د. عبد القادر نعناع

اتفاق جنيف النووي وأثره على أمن الخليج العربي

استطاعت القوى الكبرى (5+1) من إنجاز اتفاق دولي مع إيران في مطلع هذا الأسبوع، يحيد قدرات إيران النووية مؤقتاً ويخرجها من مسارها العسكري، بعد جهد استمر لسنوات طويلة عبر جملة واسعة من العقوبات التي تدرجت حتى طالت كافة مفاصل الاقتصاد الإيراني، وأحدثت فيه اختلالات بنيوية يصعب علاجها على المدى القصير.

وأتى هذا الاتفاق المؤقت ليضع البرنامج النووي الإيراني ككل تحت المراقبة اليومية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويضبط نسبة التخصيب دون 5%، ويمنع العمل في كثير من المنشآت النووية المختصة بالماء الثقيل والبلوتونيوم التي تؤهل لصنع السلاح النووي. مقابل تخفيف مؤقت وجزئي للعقوبات المفروضة على إيران، في فترة اختبار جدية القيادة الإيرانية في الالتزام بهذا الاتفاق.

إن إنشاء قوة نووية إيرانية، هو في الأساس خطر موجهة على جبهتين، الأولى هي دول الخليج العربي، والثانية دول المشرق العربي، وتجريد إيران من قدرتها في التحول إلى قوة نووية، هو تجريد لها من إمكانية التهديد بالعدوان على هاتين الجبهتين. فإيران غير النووية، هي مجرد قوة عسكرية تقليدية منهكة من الحصار، ذات مشروع سياسي لا يلقى قاعدة اجتماعية واسعة في البيئة العربية ومرفوض من غالبية التكوينات المجتمعية العربية، مع اقتصاد متهالك لا يؤهلها للعب أدوار ضبطية في سلوك القوى التابعة لها في البيئة العربية، إلا فيما يتبقى من هامش المناورة التكتيكية.

وإن كان النظام الإيراني وحلفاؤه في المنطقة (في العراق وسورية، الميليشيات)، قد صوروا الاتفاق بأنه نصر سياسي للنظام الإيراني، فهلا لا يتعدى مفهوم النصر عبر استمرارية النظام في الحكم، على نمط ما حصل مع النظام السوري حين وافق على تسليم سلاحه الكيماوي مقابل استمراره لأشهر أخرى في السلطة واتقاء ضربة عسكرية كانت وشيكة.

فالمكاسب التي تتحصل عليها إيران من هذا الاتفاق، ليست مكاسب تخولها للتحول إلى قوة نووية متسلطة على محيطها، بقدر ما يقوم بإعادة تأهيلها للانخراط في المجتمع الدولي من جديد، وفق شروط هذا المجتمع، بل هي مكاسب معاشية اقتصادية، تحتاج لسنوات قبل أن تصلح الأضرار اللاحقة بالبنى الاقتصادية والمجتمعية في إيران.

حتى أن المنافع الاقتصادية التي قد تعود على إيران خلال الفترة المقبلة، ستذهب في جلها إلى ترميم أو إعادة هيكلة الاقتصاد، ضمن آلية إعادة ترتيب الوضع الداخلي المتأزم، فيما ستكون محاولة تصدير تلك المنافع إلى الحلفاء الإقليمين أو نحو تكريس المشروع التوسعي، ذات أضرار استراتيجية أكبر من منافعها.

وإن كان الاتفاق المعقود في جنيف، ما يزال في صيغته المؤقتة، إلا أنه أتى كأحد حلين للملف النووي الإيراني، ففيما كانت بعض القوى الدولية في فترات سابقة تسعى لعمل عسكري موجه ضد إيران، قد يشعل المنطقة بأسرها في حرب تتنوع أطرافها؛ أتى هذا الاتفاق المؤقت كحل سلمي يحمي دول الخليج العربي من الآثار الكارثية لأية حرب محتملة كادت.

وإن تباينت ردود فعل دول الخليج العربي قبيل الإعلان عن هذا الاتفاق، إلاّ أن إدراكها لأهمية الحل السلمي للملف النووي الإيراني من جهة، ولحق الدول في الحصول الآمن على الطاقة السلمية النووية من جهة أخرى، فإنها رحبت بالاتفاق على شرط أن يكون جدياً وقابلاً للتنفيذ الفوري، والمتابعة المباشرة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي.

من ذلك أتى موقف دولة الإمارات العربية المتحدة، كأولى الدول الخليجية التي رحبت باتفاق جنيف، وخاصة أن دولة الإمارات تسعى لحل كافة قضايا المنطقة بذات النهج، تعزيزاً للسلام في المنطقة من جهة، وحفاظاً على المكتسبات التنموية والاقتصادية لدول الخليج العربي، وعدم هدرها في مواجهات عسكرية قد تودي بكل أطرافها.

إلا أن ذلك لا يعني عدم إعادة النظر في الترتيبات البينية الخليجية أولاً والعربية عامة، على مستوى القوة العسكرية والنشاط السياسي التحالفي، وخاصة أن الولايات المتحدة لم تسعَ من خلال هذا الاتفاق إلا لتكريس مصالحها وحماية إسرائيل بالدرجة الأولى، وإن تقاطعت مصالحها مع مصالح دول الخليج العربي.

ما يعني ضرورة البحث في سبيل تكوين قوة نووية خليجية-عربية، خاصة في حال تنصل إيران من الالتزام ببنود اتفاق جنيف، وإعادة تقييم التحالفات العربية-الدولية بما يصب في مصلحة الدول العربية كأولوية عليا.

فالاتفاق المؤقت لم يراعِ على سبيل المثال مسألة الجزر الإماراتية المحتلة، أو المشاركة العسكرية الإيرانية إلى جانب نظام بشار الأسد في جرائمه ضد الشعب السوري، أو الهيمنة الإيرانية على العراق، وإن كان لهذا الاتفاق منعكسات سياسية وعملياتية على كافة الملفات الإقليمية في الأشهر القادمة. أي إنه لم يكن اتفاقاً لتسوية شاملة لكافة القضايا الإقليمية بين العرب وإيران، إنما اتفاقاً محدوداً بطبيعة البرنامج النووي الإيراني فحسب.

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق