عبدالله جمعة

إيران: لامصداقية الشعور بالقوة

في تصريح لافت أمام العديد من رجال الإعلام، وعلى الهواء مباشرة، وبنقل من محطات التلفزة الإيرانية يوم السبت 29 أغسطس 2015 قال الرئيس حسن روحاني الذي يصف نفسه ويصفه الساسة الغربيون بأنه معتدل، بأن قدرات بلاده العسكرية والقتالية لم تتأثر بمقتضى بنود الاتفاق النووي الذي عقدته مع دول ال 5+1، وبأنها لن تقبل بفرض أية قيود على قدراتها العسكرية، فما الذي يريد أن يخبرنا به الرئيس المعتدل؟ وما هي الإشارات والرسائل المحددة التي يريد أن يوصلها إلى العالم، خاصة جيران إيران، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي؟ وهل يريد أن يقول بأن إيران قوية وقادرة وذراعها طويلة بأن تطال من حولها بيسر وسهولة؟ ولماذا يخرج مثل هذا التصريح من الرئيس ذاته وليس من مسؤولين آخرين في الأجهزة والمؤسسات العسكرية والأمنية الأخرى كالجيش أو الحرس الثوري أو الباسيج؟

بالتأكيد طرحنا لهذه الأسئلة ليس بغرض الإجابة عنها بشكل مفصل في هذه العجالة، لكن للإشارة إلى أن أوهام القوة والقدرة العسكرية لدى الإيرانيين ليس لها حدود سواء أكانوا متشددين أو معتدلين، وبأنه بالنسبة لإيران وعلاقاتها بدول المجلس من الأفضل لها والأجدى أن لا توجه إليهم رسائل وإشارات بشأن قدراتها العسكرية فهم يعلمون نطاق تلك القوة ونوعيتها وقدراتها القتالية. منطق دول المجلس العقلاني بهذا الشأن يقول بأن كلا الطرفين سيصبحان على علاقات أفضل إذا أصبحت إيران أكثر واقعية بشأن قوتها وقدراتها على إيذائهم ومواجهة المجتمع الدولي، ففي هذه المرحلة لا تبدو إيران في وضع القادر على التأثير وممارسة النفوذ واستخدام القوة العسكرية ضدهم متى شاءت أو كيفما رغبت.

إيران في هذه المرحلة غارقة حتى النخاع في اعتقادها بأنها أقوى الجميع من كافة النواحي، وتستطيع التدخل في شؤون دول المجلس كما تشاء مثلما يحدث حالياً في البحرين أو بالنسبة لاحتلال جزر الإمارات الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى والتأثير القوي عليهم سياسياً واقتصادياً، في حين أن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً، فهي ضعيفة بمقاييس القوة الشاملة الحقيقية، بحيث أن هذا الاعتقاد الخاطئ يؤثر على مصالحها القومية تأثيراً مدمراً. ويبدو أن هذه الظاهرة تتواجد في أذهان القابعين في السلطة مثلما هو الأمر بالنسبة لرجل الشارع العادي، فهم جميعاً يبالغون في تقدير إمكانيات بلادهم نتيجة للتأثير الذي تمارسه عليهم الدعاية السياسية من خلال اللجوء إلى الشعارات الثورية في الداخل ومخاطبة الجماعات الثورية في الأقطار الأخرى، ولعب دور الإضرار بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المنطقة وتدميرهم، والعداء لإسرائيل. لكن الواقع هو في الأطراف الأخرى الأكثر قدرة في التأثير على إيران ومصالحها.

إن وهم القوة الإيراني هذا أكثر وقعاً وتأثيراً لدى الدول العظمى والكبرى حول العالم من وقعه وتأثيره لدى دول المجلس، فهذا بالنسبة للدول العظمى والكبرى يعني أن الاختلافات والصدامات الخاصة بالمصالح بينها وبين إيران ستستمر لوقت طويل نسبياً. المعضلة ليست في التخلص من هذه المشاكل مرة واحدة وإلى الأبد، فهذا أمر شبه مستحيل، لكنها تكمن في تقليص واحتواء الجانب التدميري منها، والذي يهدد العلاقة المنطقية بين الطرفين.

أما بالنسبة للساسة الإيرانيين فمن المفترض أن يتواجد لديهم إدراك حقيقي بأن الصورة العامة التي يمكن لهم تكوينها لأنفسهم ولبلادهم في مخيلة شعوب وحكومات الدول العظمى والكبرى ومعها المجتمع الدولي ستحدد ما هو ممكن للدول العظمى والكبرى أن تفعله تجاه إيران فهذه الدول فيها خمس ديموقراطيات عريقة، باستثناء الصين، وهو أمر لايبدو أنه مستوعب بشكل كاف من قبل النخب الإيرانية الحاكمة حالياً. ففي هذه الدول لاتستطيع السلطات التنفيذية انتهاج أية سياسة تجاه إيران دون مساعدة حقيقية منها لخلق المناخات المناسبة التي تقنع العامة الناخبة ومزاجها العام.

نقلاً عن جريدة الاتحاد الإماراتية

بقلم: د. عبدالله جمعة الحاج

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق