الثورة في إيران

إيران: الثورة انتهت

أقل من شهر هو ما تبقى على انطلاق محادثات كبح برنامج إيران النووي، وحتى الآن، وعقب 12 عاماً من الحجج المتفرقة، ما تزال إيران تصرّ على أنّها تسعى إلى إيجاد برنامج نووي سلمي وليس لتصنيع قنبلة نووية، لكن لا أحد يؤمن بصدقية هذا الادعاء. وفي حال إخفاق جولة المفاوضات، فإنّ المحتمل أن يشهد الشرق الأوسط انتشاراً للسلاح النووي، أو أن تقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل بشن هجوم عسكري على البينة التحتية الإيرانية، وفي كلتا الحالتين فإنّ النتائج ستكون كارثية.

فما يزال هناك الكثير مما يفصل إيران عن الطرف الآخر، أي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا (والمعروفة بمجموعة 5+1)، ومعظمها يتركز حول آليات الصفقة المرجوة، إذ لم يستطع الطرفان الاتفاق حول عدد أجهزة الطرد المركزية المسموح لإيران بامتلاكها لتخصيب اليورانيوم، وكم هي مدة الاتفاق بين الطرفين، ومدى سرعة رفع العقوبات المفروضة على إيران.

وكان من الأسهل ردم الفجوة الحاصلة بين إيران والولايات المتحدة، لو أنّ الطرفين كانا يثقان ببعضهما البعض، ومن أحد الأسباب التي جعلت العلاقات بينهما عدائية هو أنّ الرأي العام الغربي حول إيران قد عفا عليه الزمن، فمن شأن فهم أفضل لأوضاع إيران أن يساعد في التوصل إلى تسوية شاملة عبر المحادثات، أو على الأقل، تجنب انهيار كارثي.

في المقابل ، فإن كثيراً من سلوك إيران خاطئ، فهي تموّل الإرهابيين والميليشيات في لبنان والأراضي الفلسطينية، وتدعم إجرام نظام الأسد في سورية، وينكر سياسيوها بشكل مستمر حق إسرائيل في الوجود. فيما تعامل المعارضين في الداخل بكثير من القسوة والظلم، حيث تمّ مؤخراً إعدام امرأة نتيجة قتلها شخصاً تحرش بها. وقد أدان مبعوث الأمم المتحدة، قبل وقت قصير، الزيادة في عمليات الإعدام والمعاملة السيئة للنساء في إيران. فيما اشتكى مبعوث الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أنّ إيران فشلت في (تبرئة) أبحاث برنامجها النووي، وذلك ضمن سلسلة من سلوكياتها في التهرب والخداع.

بمثل سوء هذا الوضع، فإنّ الشجب الغربي يضع إيران في وضع قاتم فريد من نوعه، وخاصة أنّها عدو عنيد، حيث كانت جزءاً من محور الشر لدى جورج دبليو بوش. وهي دكتاتورية عازمة على تصدير ثورتها وافتراس محيطها، وسيكون المسلمون غير عقلانيين في حالة ترحيبهم بحصول كارثة نووية، وقد أدين الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإجراء محادثات مع مثل هذه الدولة المنبوذة.

لقد مر 35 عاماً منذ آخر زيارة لمسؤول أمريكي رفيع المستوى إلى إيران، وقد تغيرت إيران خلالها كثيراً. ويصف تقريرنا الخاص الأوضاع فيها بأنّ الثورة في إيران قد أخمدت، حيث هجر الناس قراهم وتوجهوا إلى المدن بحثاً عن الثراء وسعياً خلف السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا الغربية، ويرتاد أكثر من نصف الإيرانيين الجامعات. وقد أفشلت السنوات الكارثية لمحمود أحدي نجاد الثورة الخضراء –والتي سعت للإطاحة به عام 2009- فيما أفقدت فوضى الربيع العربي مصداقية السياسات المتطرفة وعززت مكانة الوسطيين البراغماتيين. حيث انحسر المجتمع الديني التقليدي الذي طمح إليه الملالي، ومع مرور الوقت، بدأت المساجد تفرغ من روادها، فيما لم يعد يسمع الآذان في عدد منها، نتيجة الشكوى من ضجيج المدينة. وفي قم، العاصمة الدينية تتراجع المدارس الدينية مقابل تنامي المراكز التجارية، وفيما تعود الخلافة الإسلامية في العراق وسورية إلى الجذور، فإن الدولة الإسلامية في إيران تشهد تراجعاً دينياً.

إيران ليست ديكتاتورية صريحة، فالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي له كلمة الفصل الأخيرة، بين مطالب نخبة من الآلاف السياسيين وجال الدين والضباط والأكاديميين ورجال الأعمال، والذين يتشكلون في أنماط مركبة ومتحولة باستمرار، عبر فصائل وائتلافات متنافسة. وبالرغم من ذلك، فإنّ هذا الشكل لا يرقى إلى الشكل الديمقراطي، بل أقرب إلى سوق للسلع السياسية، وفق ما اكتشفه أحمدي نجاد، من أنّ السياسات التي تبتعد عن حالة التوافق بين هذه الأطراف لا يمكن لها أن تدوم. وهذا هو سبب انتخاب حسن روحاني رئيساً في العام الماضي، حيث يسعى إلى الانفتاح على العالم، وقد استطاع كبح جماح قوات الحرس الثوري الإسلامي المتشدد، ورغم أنّه ينتمي إلى هذه المؤسسة بطبيعة الحال، إلاّ أنّ حكومته تضم العدد من حملة شهادة الدكتوراه من الجامعات الأمريكية أكثر من حكومة باراك أوباما.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للصفقة النووية؟ بداية، حتى تتوازن إيران، عليها أن تتصرف بشكل عملي فيما تعتبره مصالحها الخاصة، وليس انطلاقاً من رغبتها الدينية في هدم النظام العالمي، لذا فهي تستحق أن نتحاور معها. وثانياً أنّ السلطة في إيران متنقلة بين الفصائل كما هو الحال في الولايات المتحدة، لذا يجب العمل على صفقة ثابتة قبل عودة التيار المتشدد لرئاسة الجمهورية. وثالثاً، والأكثر أهمية، أنّ عامل الوقت يقف إلى جانب العالم في ذلك.

ومع مزيد من انحسار ثورة 1979، فإنّ إيران تميل لأن تكن أكثر طبيعية، وستضيع عقيدتها من خلال تزايد الهموم اليومية، كجني المال وصناعة الأعمال. لكنها لن تتخلى عن برنامجها النووي فجأة، فهو من شأنه أن يشعر الإيرانيين العاديين بمزيد من الذل. كما أنّها ليست على وشك أن تغدو صديقة لأمريكا، ولا أن توقف تدخلاتها في المنطقة. ولكن، إن شعر النظام أن بإمكانه التملص من مصير معمر القذافي في ليبيا عقب تخليه عن السلاح النووي والإطاحة به، فإنّ إمكانية كبح البرنامج النووي ستكون أقل كلفة من المقامرة عليه.

الوقت عامل مساعد كذلك، لأن الصفقة تصب في مصلحة إيران كذلك، إذ يحتاج روحاني للتخفيف من العقوبات، بعد تزايدها بأكثر من 5% سنوياً لمدة عشر سنوات، مقابل انكماش اقتصادي بنسبة 5.8% عام 2012. وفيما يدفع النفط فواتير الحكومة، فإنّ انهيار أسعاره مؤخراً بنسبة 25% أضاف ضغطاً أكبر على الحكومة. يضاف إلى ذلك أنّ المنطقة بأسرها تشهد مزيداً من الأخطار، حيث تهدد الدولة الإسلامية حلفاء إيران الشيعة في العراق، ونظام الأسد وحزب الله وحلفاءها في لبنان، أطراف الحرب في سورية.

وفيما تلمح إيران أنّ على أمريكا تقديم تنازلات في المحادثات النووية مقابل المساعدة الإيرانية في ترتيب شؤون الشرق الأوسط، فإنّ إيران الشيعية تسعى لأن تربح: معاداة أمريكا لحفائها السنة في السعودية، والسنة الذين يسعون إلى الانتصار في سورية والعراق.

وعلى الرغم من أنّ الموعد النهائي في هذا الشهر، فإنّ على مجموعة 5+1 التحلي بالصبر، حيث مهّد الاتفاق المؤقت الطريق لإجراء محادثات تمّ بموجبها تجميد مؤقت للبرنامج النووي وعدم تركيب مزيد من أجهزة الطرد المركزي. لذا لا ينبغي على العالم إفشال المحادثات بمطالب مستحيلة، ولا أن يفسح المجال للمخاوف الإيرانية من أنّ هناك فرص أفضل. عوضاً عن ذلك، على مجموعة 5+1 التصميم على صفقة ناجعة، سيكون من الجيد إتمامها الشهر المقبل، وإلا فإنها ليست بكارثة.

ترجمة: عبد القادر نعناع

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

للاطلاع على النص الأصلي:

“Iran: The Revolution is Over”, The Economist,  1/11/2014:

http://www.economist.com/news/leaders/21629338-changes-iran-make-nuclear-deal-more-likelynot-month-perhaps-eventually?fsrc=scn/fb/wl/pe/cp/revolutionisover

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق