-

إشكاليّات الخطاب في البيئة العربيّة: (1/3) إشكاليّة الخطابات الإسلاميّة

تشهد عمليّة إعادة بناء الدولة العربيّة ما بعد الثوريّة، جملةً من الإشكاليّات على مستوى الخطاب السياسيّ-الثقافيّ، تُضاف إلى الإشكاليّات البنيويّة والديمقراطيّة. وإن كانت الإشكاليّات الأخرى مرتبطةً بطبيعة السلطة السياسيّة قبل الثورات أو بعدها، فإنّ هذه الإشكاليّات مرتبطةٌ بشكلٍ أكثر بالمجتمع العربي وثقافته وقيمه، وقدرته على التواصل فيما بين مكوِّناته الثقافيّة والإثنيّة.

وتقوم إشكاليّة الخطاب في البيئة العربيّة، أو إشكاليّة الأنا والآخر فيه، على مستوى أربعة خطاباتٍ رئيسةٍ تتشكَّل في الثقافة العربيّة، وهي: الخطاب الإسلاميّ، والخطاب الأقلّويّ، والخطاب العلمانيّ، والخطاب القوميّ. ومنها يتبين ضرورة إنتاج خطابٍ سياسيٍّ-ثقافيٍّ عربيٍّ جامع، وخاصّةً في المرحلة ما بعد الثوريّة، يكون قادراً على مراعاة كافّة البِنَى الثقافيّة للمجتمع العربيّ، على ما يتضمّنه هذا الخطاب أيضاً من إشكاليّاتٍ موروثةٍ أو مُستَحدثة.

مع التمييز بين أربعة خطاباتٍ فرعيّةٍ تظهر في الخطاب الإسلاميّ، يتمثَّل أبرزها في خطاب حركة الإخوان المسلمين وتمايزهم النسبيّ عن خطاب السلفيّين، فيما يتعلق بفهمهم السياسيّ لعمليّات إدارة الدولة، ودور الآخر فيها. فيما يتصدَّر المشهدَ خطابٌ يُعتَبر الأكثر عنفاً –وخاصّةً منذ ثورات الربيع العربيّ-، وهو خطاب الجماعات الجهاديّة/القاعديّة، التي سيطرت على جزءٍ من الحراكات السياسيّة الثوريّة، في عمليّةٍ استلابٍ جديدٍ ومحاولة فرض نمط ٍثقافيٍّ واحدٍ على الكلّ المجتمعيّ، وإقصاء أيّ مخالفٍ له.

وتقود إشكاليات الخطابات العربية إلى عقبات جمة أمام الخطاب الثوري، باعتباره خطاباً متمايزاً عن الخطابات السابقة، حيث أنه كان من المفترض أن يُشكِّل مقدّمةً لثقافةٍ عربيّةٍ جديدة، تحمل عدداً من المقوِّمات الخاصّة بها، سواءً على مستوى خطابات القوى الشبابيّة أو النخب الحزبيّة. إلّا أنّ هذه الهويّة تتعرّض لجملة إشكاليّاتٍ وتهديدات، تدفع إلى استقطاب القوى الثوريّة ضمن التيّارات الأخرى من جهة (الخطابات السابقة)، أو في مواجهةٍ مع التوجّهات الأقلويّة/الإثنية التي بدأت تأخذ مساراً مختلفاً عنها، عقب تكشُّف الإشكاليّات في بنية الدولة العربيّة، أو ببروز خطاباتٍ شعوبيّةٍ تتصاعد أكثر فأكثر.

وخصوصاً أن الخطابات العربيّة -على تنوعها- تتضمن أحد أبرز إشكاليّات الدفوعات الانفصاليّة للأقليّات في العالم العربيّ، نتيجة انغلاق كثيرٍ من جوانبها الدينيّة والقوميّة على الذات، وتصادمها مع الحالة الحداثويّة فكراً وممارسة، سواءً أتت هذه الخطابات منساقةً مع النظم السياسيّة السلطويّة عربيّاً، أو حتّى مضادّةً لها. ففي الحالة الثانية، اعتمد الخطاب المضادّ على ذات الأدوات التي ارتكنت إليها السلطويّة السابقة، وبالأخصّ تيّار الإسلام السياسيّ المتمثِّل في أبرز اتّجاهاته في جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن تتصدّر الجماعات المتطرّفة القاعديّة واجهة هذا التيّار بنهجها العنفيّ المُوغِل في استحضار قراءاتٍ انتقائيّةٍ للفكر الإسلاميّ.

إذ لم يعد من الممكن، التحدُّث في التاريخ بلغة الهُوِيّة الحافظة لذواتٍ مغلقةٍ على ذواتها المعزولة، وذلك بحكم أنّ مفهوم الهُوِيّة لا يعبِّر عن التطابق، إلا بمقدار تعبيره عن الانفلات والتجاوز. وعندما يُقبَل أن تكون الهُوِيّة انفلاتاً، فإنّه يترتَّب على ذلك، أنّ الآخر، وهو العدّو المفترض في المجال الثقافيّ والحضاريّ، لا يصبح كذلك بصورةٍ مطلقة، وبحكم التواصل القائم والمنجز بين الطرفين (أفعال المثاقفة)، تكون الأكثريّة قد ساهمت بوسائلها الخاصّة في تحويل الأقليّة إلى جزءٍ من صيرورة ذاتها في التاريخ. فعودة خطاب الهُوِيّة في ظلّ المتغيّرات الثوريّة تُستَخدَم في سياق الدعوة إلى التحصُّن ببعض الأصول التاريخيّة، وتحويلها إلى رموزٍ أبديّة، من دون التفاتٍ إلى الأدوار التي يُمارسها التاريخ في عمليّة تلوينها وتطويرها، بل وتقليص بعض صورها. وبناءً عليه، فإنّ العودة المذكورة تدفع إلى التفكير في خلخلة دلالات المفهوم، واكتشاف محدوديّته في التعبير عن الصور، التي تمتلكها الأكثريّة عن ذاتها وعن الآخرين داخل المجتمع (1).

ومن غير الممكن الحديث عن خطابٍ سياسيٍّ واحدٍ في الفكر العربيّ، فعدا عن تنوّع التيّارات الفكريّة العربيّة إلى اشتراكيّةٍ وليبراليّةٍ وإسلاميّة، وأخرى قوميّةٍ متقاطعةٍ مع التيّارات السابقة، إلّا أنّ كلّ تيّارٍ منها يحمل في طيّاته تبايناتٍ داخليّة، تدفع إلى تباين خطابه، وأكثر ما يتمثّل ذلك في خطاب تيّار الإسلام السياسيّ، والذي انقسم على ذاته إلى عدّة اتّجاهات، وأبرزها اتّجاه الإخوان المسلمين، واتّجاه السلفيّن، والاتّجاه الإصلاحيّ الحداثيّ، والاتجاه العنفيّ الإقصائيّ الذي ترافق مع بروز الجماعات المقاتلة المنبثقة في الأساس عن تنظيم القاعدة، عدا عن أدوار الخطاب العلمانيّ والأقلويّ في مواجهتها.

 

تعدُّد الخطابات الإسلاميّة:

إنّ سؤال التراث واحدٌ من أكثر أسئلة الفكر العربيّ المعاصر تداولاً وحضوراً في الإنتاج النظريّ (وفي الحياة السياسيّة استطراداً)؛ لأنّه سؤال “الأنا” العربيّة والإسلاميّة، الباحثة لنفسها عن منطق توازنٍ في محيطٍ كونيٍّ متغيّرٍ ومضطرب، وحافلٍ بالتحوُّلات الثقافيّة والقِيَميّة والسياسيّة العاصفة. والسؤال هذا، وإن بدا سؤال العلاقة بالماضي؛ لأنّ الماضي موضوعه المباشر الذي يشتغل عليه، هو –في حقيقة أمره- سؤالٌ عربيٌّ (فكريٌّ وسياسيٌّ واجتماعيّ)، مزدحمٌ بالتناقضات والصراعات والتنازع الحادّ بين الخيارات. ومن الطبيعيّ أن تُؤثِّر هذه البيئة في الدراسات التي تتناول التراث العربيّ، فتسِمُها بكثيرٍ من سمات ذلك التنازع الذي يسيطر على بيئة الاجتماع والسياسة في الحياة العربيّة. لذلك انقسمت اتّجاهات الباحثين العرب في التراث على حدود الانقسامات السياسيّة والأيديولوجيّة السائدة، وانتقلت إليها ملامح تلك الانقسامات في صورة استقطابٍ حادٍّ بين الأصاليّين والحداثيّين (2)، وحول مفهوم الدولة وأدوارها وحدودها في المجال العربيّ-الإسلاميّ.

حيث يأخذ شعار الدولة الإسلاميّة معناه من خلال تأكيده على أنّ السيادة في هذه الدولة للعقائد الإسلاميّة على غيرها من العقائد، كما أنّه تأكيدٌ لدور الدولة في الحفاظ على العقيدة الحقّة ولمسؤوليّاتها الدينيّة. وعندما يخاف المسلمون من أن يؤدِّي زوال سيادة الإسلام كدينٍ في بلدٍ أغلبيّته السكّانيّة من المسلمين، فكأنّهم لا يثقون بأنفسهم ويعتقدون أنّ تخلّي الدولة عن دعم عقائدهم سوف يقود إلى ترك الناس للدين أو تراجع الدين من القلوب. كما لو أنّ تمسكهم بتسيّد طابع الإسلام في دولتهم هو آخر ما تبقّى لهم كي يوقفوا مسار سلبهم السلطة في هذه الدول، الإسلام السلطة، أي أسبقيّة المسلمين على غيرهم في بلاد الأغلبيّة الإسلاميّة، وتعميم رسوم الهُوِيّة الإسلاميّة في الفضاء العامّ على ما غيرها من الرسوم الغربيّة أو غير الإسلاميّة هو معقلهم الأخير (3). وعليه، فقد شهدت البيئة العربيّة اندفاع تيّار الإسلام السياسيّ عقب الثورات، نحو إحكام السيطرة على المجال السياسيّ، وإقصاء الآخرين باعتبارهم تهديداً للهُوِيّة الإسلاميّة.

ولعلّ الإشكالية الحاصلة بعد الثورة، والمتمثِّلة في صعود تيّار الإسلام السياسيّ إلى الحكم، تعكس أمرين اثنين: إنّها تُظهِر ملامح فشل المشروع القوميّ والمشروع السياسيّ الليبراليّ، كما تُبرِز مظاهر التراجع في الفكر الحداثيّ. ورغم أنّ بعض المتابعين اعتبر أنّ وصول الإسلام السياسيّ إلى السلطة هو نتيجةٌ من نتائج فاعليّة المشروع الديمقراطيّ في العالم العربيّ، وقد يكون هذا الأمر بدوره مقبولاً، إلاً أنّه يحصل نتيجة جملةٍ من العلل التي تظهر في الثقافة العربيّة، وفي المشهد السياسيّ العربيّ، من أبرزها (4):

  • تراجع القوى اليساريّة وتشرذمها في أغلب الدول العربيّة.
  • مساهمة منطق التوافق الانتقاليّ، في توليد كثيرٍ من الخلط بين التيّارات الموجودة في الحياة السياسيّة العربيّة أثناء الثورات وقبلها، الأمر الذي يَعكِس استمرار العمل بأساليب التمويه والمخاتلة، كما يعكس عجز النخب عن مواجهة الإشكاليات المؤجَّلة في موضوعات الإصلاح الدينيّ والثقافيّ، وبناء دولة القانون والمؤسَّسات.
  • هناك من يشير أيضاً، إلى أنّ بعض الأنظمة العربيّة ساهمت في تقليل الحسِّ السياسيِّ التعدُّديّ، وذلك باستخدامها أساليب معيّنةً في جعل المشهد السياسيّ بمختلف أطيافه يدور حول ما يرسمه الحزب الواحد/الحاكم في الدولة، وهذا الأمر يتجلّى بوضوحٍ في كلٍّ من مصر وتونس وسوريّة.

وبالتالي، فإنّ من نتائج هذا الإحياء/الرجع الدينيّ، المطابقة بين الجماعة السياسيّة والجماعة الدينيّة. فلا يكاد المنظِّرون الإسلاميّون يُميِّزون في حديثهم عن الأمّة بين أمّة المسلمين والأمّة السياسيّة المكوَّنة من أفرادٍ يجمعهم الولاء لدولةٍ وقانون، بصرف النظر عن اعتقاداتهم وولاءاتهم الدينيّة. لذلك يواكب انتشار الفكرة الإسلاميّة الثيوقراطيّة الحديثة تكريس الطائفيّة، سواءً في تصوُّر الأمّة كأمّة مسلمين بالأساس عند الأغلبيّة، أو في ردِّ فعل الجماعات غير الإسلاميّة على استملاك الدولة من قبل الأغلبيّة. هكذا يعتقد أغلب المسلمين -تحت تأثير التأويل الجديد- أنّ من حقّهم الطبيعيّ والواضح -وهم الأغلبيّة- فرض عقائدهم على الدولة، أو استخدام الدولة وأجهزتها للدفاع عن هذه العقائد، وعدم التساهل في ذلك مع المذاهب والأديان الأخرى. فتسييد عقائدهم في مستوى الدولة والسلطة المركزيّة هو محور العمل الأيديولوجيّ لتثبيت أركان الدولة واستقلالها، وأيّ تساهلٍ في فرض مذهب الدولة يهدِّد بزعزعة استقرارها وإضعاف مركزها تجاه الجماعات الأخرى الداخليّة والخارجية (5).

هذه التعبئة الدينيّة، وإن كانت جزءاً لا يتجزّأ من عمل الدولة الذي يظهر عبر بناء المساجد والجوامع والتكايا وغيرها من الرموز الدينيّة وتنظيم المواسم والمهرجانات الصوفيّة، فلا يعني هذا بالضرورة عدم الاعتراف بالمذاهب الأخرى. فصيغة أهل الذمّة القديمة لا تبرهن على أنّ هذا الاعتراف كان موجوداً فحسب، ولكن أكثر من ذلك، على أنّه قام على أسسٍ عقديّة أيضاً، بيد أنّ هذا الاعتراف لا يبلغ مستوى الاعتراف بالتعدُّديّة، أي بالمساواة بين أصحاب المذاهب والأديان المختلفة أمام الدولة والسلطة العامّة أو في ظلّهما، وإنّما هو تسامحٌ مع الجماعات الأقليّة يستمر طالما بقيت هذه الجماعات تُعبِّر عن اختلافها في محيط خصوصيّتها، وقبلت بأن تعيش هذه الخصوصيّة في إطار داخليّ، بل هامشيّ، لا يُضعِف موقع السيادة الإسلاميّة، ولا ينزع إلى العمل في الفضاءات العموميّة. هكذا يمكن للمسلم بل من واجبه التبشير بدينه، فالدولة دولته، لكنّ أيّة محاولةٍ من قبل أصحاب مذاهب الأقليّة لتقليده تثير رداً عنيفاً وقاسياً يمكن أن يهدِّد مصير الجماعة نفسها. هذا يعني أنّ للأقليّات الدينيّة حقّ العيش بسلامٍ والمشاركة في الحياة الاقتصاديّة وأحياناً السياسيّة التنفيذيّة، لكن ليس لهم الحقّ في منافسة المذاهب الإسلاميّة على المستوى العقديّ (6).

وأدت عمليّة تسييس الدين هذه، تاريخيّاً، وفرضه من الأعلى على كافّة المكوِّنات المجتمعيّة، إلى تسييسٍ دينيٍّ مقابل، أفرز إشكاليّة الطائفيّة السياسيّة الممتدَّة في المجال العربيّ والإسلاميّ، ومنذ قرون الإسلام الأولى، وفي ظلّ نزوعٍ نخبويٍّ إلى تكريس حالة الصراع الدينيّ والمذهبيّ والطائفيّ، وفق محدِّدات المصالح السياسيّة لتلك النخب.

إنّ اكتشاف الأصل السياسيّ للطائفيّة في المجتمعات العربيّة، بقدر ما يكشف الترابط بين نمو العصبيّات الطائفيّة وعمليّات الإقصاء والاستبعاد التي مارستها النظم التسلطيّة، وحوَّلت الدولة إلى مؤسَّسةٍ لخدمة المصالح الخاصّة وتعظيمها، يكشف أيضاً العلاقة بين الوطنيّة ومشاعر الانتماء لأمّة، كرابطةٍ سياسيّةٍ تتجاوز الروابط الأهليّة من جهة، والديمقراطيّة من جهةٍ ثانيّة، وهذا ما جاءت به الثورات العربيّة لتؤكِّده. حيث يختلط النزوع نحو الحريّة وبناء الديمقراطيّة، بتأكيد وحدة الشعب وحضوره، وتأكيد سيادته داخل الدولة وبمواجهة النخب الخاصّة، السياسيّة والاقتصاديّة، وبشكلٍ خاصٍّ نخبة الدولة، التي تماهت معها، ووضعت نفسها في خدمة السلطة. وعَمِل التصوُّر الذي يرى أنّ الطائفيّة داخل الدولة، هي انعكاسٌ للطائفيّة داخل المجتمع على القبول بالتعايش داخل الدولة مع ممارساتٍ طائفيّة عديدة، إن لم يشرعن قيام الدولة الطائفيّة نفسها، بوصفها حتميّةً اجتماعيّةً أو تعبيراً عن خصوصيّةٍ محليّةٍ لا يمكن تجاوزها من دون ارتكاب أخطاء السير في اتجاه اقتسامٍ غير عادل للسلطة والثروة المرتبطة بها. كما عمل على تحرير النخبة في الحكم والمعارضة معاً، من مسؤوليّتها تجاه بناء دولةٍ حديثةٍ حقيقيّة، قوامها مفهوم الحقّ والقانون، لا تقاسُم السلطة بين نخب الطوائف والعشائر القائمة، وغطى على الممارسات الطائفيّة ورفعها فوق النقد، ووحَّد تماماً بين منطق عمل الدولة، ومنطق عمل المجتمع الأهليّ، مُلغياً بذلك أيّة إمكانيّةٍ لتصوُّر دولةٍ سياسيّة (7).

فالخطر على الدين في المرحلة التاريخيّة التي تمرّ بها المجتمعات العربيّة آتٍ من ثلاث جهات: جهة القول بامتلاك الدين نظاماً كاملاً في السياسة والاقتصاد، وجهة القول بتطبيق الشريعة من أجل تصحيح النظام العقديّ والاشتراعيّ أو إكماله، وإحقاق نظريّته السياسيّة والاقتصاديّة، وأخيراً لجهة استخدام الدين في الصراع على السلطة. إنّ القول بوجود نظامٍ للحكم وللاقتصاد في الإسلام هو تكليفٌ له بما لا يُطاق، كما يقول المتكلِّمون المسلمون، وقد تبيّن العجز في ذلك بمسارعة جماعة الإخوان المسلمين بعد انتخاب مرسي إلى التحوّل نحو القول بالدولة المدنيّة، بعد أن قضوا زمناً يجادلون في ذلك بحجّة الاشتباه بين المدنيّ والعلمانيّ. كما تبيّن العجز في المجال الاقتصاديّ بالمسارعة بالتخليّ عن مقولة الاقتصاد الإسلاميّ إلى طلب الاقتراض المباشر من صندوق النقد الدوليّ. إنّ الخشية هنا لا تأتي من عقديّة الإخوان ولا من عقديّة السلفيّين (الذين سارعوا إلى تشكيل أحزابٍ سياسيّة بعد أن كانوا يُحرِّمون الحزبيّة ويحرِّمون الانتخابات)، بل تأتي من هذه البراغماتيّة، وتبقى أطروحة “تطبيق الشريعة” هي الأخطر على الدين بالذات (8).

وأحد أوجه الاختلاف بين طبيعة السلفيّة والإخوان، تتمثَّل في أهداف كلٍّ منهما وظروف النشأة والتطوّر، فالإخوان جاؤوا في الأصل ردّاً على تحدِّي التغريب والعلمنة على أرض الواقع، وكان تصوُّرهم منذ البداية أنّ الاستجابة تكون في حركةٍ اجتماعيّةٍ تنشر الإسلام في الواقع بخطابٍ معاصر، خارج المحاضن الدينيّة التقليديّة، مثل الأزهر، فحركة الإخوان بدأت بالواقع ثم عادت إلى النصّ، ولم تتمركز حوله، ما يجعل تعاملها مع النصوص الدينيّة أكثر مرونة. أما السلفيّة فهي –في الأصل- أقرب إلى مذهبٍ فكريٍّ تمركزت حول النصّ وفي الردِّ على الفرق الإسلاميّة الأخرى، أي أنّها على عكس طبيعة الإخوان انتقلت من النصّ إلى الواقع، لتكون معنيّةً بسؤالٍ أساسيٍّ في تعريفه شرعيّاً، وقولبته ضمن الأحكام الإسلاميّة، فهذا الانسياب المعكوس يجعل من فرص التحوُّل الأيديولوجيّ وسرعته وسقوفه أقلّ مرونةً وأكثر تعقيداً من التجربة الإخوانيّة. كما أنّ الميراث السلفيّ الكبير والواسع المتحفِّظ على الديمقراطيّة وقِيَمِها سيكون بمنزلة قيدٍ شديد الوطأة على الحركة السلفيّة، وسيُغرِق الأحزاب الجديدة بمناظراتٍ داخليّة واسعةٍ مع أنصارهم وقواعدهم، ويجعل من القيادات السياسيّة في موقفٍ دفاعيٍّ –عادةّ- داخل البيت السلفيّ، إذ لا يزال هناك اتّجاه مشكِّكٌ في العملية السياسيّة، ويراهن في مرافعته ضدّ العمل الحزبي على أنّ أشقّاءهم الحزبيّين سينجرُّون إلى ما يعتبره هذا التيّار “تنازلاتٍ” شبيهةً بالتي قدّمها الإخوان نحو القبول بالديمقراطيّة والتعدُّديّة، ما يجعل هذه الخلافات الداخليّة مصدر تشويشٍ دائمٍ على النزوع البراغماتيّ أو الواقعيّ المتوقَّع لدى الأحزاب السلفيّة (9).

لكنّ الأكثر تحدِّياً، كان ظهور الجماعات الدينيّة العُنفيّة المنبثقة عن تنظيم القاعدة، والتي كان من أبرزها تنظيم الدولة الإسلاميّة، بخطابها الإقصائيّ المطلق، لكلّ مخالفٍ لها، حتى ضمن الإسلام السنيّ ذاته. إذ وإن كان ظهور هذه الجماعات بالأساس آليّة ردٍّ على النظم التسلطيّة سياسيّاً ودينيّاً في المشرق العربي خصوصاً، إلّا أنّه دفعها إلى توظيفٍ مجتزأٍ للنصوص الدينيّة يتّفق مع توجُّهاتها السياسيّة، وبما يسمح لها بتوسيع حالة الاحتراب الداخليّ في تلك الدول، معتمدةً على عمليات إبادةٍ تجاه الأقليّات غير المسلمة بداية، وتجاه أصحاب الخطاب الإسلاميّ المعتدل والمنفتح عالميّاً بشكل أكثر تركيزاً.

وقد أدّى خطابها الإقصائيّ ونهجُها العنفيّ، إلى توليد حالةٍ مضادّةٍ أخرى، عبر بعث الدفع الانفصاليّ العنفيّ كذلك لدى الأقليّات الدينيّة والعرقيّة، وخاصّةً في الوسط الكرديّ السوريّ والعراقيّ. عدا عن أنّ داعش ونظيراتها تمثِّل في حدِّ ذواتها حركاتٍ انفصاليّةً ليس عن الكيان الدولتيّ القائم فحسب، بل عن الأطر الضابطة للمنظومة الدوليّة ككل، من خلال استدعاء عمليات “الفتح” العسكريّ العابر للحدود، عبر الاقتطاعات الجغرافيّة القائمة على تشكيل مجتمعٍ ذي هُوِيّةٍ دينيّةٍ واحدةٍ شبه خالصة، لا تنتمي في غالبيّتها جغرافيّاً أو ديموغرافيّاً إلى المنطقة التي تُهيمن عليها. وتتطلّب عمليات الاستدعاء العسكريّ في المقابل استدعاءً ديموغرافيّاً من عدّة مناطق أخرى. فالأمّة التي تُحدِثُها داعش (وكل تفرعات تنظيم القاعدة الأم)، هي أمّةٌ مصطنعةٌ وفق منطق القوّة العسكريّة لا وفق منطق التحوُّلات التاريخيّة، كما تدفع هذه الدولنة الدينيّة للإسلام السنيّ، إلى شرعنة دولنة أديانٍ ومذاهب أخرى في البيئة العربيّة، وفق ذات منطق الاقتطاعات الجغرافيّة المسلّحة.

بالرغم من أنّ جميع الحركات الجهاديّة السلفيّة تشترك فيما بينها في فكرة الخلافة الإسلاميّة العالميّة، إلّا أنّ القوى السلفيّة الجهاديّة في سوريّة تمايزت بملامح مختلفةٍ هي حصيلة خبراتها في الصراع مع النظام والصراع مع الكتائب والبيئة السوريّة، فقد وُلدت سلفيّةٌ جهاديّةٌ تؤمن بضرورة قيام دولةٍ سوريّةٍ ولكن إسلاميّة، توقِف العمل بالحدود مؤقّتاً، وتعمل على تطبيق الحدود بشكلٍ تدريجيّ، مع إبقاء فكرة الخلافة العالميّة مؤجّلة. هذه الجهاديّة المحليّة الجديدة أشبه ما تكون بجهاديّةٍ سلفيّةٍ وطنيّة، وهي عموماً تشترك في كثيرٍ من الصفات مع جبهة النصرة، بل إنّ لديها علاقاتٍ متميّزةً مع الجبهة على الرغم من الخلاف الفكريّ المحدود بينها (10).

ويأتي إعلان الخلافة في هذه المنطقة، تأكيداً للجهود التنظيميّة التي لدى مقاتلي القاعدة، ونيتهم الدفاع عن “دولتهم” الناشئة، مستندين في ذلك إلى كمٍّ هائلٍ من الموروث الدينيّ، عبر إسقاط هذا الموروث على ذواتهم، باعتبارهم حركةً دينيّةً تدفع الظلم وتُهيّأ المنطقة والعالم لظهور “المهدي”، عبر استعجال الحدث من خلال فهمٍ مشوّهٍ للإسلام أوّلاً، وللموروث الدينيّ أساساً، بل ويتم إنزال المرويّات قسراً على شخصيّاتٍ محدّدةٍ تقود التنظيم باعتبارها المقصودة في الأحاديث النبويّة، التي يقع بعضها في خانة “المكذوب”. في المقابل، فإنّ ذات الموروث المُستَنَد إليه، يؤكِّد استمراريّة الوضع القائم لسنواتٍ طويلة، ويشير إليهم باعتبارهم جزءً من فتنةٍ قاتلها ومقتولها في النار، وألّا استقرار ولا رفع جور بهم، وأّنهم سيتدافعون فيما بينهم قتالاً لاكتساب موارد المنطقة، بل إنّهم جزء من البغي والظلم المندلع في المنطقة، والمطلوب رفعه في نهاية الزمان. ويبدأ ظلمهم وطغيانهم باعتبار خليفتهم (مجهول الهويّة) خليفةً على كلّ المسلمين، ومبايعته لزامٌ على الجميع، وإلا عُدَّ خارجاً عن الجماعة واستُبيح دمه (11).

وبعيداً عن نظريّة المؤامرة التي تربط تأسيس تنظيم القاعدة، وإمداده، بالقوى الإقليميّة والدوليّة، فإنّ التاريخ الدينيّ الإسلاميّ يحمل كمّاً من الموروث الذي اشتُغِل على إسقاطه على مجريات الحدث العربيّ منذ اندلاع الثورات العربيّة (12)، باعتباره أحد أبرز الفتن المذكورة في المرويّات الدينيّة (13)، وبالتالي ربطه بسياقٍ أوسع في ساحات قتالٍ عربيّةٍ ثلاث هي الشام واليمن والعراق (14)، حيث شكّلت هذه المناطق بؤر استقطابٍ لمقاتلي القاعدة من جهة، وللميليشيات الشيعيّة أيضاً على ذات الفهم والإسقاط. على اعتبار أنّ سقوط الأنظمة العربيّة لا يؤهِّل المنطقة لفعلٍ ديمقراطيٍّ لاحق؛ نتيجة غياب الموضوع الديمقراطيّ عن المرويّات، بل حصره عقب سقوط الأنظمة التسلطيّة بقيام خلافةٍ إسلاميّةٍ عالميّةٍ على منهج النبوة (15).

غير أنّ طروحات إسلاميّة أخرى، كانت أكثر اعتدالاً وحداثةً من الطروحات التي استندت إليها الجماعات العنفيّة الأصوليّة، ويمكن أن تشكِّل قاعدة بناءٍ فكريٍّ يؤسِّس لحالة انتقاليّةٍ سلميّةٍ حافظةٍ للهُوِيّة العربيّة الإسلاميّة من جهة، وقادرةٍ على ولوج الحالة الحداثويّة والتفاعل العالميّ، ومنها على سبيل المثال، طروحات العلامة الموريتانيّ عبد الله بن بيّه. والذي يرى ألّا تعارض جوهريّاً بين الديمقراطيّة الحداثيّة والشورى الأصاليّة، فكلا المفهومين هو بحثٌ عن أدوات خلاصٍ بشريّةٍ عقلانيّةٍ ومدنيّة، لا تربط الحاكم بالدين وفق شكله الثيوقراطيّ.

وفي ظلّ فهمه للدولة وعلاقتها بالدين، ودور العلمانيّة فيها، يُحدِّد ابن بيّه مفهومه للمواطنة والولاء لهذه الدولة. فأوّلاّ، يضبط هذه المصطلحات في المفهوم الحديث بعكس المفهوم التاريخيّ الذي يقوم على العرق أو الدين أو التاريخ المشترك، وعلى فرضية أنّ التنوّع نفسه يصبح قيمةً كبرى من خلالها يكون الانسجام من طريق التفاعل بين مختلف الخصوصيّات للوصول إلى المصالح الكبرى للجماعة، بتفعيل المشترك الإنسانيّ وتحييد عنصر الإقصاء والطرد. كما يستبعد عنصر نقاء النسب الذي يؤدِّي إلى تقسيم المواطنين إلى درجاتٍ كما كان عند الرومان أو العرب في عصر الجاهليّة. فالمواطنة عنده “رباطٌ أو رابطةٌ اختياريّةٌ معقودةٌ في أفقٍ وطنيٍّ يحكمه الدستور أو ما سمّاه الفيلسوف الألمانيّ هابرماس بالوطنيّة الدستوريّة، أيّ شعور الفرد بانتمائه إلى جماعةٍ مدنيّةٍ مؤسّسةٍ على المشاركة في القيم الأساسيّة (16)“. وهو بذلك يقدِّم مقاربةً إسلاميّةً متقاربةً مع المقاربة الغربيّة العلمانيّة ومتصالحةً مع الذات ومع الآخر (غير المسلم).

ويرى أنّ المواطنة تتسامى على الفئويّة لكنّها لا تلغيها، وأنّ المطلوب هو “أن تتواءم معها وتتعايش معها تعايشاً سعيداً. لعلّ ذلك أهمّ تحوُّل في مفهوم المواطنة في العصر الحديث، ولعلّه هو أهمّ جسرٍ لتكون القِيَم الدينيّة لكلّ جماعةٍ بشريّةٍ محترمةٍ ومقبولة. وإنّ هذا يلتقي مع المفهوم الإسلاميّ للتعايش البشريّ، فالمسلم لا يجد حرجاً بل قد يكون متعاوناً معها”. ويذهب ابن بيّه إلى اعتبار أنّ المعايير الجديدة للمواطنة “لا تكون إلّا بنوعٍ من تجاوز الذات لتحديد أبعاد المواطنة، التي سيكون من أهمّها بالنسبة للأقليّات: احترام الآخر، والاعتراف بوجود دياناتٍ وثقافاتٍ مختلفة، وتحقيق الحريّات، والاشتراك في إدارة الحياة السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة بعيداً عن العنف، لتكون المواطنة بوتقةً تنصهر فيها كلّ الانتماءات، وبقدرٍ من الانسجام والانتظام بين هذه العناصر والجماعة، يجد المواطن نفسه والجماعة مكانتها (17)“.

ورغم انفتاح هذا الخطاب وقدرته على خلق أطرٍ تواصليّةٍ مع محيطه ومع العالم الخارجيّ، إلّا أنّ من أبرز عوائقه، ما يتمّ من عمليّات استحضارٍ للعنف في الموروث الدينيّ لدى الجماعات المقاتلة، والمضادّة لها. مستنداً إلى شريحةٍ مهيأةٍ لأن تنخرط في التعبئة الأيديولوجيّة لهذه الجماعات، من جهة، إضافةً إلى منظور الآخر (غير الإسلاميّ) للمنظومة الإسلاميّة باعتبارها كلاًّ غير متمايز، ورفض التواصل معها بناءً على هذا الفهم من جهةٍ أخرى.

ثنائيّة (الديمقراطيّة-الشورى) في الخطاب الإسلاميّ:

لعلّ من أبرز الإشكاليّات في الخطابات الإسلاميّة، الموقف من الديمقراطيّة -باعتبارها آليّةً ثوريّةً منشودةً في إدارة الدولة، وإدارة تنوّعاتها الثقافيّة-، حيث تتباين التوجّهات الإسلاميّة تجاهها، بين رافضٍ لها مطلقاً، ومتقبِّلٍ لها بشروطٍ تسلبها البعد الفلسفيّ المجتمعيّ، وبين مقيّدٍ لها في إسقاطات نظريّة “الشورى” الإسلاميّة، ما يُشكِّل بدوره عائقاً في إدماج الهُوِيّات المتعدِّدة في عملية إعادة بناء الدولة العربيّة.

إذ يرى أحمد الريسوني أنّ الشورى: “مبدأٌ وقاعدةٌ أخلاقيّةٌ وحقوقيّة، وأظنّ أنّ الديمقراطيّة ما هي في جميع العصور إلّا تنظيمٌ وتنزيلٌ لمبدأ الشورى، واتّخذ تنظيم الشورى أشكالاً متعدِّدةً أشهرها وأنضجها وأكثرها الآن انتشاراً هو الشكل الديمقراطيّ. الديمقراطيّة هي صيغٌ تنفيذيّةٌ وأشكالٌ تنظيميّةٌ لمبدأ الشورى، الذي هو مبدأٌ من حقّ جميع الناس الذين يجمعهم شيءٌ وتجمعهم مصلحةٌ معيّنةٌ أو قضيّةٌ معيّنة”. فيما ميّز راشد الغنوشي بين المضمون الفلسفيّ للديمقراطيّة، وبعدها الأداتيّ، واعتبر هذا الأخير متمِّماً للشورى، وتنزيلاً لها: “إذا استطعنا أن نحرِّر هذه الأداة من المضمون الفلسفيّ الماديّ، فعَمَرَها الإيمان بقِيَمه، عُمِّرت بالتقوى، عندئذٍ نستطيع أن نقول إنّ الديمقراطيّة هي بضاعتنا التي رُدَّت إلينا، هي الشورى، باعتبار أنّ الشورى في الإسلام، ظلّت في معظم عهوده، قيمةً أخلاقيّةً تصلح للوعظ والإرشاد في أيام الجمعة، ولم تتحوَّل إلى نظامٍ سياسيّ، في حين أنّ الغرب قد طوّر الشورى وحوَّلها إلى نظامٍ سياسيّ”. ولا ينكر حسن الترابي إفادة الحركة الإسلاميّة في السودان من الديمقراطيّة، أكان على مستوى كيانها الداخليّ، أم على مستوى حركتها في المجتمع، لكنّه في المقابل لا يعتبر المنهج الإصلاحيّ الديمقراطيّ مطلق الصلاحيّة والنفع، ويعترض عليه من ناحيتين: ناحية الحريّة الإباحيّة التي يقدِّسها، والجنوح الواضح نحو ممارسة السلطة المطلقة، بعيداً عن قيد الإيمان وحكم الشرع (18).

ويرى أنصار نظرية الشورى، أنّها عمليّةٌ توافقيّةٌ إجماعيّةٌ تتمّ برضا الجميع، ولا تفرض الأغلبيّة فيها رأيها أو إرادتها على الأقليّة، وإذا ما أظهر شخصٌ واحدٌ معارضٌ لرأي المجموع، فإنّ موقفه هذا سيؤخذ بنظر الاعتبار؛ لأنّ الإجماع، في مثل هذه الحالة، لن يكون كاملاً. كما أنّ الشورى تصوُّرٌ كيفيٌّ للحياة يقوم على احترام الرأي بصرف النظر عن عدد المنتسبين إليه: فكلّ إنسانٍ فرد، والفرد رأي، والشخص رؤية، في حين أنّ في العمل في المصالح العامّة كلّ إنسانٍ جماعة (19).

ويعتقد ابن بيّه، أنَّ الأصلَ في النظام الإسلاميّ أنّه يقوم على البيعة والشورى، وبتفسير هذين المفهومين يجد أنّهما لا يبتعدان في نتائجهما كثيراً عمّا وصلت إليه الأنظمة العقلانيّة، مع تحفّظه على الممارسات التي تتمّ باسم الدين: “فالديمقراطيّة التي يرى البعضُ أنّها نهاية المطاف أو نهاية التاريخ قد تُمارَس بطريقةٍ غير ديمقراطيّةٍ، حتى ولو احترمت الشكلَ، فإنَّ المضمونَ قد يكون مُختلاً، وفي بعض الأحيان مأساويّاً، فإنَّ أدولف هتلر وصل إلى الحكم بطرقٍ ديمقراطيّةٍ والنتائج معروفة. لكنَّ موقف أكثر علماء المسلمين على أنّه لا تلازم بين الحاكم والفقيه وإن كان يوجد نظريّاً من يُلزم الحاكم بأن يكون مجتهداً، ولكن سرعان ما وقع فصلٌ تامٌّ بين الاثنين منذ الدولة الأمويّة بعد الخلافة الراشدة فانفصلت طبقة الفقهاء عن طبقة الحكام، إلّا أنَّ الفقهاء ظلّوا يمارسون السلطة القضائيّة وسلطة الإفتاء والتعليم (20)“.

ويضيف: “إنّ ديمقراطيّة نصف المصوِّتين زائد واحد قد لا تكفي، بل تحتاج إلى مقاربةٍ أخرى لضمان السلم والوئام والاستقرار، وهما الشرطان الضروريّان للاستثمار والازدهار لصالح الدين والدنيا. وهي معادلةٌ تسمح بالتعامل مع الواقع المتجدّد المتمثّل في ضرورات الحياة وحاجيّاتها وإكراهاتها، دون اغترابٍ عن بيئة الشريعة ولا خروجٍ عن مظلَّتها، انطلاقاً من مبدأين أو كليّين، هما: كليّ العدل المنصوص عليه في أكثر من نصّ، وكليّ السلم الاجتماعيّ المقرّر في عشرات النصوص. ولذا فإنّ تصرفات الخلفاء الراشدين -التي قد يلحظ فيها المستشرق ما يحسبه ملوكيّةً محضةً أو علمانيّةً على حدّ وصف بعضهم لبعض ملوك الدولة الإسلاميّة- إنّما ترجع إلى مقاصد الشريعة، وإلى أنَّ المكانة المتاحة للعقل البشريّ في رعاية مصالح الناس من صميم الشريعة. ومن هنا يكون ملتقى الإسلاميّة والحداثة، وتتهيّأ الأرضيّة المناسبة لإقامة دولةٍ إسلاميّةٍ حديثةٍ، لتكون مستدامةً ومستمرّة؛ لأنّ أيّة دولةٍ في العالم الإسلامي تضرب صفحاً عن موروثها الإسلاميّ وعن مقتضيات العصر الحديث لا يمكن أن تكون مستدامةً ولا مستمرّة (21)“.

في المقابل، فإنّ هناك فئةً من الإسلاميين ترفض الديمقراطيّة جملةً وتفصيلاً، وتعتبر الشورى عنوان النظام السياسيّ الإسلاميّ، ومنهم عبد السلام ياسين، مرشد جماعة العدل والإحسان في المغرب، حيث كتب: “إنّنا إذ نقترحها شورى بين المسلمين … لا نستبدلها اصطلاحاً باصطلاح، ولا نعطي الديمقراطيّة نكهةً إسلاميّة، وصبغةً سطحيّةً قرآنيّة … تحت “الديمقراطيّة الصادقة” مع نفسها يربض دين اللاييكيّة. وتحت عنوان “الشورى” الإسلام حكمٌ بما أنزل الله، وإيمانٌ يسكن قلوب الحاكمين بكتاب الله وسنة رسول الله (22)“.

وبالمحصلة، فإنّ انفتاح الخطاب الإسلاميّ –ولو بشكله المحدود- على النظريّة الديمقراطيّة، وتحديداً منذ الربع الأخير من القرن العشرين، كان نتاجاً للأسباب التالية:

  • الاضطهاد الواسع الذي شهدته الحركات الإسلاميّة من قبل الأنظمة العربيّة.
  • ثورات الربيع العربيّ التي كان مرتكزها الأساس، الانتقال نحو الديمقراطيّة، وما أتاحته من فرص نجاحٍ انتخابيّ للحركات الإسلامية، مباشرة، نتيجة قدراتها التنظيميّة والدعائيّة.
  • الجدالات الفلسفيّة حول النظام الديمقراطيّ بين الحركات الإسلاميّة من جهةٍ والتيّار العلمانيّ من جهةٍ أخرى، حيث كانت التجربة الإسلاميّة وما زالت في نظر قطاعٍ عريضٍ من النخبة العلمانيّة متَّهمةً في صدق نيّاتها تجاه الديمقراطيّة.

غير أنّ الديمقراطيّة في الفكر الحركيّ الإسلاميّ، تبقى مجموعةً من الإجراءات والتقنيّات والأدوات المجرَّدة من مصاحِباتها الفلسفيّة، التي تضبط عمليّات اختيار القادة والمسؤولين والنوّاب والبرلمانيّين والرؤساء، وتؤطِّر عمليّات اتخاذ القرار، وتداول الرأي في التنظيمات والمؤسَّسات والدولة. وهي بهذا التحديد، لا تتعدّى كونها مجرّد تحديثٍ لمفهوم الشورى الإسلاميّ، الذي بقيَ تاريخيّاً في إطار المبادئ العامّة، ولم يتعدّاه إلى النظم والإجراءات. وقد اصطُلح على هذا النوع من الديمقراطيّة بالديمقراطية الأداتيّة، نظراً إلى غلبة الجوانب التقنية والأداتيّة عليها، وطرحها المتعمَّد للمتعلِّقات الفلسفيّة. إنّ التحفظ والتردُّد الذي أبدته الحركة الإسلاميّة تجاه الديمقراطيّة بمعناها العام يرجع في الأساس إلى بعض مقتضياتها الفلسفيّة، وخاصّةً ما يتعلّق بمبادئ: الحريّة، ووضعيّة القوانين، والمساواة. وقد أثارت هذه المبادئ، ولا تزال تثير، كثيراً من التحدّيات للحركة الإسلاميّة، خاصّةً بعد التطوّرات القيميّة والسياسيّة والثقافيّة التي شهدها العالم العربيّ في النصف الثاني من القرن العشرين، بحكم الاحتكاك بالغرب، والانفتاح الثقافيّ والتوق إلى الحداثة (23). ومن ثمّ انفتاح الأفق السياسيّ أمام الحركات الإسلاميّة عقب الثورات العربيّة.

فيما تُحيل المضامين الشوريّة إلى عمليّة إقصاءٍ سياسيٍّ للمخالفين دينيّاً، إذ تنحصر هُوِيّة المناط بهم تقديم المشورة للحكام، بالمسلمين دون غيرهم، ما يعني فرض إرادةٍ سياسيّة (أكثريّة غالباً) على المكوِّنات المجتمعيّة الأخرى، وتدفع بهم إلى موقع المتلقّي للفعل السياسيّ دون القدرة على التأثير فيه، وهو ما يُوكِل حماية مصالحهم إلى تقديرات السلطة السياسيّة وحدها، وإن راعت في مواضعٍ أخرى هُوِيّتهم الدينيّة التعبُّديّة فقط، من خلال ما يُعرف بـ “قانون الأحوال الشخصيّة”.

د. عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

الهوامش:

(1) كمال عبد اللطيف، “مدخل إلى قراءة الأبعاد الثقافية للثورات العربية”، في: مجموعة باحثين، الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2012)، ص 35.

(2) عبد الإله بلقزيز، “سؤال التراث في الفكر العربي المعاصر”، المستقبل العربي، العدد 408، شباط/فبراير 2013، ص 157.

(3) برهان غليون، “الدين والسياسة في المسيحية والإسلام”، الحوار المتمدن، العدد 4208، 7/9/2013: http://www.ahewar.org

(4) كمال عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 69-70.

(5) برهان غليون، “الدين والسياسة في المسيحية والإسلام”، مرجع سابق.

(6) المرجع السابق.

(7) برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الثالثة، 2012)، ص 11، 15.

(8) رضوان السيد، “الدين والدولة في زمن الثورات: المنظور النهضوي ومطالبه”، المستقبل العربي، العدد 406، كانون الأول 2012، ص 37.

(9) محمد أبو رمان، “السلفيون والربيع العربي: سؤال الدين والديمقراطية في السياسة العربي”، المستقبل العربي، العدد 411، أيار/مايو 2013، ص 17.

(10) عبد الرحمن الحاج، “السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الجهاد”، تقارير، مركز الجزيرة للدراسات 26/5/2013، ص 11.

(11) عبد القادر نعناع، “التوظيف الديني في تفتيت المشرق العربي: الخلافة السنية والشيعية”، مركز المزماة للدراسات والبحوث، 1/7/2014:

http://almezmaah.com/2014/07/01/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B8%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/

(12) ومن هذه المرويات: قال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لميعة، حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَيْلٌ للعرب من شرٍ قد اقتربَ فِتَنٌ كَقَطِيع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع قوم دينَهم بعَرَض من الدنيا قليل المتمسك يومئذ بدينهِ كالقابِض على الجمْر”. أو قال: “على الشوْك”.

وروى البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من أطام المدينة فقال: “هَلْ ترون ما أرى؟” قالوا: لا، قال: “فإني لأرى الفِتَنَ تقع خِلالَ بيوتكم كَوَقْع المطَر”.

وروى مسلم من حديث نفير، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم”. شهد ذلك لحم أبي هريرة ودمه.

(13) قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا أبو داود، حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثني عبد الله بن سالم، حدثني العلاء بن عتبة عن عمر بن هانىء العنسي سمعت عبد الله بن عمر يقول: “كنا قعوداً عند رسول الله فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: “هي حرب وهرب، ثم فتنة السراء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه ابني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته، حتى إذا قيل انقضت عادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده”. وتفرد به أبو داود، وقد رواه أحمد في مسنده عن أبي المغيرة بمثله.

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بناء له، فسلمت عليه. فقال: عوف قلت: نعم يا رسول الله! قال: “ادخل”. فقلت: كلي أو بعضي؟ قال: “بل كلك”. قال: فقال لي: “اعدد عوف، ستا بين يدي الساعة؛ أولهن موتي”، قال: فاستبكيت حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكتني. قال: “قل: إحدى. والثانية فتح بيت المقدس، قل اثنين. والثالثة فتنة تكون في أمتي وعظمها. والرابعة موتان يقع في أمتي يأخذهم كقعاص الغنم. والخامسة يفيض المال فيكم فيضاً حتى إن الرجل ليعطي المائة دينار فيظل يسخطها، قل خمساً. والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر يسيرون إليكم على ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا، فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة ويقال لها: دمشق”، “ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته، حتى إذا قيل انقضت عادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده”.

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا الليث عن طاووس عن رجل يقال له زياد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّه سَتَكُون فِتْنَةٌ وسَتُصِيبُ العَرَبَ قَتْلاَهَا في النَّارِ، وقْعُ اللسان فيها أَشدُّ مِنْ وَقْع السَّيْفِ”.

وقال أبو داود: حدثنا عبد الملك بن شعيب، حدثنا ابن وهب، حدثني الليث عن يحيى بن سعيد قال: قال لي خالد بن عمران، عن عبد الرحمن بن السلماني، عن عبد الرحمن أبي هند، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سَتَكونُ فِتنةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ مَنْ أشرفَ لَهَا اسْتَشْرَف لَه، وقعُ اللسان فيها أَشَدّ مِنْ وَقْع السَّيْف”.

(14) عن عبد الله بن حوالة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ستجدون أجناداً، جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجندا ًباليمن”. قال عبد الله: فقمت فقلت: خِرْ لي يا رسول الله. فقال: “عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غدره، فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله”. قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه”. عدا عن جملة كبيرة من الأحاديث التي تناولت فضل الشام ودورها في مرحلة “آخر الزمان”، والتحضير السابق له.

(15) روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صل الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”، ثم سكت. وروى الحديث أيضًا الطيالسي والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط.

وروى الطبراني عن حاصل الصدفي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سيكون بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا، ثم يؤمِّر بعده القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو بدونه”. ففيه أن المهدي يخرج بعد الجبابرة، فخلافته هي الخلافة الأخرى التي هي على منهاج النبوة، لكن الحديث ضعفه الألباني، في السلسلة.  أما قول السائل: على أي شيء يدل قوله: ثم سكت؟ فالظاهر أنه يدل على تمام الحديث وانتهائه.

(16) عبد الله بن بيه، “الولاء بين الدين وبين المواطنة (نموذج المسلمين في بلاد الأقليات)”: http://www.binbayyah.net/portal/research/621.

(17) المرجع السابق. وللاطلاع على المزيد حول طروحات ابن بيه، يمكن مراجعة مقالات وأبحاث الموقع الرسمي لمعالي لعلامة عبد الله بن بيه: www.binbayyah.net. وانظر: عبد القادر نعناع، “خطاب التجديد في فكر ابن بيه: الدولة والمواطنة والعالمية”، 9/10/2014، مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث.

http://falsharq.com/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85/

ويظهر انفتاح ابن بيه الفكري على الفكر الغربي وطروحاته، ومحاولة عقلنته عربياً، من خلال موقفه من العلمانية، التي يرى في قيمها الكبرى في الحالة المحايدة قيماً إيجابية، تتمثل في: احترام المعتقدات، والحياد بين مختلف الديانات، والاعتراف بحقوق الإنسان الفردية والجماعية بحيث تسهر الدولة على حمايتها، وحقّ الاختلاف والتنوع والتغيير في خصائص الأفراد والجماعات، وحقّ التحاكم أمام المحاكم الطبيعية لاستخلاص الحقوق وترتيب واجبات الأفراد في احترام القوانين ودفع الضرائب، للإسهام في المجهود الوطني لتسيير المؤسسات، وحق الدفاع ضدّ العدوان.

(18) امحمد جبرون، “الإسلاميون في طور تحول: من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية (حالة حزب العدالة والتنمية المغربي)“، مجلة تبين (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 3، شتاء 2013)، ص 194-195.

(19) غانم محمد صالح، “مقاربة سياسية بين الشورى والديمقراطية“، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 31، صيف 2011، ص 11.

(20) عبد الله بن بيه، “علاقة الدين بالدولة: وجهة نظر إسلامية”، الموقع الرسمي لمعالي العلامة عبد الله بن بيه:

http://www.binbayyah.net/portal/research/143

(21) عبد الله بن بيه، “مشروع دولة إسلامية حديثة قابلة للاستمرار ومستدامة”: http://www.binbayyah.net/portal/research/1459.

(22) عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية (الدار البيضاء: مطبوعات الأفق، 1996)، ص 343-344. ومنهم كذلك سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وكثيرون.

(23) امحمد جبرون، مرجع سابق، ص 195.

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق