سياسة تصدير الثورة، مع التركيز المفرط على العنصر الشيعي، نتيجة تسويق ايران لسياستها الخارجية المرتكزة على ازدواجية “محاربة الارهاب” وحماية الأقليات الشيعية، متوخية كسبَ التعاطف العالمي عبر ادعائها محاربة الإرهاب، الذي يبرر تواجدها العسكري في سوريا والعراق، ما يُسهّل عملية تكوين كانتونات طائفية في الدول الاخرى وتحديداً الخليجية لتخلق امتدادات “قومية” لها.

وفي دلالة بالغة الأهمية على اللامبالاة الأميريكية إزاء علاقات القوة العاجزة عن بلورة نظام إقليمي عابر للطوائف، أرجع الرئيس اوباما في “خطاب الاتحاد”، اضطرابات المنطقة إلى “الصراع السني-الشيعي الذي يمتد لألف سنة”. وفي تعبيره هذا، إسقاطٌ غير مسؤول للسمة الوطنية-القومية الوستفالية لهذه الدول، بحكم استحالة تحققها التاريخي حسب رؤيته، معززاً بذلك هوياتها الطائفية وبالتالي شرعنة التوسع الطائفي لهذه الدول التي تكون معفاة من الالتزام بقواعد القانون الدولي، مثلما بدا الموقف الامريكي في حادثة الاعتداء على البعثات الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد، الذي حرص على إدانة خجولة لا تعكّر صفو الترتيبات السياسية إبان المفاوضات النووية مع إيران.

يبدو أن المملكة العربية السعودية قد تلمست بوادر التملص الأمريكي عن تعهداتها التاريخية بصيانة أمن الخليج، عبر الدخول في خط ترتيبات الحل السياسي السوري، بالدفع لتكوين وفد “الرياض” التفاوضي للمعارضة السورية، لموازنة الدور الايراني في المرحلة الانتقالية السورية، بغية التعويض عن مشاركتها غير المتحققة ميدانياً جراء الفيتو الأمريكي. وتفعيل دورها عراقياً، في صيغة مساندة القوى السياسية العراقية المناوئة أو الممتعضة -التي تتزايد أهميتها مع تفاقم أزمة التحالف الوطني الشيعي وعدم اتفاقه على الوجود الإيراني- من الهيمنة الإيرانية على العراق، وذلك على قاعدة تحالفات إقليمية عابرة للقوميات مع تركيا وباكستان، أشملها التحالف الاسلامي لمحاربة الإرهاب، الذي استثنى إيران من عضويته، للتدليل على النشاطات الإيرانية المسببة في نمو وتعزيز بؤر الاٍرهاب في المنطقة. وذلك في إطار مشروع سياسي وربما عسكري -الذي تجلى في رعد الشمال-، يستهدف إجهاض محاولات إيران التحكم بالشرق الأوسط.

لم تعد تلعب روسيا دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بالتنسيق العسكري والميداني في كل من سويا والعراق، فالتنظيمات الإرهابية التي يتصدرها تنظيم داعش، بالإضافة الى أزمة اللجوء الأوروبي، وتداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية على العلاقة الأورو-أميركية، تُشكل اليوم محور الاهتمام الأمريكي، الذي دفعها إلى توثيق التعاون مع إيران، إلى حد جعلها تتجاهل خروقات القوات الإيرانية لاتفاق “وقف الأعمال القتالية” في سورية منذ شباط/فبراير الماضي، الذي انهار إبان الحملة العسكرية على حلب الرامية إلى السيطرة على الشمال السوري، واستعيض بدلاً عنها بهدن مؤقتة وجزئية.

لقد تخلت إدارة الرئيس اوباما عن الشروط التي يفرضها “كتاب قواعد واشنطن” على رؤساء أمريكا، الذي يحدد سلوكاً محدداً للتعامل مع التحديات التي تهدد حلفاء الولايات المتحدة في صيغة ردود عسكرية. فقد علّق اوباما في لقاءه مع مجلة أتلانتيك في رده على أسباب عدم التدخل الأمريكي في حسم الأزمة السورية، قائلاً: “يمكن أن يكون فخاً يؤدي إلى قرارات سيئة”. هي عبارة تنبؤ بتراجع فرص استمرار معادلة “الأمن مقابل النفط”، التي حكمت العلاقة الأمريكية-السعودية.

أمرٌ حدى بالسعودية إلى بلورة قواعد لعبة جديدة، تستجيب للمخاطر التي ممكن أن تنتج عن التقارب الإيراني-الأمريكي، عبر إخراج سياستها الخارجية من المنظور الأحادي لعلاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية، إلى تبني مقاربة قائمة على مبدأ التوازن والفصل بين الملفات في سياستها الخارجية. حيث يمكن ملاحظة ذلك في تطوير آفاق جديدة للتعاون مع الصين وروسيا في مجالات الطاقة والاستثمار وتنويع مصادر التسليح. وأما إقليمياً فقد نجحت في التوفيق بين تحالفها مع مصر التي فرضتها مقتضيات الأمن الخليجي، بربطه جدلياً بعمقه العربي، في سياق إعادة بناء النظام الإقليمي العربي. هذا من جهة، وبين العلاقة مع تركيا التي أوجدها تعقد الأزمتين السورية والعراقية، والانعكاسات المباشرة على مصالح وأمن البلدين، من جهة ثانية.

أيوب سعيد

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق