الثورة في إيران

إيران تلعب على وتر مظلومية الأقلية

كما كانت الخلافة الإسلامية استثماراً أيديولوجياً للنص الديني، نظّر لها الفقه السياسي القديم، كذلك فإن دولة المهدي لا تعترف بالمواثيق والقوانين الدولية، ومنذ أن أتى خميني إلى السلطة سعى لتكريس السلطة، بالتمهيد لقيام دولة الفقيه، التصور الذي وضعه الدستور لمنصب القائد وصفاته ووظائفه وسلطاته وصلاحياته ومهامه وأدواره، وأتاح له بأن يقيم دولة داخل الدولة من أجل استمرار سلطته التي أتى بها حتى بعد مماته.

تطبيق نفس النموذج في بقية البلدان التي تتبع ولاية الفقيه، ما يعني تفكيك الدول التي لا تتبع ولاية الفقيه، ما جعل الصهيونية العالمية التي تعتبر الحضارة الإسلامية خطراً على الحضارة الغربية المسيحية/اليهودية بعد سقوط الشيوعية عام 1989، وظلّ اليهوديان برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون يدعوان الغرب إلى محاربة الحضارة الإسلامية، لكن بعدما وجدت الصهيونية بأنه يتم تنفيذ مخططها على أيدي المسلمين أنفسهم، جعلهم يغضون الطرف عن هكذا مشروع، بل وتمكين المشروع الإيراني من العبث بالمنطقة.

عندما أتى الدين الإسلامي وحمله العرب، تميز تطبيقهم للدين بتسامحه الروحي، ولم يمارسوا الأسلمة التي تمارسها بعض حركات الإسلام السياسي، وحملت الحضارة الإسلامية عبر ثمانية قرون في إسبانيا، وتميزت بنقل العلوم والثقافة والفن التي قد لا تؤمن بها جماعات الحركات الإسلام السياسي في الوقت الحاضر.

فيما كانت الحضارة الفارسية تمارس العنف والدمار في المناطق التي غزتها منذ قبل الميلاد إلى اليمن ومصر واليونان، وتركت وراءها دماراً مروعاً، لم تترك ما تركه المسلمون في إسبانيا من حضارة استفادت منها أوروبا فيما بعد، وبنت حضارتها الجديدة، بسبب أن المجوسية الفارسية تبنت في ديانتها الزرادشتية النار رمزاً للعنف والقوة في التعامل، ومجّد قوتها بعض الفلاسفة الذين يؤمنون بالعنف والقوة مثل نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، مثلما تبنت الفاشية النازية العنصرية الآرية.

الحضارة الفارسية التي كانت تسخر من العرب، وعانى العرب من قسوة الفرس تجاههم، لكن الحضارة الفارسية لم تتوقع أن الدين الجديد على يد نبي عربي يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويجعلهم يحررون العباد من عبادة غير الله إلى عبادة الله، ويحررون فارس من العبودية ومن عبادة النار، مما أثار العصبية الفارسية لدى البعض منهم عبر التاريخ، رغم أنهم مسلمون، ولكن كيف أنهم يتبعون للعرب بعد أن كان العرب يتبعون لهم، فلابد من البحث عن أدوات تعيد لهم مجدهم وهيمنتهم على العرب.

بالطبع كانت هناك أخطاء عبر التاريخ ارتكبها العرب باعتبار أن الفرس أصبحوا مسلمين، ولكن لم يتوقعوا أن البعض منهم، خصوصاً عدداً من القوميين ممن يضمرون الحقد والكره للعرب، فأتتهم الفرصة عند قام الخليفة المعتصم بالله بإسقاط العرب من الجيش، بعدما ضاق ذرعا بالصراع بين القادة في الجيش بين القادة من الفرس والقادة من العرب، فاستبدل بالقادة العرب قادة من الترك بفعل تأثير والدته التركية، مثلما انتصر الفرس للأمين ذي الأم الفارسية، الأمر الذي مكنهم من اجتياح بغداد واستباحتها، حتى انتصر المأمون على الأمين فأعاد الاستقرار إلى بغداد كعاصمة عالمية للثقافة والحضارة.

هناك فرق بين التشيع العربي والفارسي، لأن الفارسي يخفي خلفه الانتقام من السنة، بل هو في الحقيقة انتقام من الإسلام، من الذين صاغوا التشيع الفارسي انتقاماً من العرب، حتى ولو كانوا من الشيعة العرب الذين قوضوا الحضارة الساسانية الفارسية، وحل الإسلام مكانها، والتركيز على الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان له الدور الأساسي في إسقاط الدولة الساسانية، لكن السؤال كيف نجحت إيران في جعل عروبيو إيران وبعثيو داعش عصابات تقتات على ضعف الدولة.

كأي فكرة ترتهن على ادعاء النضال والدفاع عن المضطهدين، التي لاقت رواجاً بين جماعات مسلحة مدفوعة بالمال والسلاح، خصوصاً من الجماعات الفقيرة والمغيبة والمخدوعة بعد تخويفها من العشائر السنية وأنهم يتبعون صدام حسين، وبأنهم سينتقمون له من الشيعة العرب.

بل اتجهت إيران للعب بهذه الورقة دبلوماسياً وتفاوضياً، ليشمل ذلك سياساتها مع الغرب، خصوصاً وأن إيران تدرك أن الغرب يتعصب للأقلية، لأن كثيراً من الدول الغربية الحديثة تشكلت من مجموع أقليات، التي أصبحت عقدة وكابوساً، بسبب أن كثيراً من تلك الأقليات الغربية لم تتجاوز أزماتها الهوياتية التاريخية التي لا تزال تقتات عليها سياسياً واجتماعياً، ما يجعلها تناصر قضايا الأقليات المحلية وحتى الخارجية، وتحديداً فرنسا التي ورغم أزمتها المالية تبرعت في عام 2015 بمبلغ 25 مليون يورو، تحديداً لمن أسمتهم أقليات الشرق الأوسط المضطهدة، وكذلك الولايات المتحدة ليست بعيدة عن تمويلات وتدخلات مشابهة، ولم تتحرك الولايات المتحدة ضد داعش إلا باسم الدفاع عن الأقليات العرقية المحاصرة اليزيدية (الكردية) في سنجار، والتركمان في قرية آمرلي، والأكراد في أربيل، بينما مات نحو ربع مليون سوري على أيدي النظام السوري والمليشيات الإيرانية بمشاركة حزب الله اللبناني لكنها لم تنتصر لهم واعتبرتها حرباً أهلية.

العروبيون كما الثورة الفارسية والإسلام السياسي، اشتركوا في عدائهم للدولة الوطنية مثل نوري المالكي وهادي العامري وحسن نصر الله وغيرهم، بل إن عداءهم لهيبة الدولة كان أشد، وأصبحت المنطقة تعيش أسوأ حالات الغليان الهوياتي الذي تغذي صعوده مليشيات مسلحة بُنِيَ اقتصادها على الطائفية، حتى أصبحت قاعدة طهران عربياً وعالمياً، مليشياوية وليست شيعية أو شعبية.

نجحت إيران في إضفاء التشيع الفارسي على ولاية الفقيه (التي ليست أصلاً من أصول الفقه الإسلامي، مثلها مثل الخلافة الإسلامية التي هي أيضاً ليست أصلا من أصول الدين الإسلامي)، وإعطائه نوعاً من القدسية الإلهية المعصومة، في انتظار عودة المهدي المنتظر المختفي، وهي بذلك تحاكي الزرادشتية القديمة التي تنتظر عودة غودو المنقذ ساوشيانت، ليتفرغ معه الفرس لإدارة وحكم العالم، وتحاكي أيضاً الكنيسة المسيحية في جوانب كثيرة خصوصاً فيما يتصل بالمعصومية وتوزيع صكوك الغفران.

تحولت ولاية الفقيه التي تلبس لباس التشيع لآل البيت إلى تغذية التشيع السياسي والمسلح، ولعقود أوجدت في المقابل حركات سنية متطرفة ما كان لها أن تجد من تستقطبه لولا مليشيات طهران، الدعاية الإيرانية تقدم نفسها بوصفها حامية الأقلية الشيعية المظلومة من الأغلبية ومن الإرهاب، لذلك هي في خندق واحد مع الغرب، لكن هناك أئمة شيعة معتبرون طالبوا شيعة العالم بألا يكون لهم مشروعهم الديني السياسي الخاص، وأن يكونوا مجرد مواطنين صالحين، فضحت أكذوبة إيران بأن إيران لديها قاعدة شعبية شيعية عربياً وعالمياً التي يريدها حرس الثورة الإيرانية أن تستمر، لأن استمرارها استمرار للمصالح الخاصة بهم وبمشروعهم.

نجد أن ولاية الفقيه والإسلام السياسي يلتقيان معاً، ويحولان العراق إلى آلة تأكل إنسانيتها، بسبب أنها تعزف بسلاح المذهبية على أوتار النسيج الاجتماعي في العراق وفي المنطقة في سوريا ولبنان، فنجد أن 56 فصيلاً شيعياً مسلحاً تنشر الرعب وسط سنة ديالي بسبب ارتباطها بإيران يحصنها من المساءلة والمحاسبة مثلما أصبح المالكي محصناً من المحاسبة عن الجرائم التي أرتكبها في العراق وتسبب في احتلال داعش للموصل بعدما اتهم السنة بالإرهاب من أجل أن يهمشهم سياسياً، تنفيذا لأجندات إيرانية.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق