المغرب

إشكالية السياسي والديني في المغرب

ضمن عملية التحديث السياسي والفكري في المغرب، أصدر العاهل المغرب مرسوماً ملكياً في حزيران/يونيو 2016، يمنع بموجبه رجالات الدين (علماء، أئمة، دعاة …)، من الاشتغال بالشأن السياسي حديثاً وفعلاً ومنصباً، في عملية فصلٍ بين الديني والسياسي، وهو فصلٌ لا يأتي بالمعنى العلماني الغربي، ولا بصيغته اللائكية كذلك، بل فصلٌ يتّصل أساساً بالخطاب والممارسة، ولا يتجاوزها إلى الثقافة العمومية المغربية.

ربّما يأتي هذا المرسوم، ليضع حدّاً لتوظيفات الدين في المجال السياسي، التي تحوّلت –وتحديداً منذ ثورات الربيع العربي- إلى عملية استغلال سياسي للمعطى الديني، وإعادة توظيفه وفق سياقات تخدم الصالح السياسي، بما يحمله ذلك من تحريفات وتأويلات وإسقاطات معاصرة ليست في محلها، أنتجت في المحصلة إشكالية عنف ديني ومذهبي وطائفي طالت المشرق العربي بأسره، عبر توظيفات تيار الإسلام السياسي للمتغيرات القائمة بما يخدم مصالحه السياسية.

ورغم أنّ المجال المغربي بقيَ بعيداً عن التأثيرات القائمة في المشرق العربي –نسبياً- إلا أنّ الفعل الإرهابي الذي يستند إلى التوظيف السياسي-الديني، قد طال المغرب في عدّة مناسبات، محاولاً ترسيخ حاضنة اجتماعية له فيها، عبر تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. بل يتجاوز الأمر تنظيم القاعدة وما يتفرّع عنه، إلى توظيفات انتخابية وعمومية للدين، لا تقع في المغرب وحده، بل تتجاوزه إلى كافة الدول العربية.

وهنا يمكن أن نخرج بإيجابية لهذا المرسوم، أو لهذه الصيغة من الفصل بين السياسي والديني، وهي حماية الشأن الديني من تداخلات المصالح الحزبية والتوظيفات التنظيمية والإرهابية. غير أنّ مثالب قد تنشأ عنه في التطبيق، إذ قد يتمّ تفسير كثير من المعطيات السياسية والثقافية في المغرب على أنّها تداخل بين السياسي والديني، ليُصَار إلى عملية أشبه باجتثاثها من الثقافة المغربية شيئاً فشيئاً، بمعنى سلب المغرب هويته الإسلامية، لصالح هوية لا معالم لها بعد، وخصوصاً في ظلّ تعاظم الحملة الأمازيغية لفصل المغرب عن هويته العربية، أو باجتثاث العروبة من الثقافة والهوية المغربية، بما فيها من ثقافة وهوية إسلامية، لصالح هوية موغلة في القدم التاريخي، تحاول استحضار موروث مندثر، وفرضه على نصف سكان المغرب على الأقل، بالتحالف مع إسرائيل، ضمن عملية تفتيت العالم العربي إثنياً.

إشكالية أخرى تبرز في هذا المرسوم، كونه يأتي بالتضادّ مع الحالة السياسية والدستورية في المغرب، التي أدمجت السياسي بالديني ضمن سلطة المؤسّسة الملكية، من خلال اعتبار الملك أميراً للمؤمنين.

ووفقاً لزين الدين حمزاوي، فإنّ إدماج المقدّس في الخطاب السياسيّ، كأحد الرموز السياسيّة التقليديّة المؤثِّرة، لا يمكن فصله عن الصبغة الدينيّة التقليديّة للمؤسسة الملكيّة من جهة، وعن ظاهرة تجذُّر الثقافة التقليديّة في المجتمع المغربيّ، حيث يَسهُل التماس الشرعيّة وكسب الولاء من خلال أيديولوجيّة التوظيف الدينيّ. وفي هذا الإطار يرى عبد الله ساعف أنّ “الإسلام يحتلّ في ثقافة الإجماع والاحتواء مكانةً مهيمنةً على مستوى المعايير ومستوى عمليّة الضبط بالقياس مع العناصر السياسيّة الأخرى”. أما الباحث الفرنسي ريمي لوفو Remy Leveau، فيرى “أنّ الإسلام يساهم في إغلاق الحقل السياسيّ، ضامناً بذلك للملكيّة أقصى درجات الرقابة الأيديولوجيّة”. وفي ظلّ بِنيَةٍ كهذه، تُضفِي الألقاب الدينيّة (أمير المؤمنين، خليفة، إمام … إلخ)، التي يتّخذها العاهل المغربيّ لنفسه، هالةً من القدسيّة على السلطة السياسيّة، ويصبح اللقب عبارةً عن وسيلةٍ للاتّصال بالمقدّس، تأكيداً للصورة المتعالية للقائد الدينيّ. كما يُخوِّل التحصّن برمز الشرف للسلطة السياسيّة نوعاً من الاستقرار السياسيّ والاستمراريّة التاريخيّة، وأيضاً نوعاً من القداسة. وهناك من يذهب، في هذا الإطار، إلى القول إنّ المقدّس يظلّ الثابت الأكبر في التاريخ الحديث والمعاصر للمغرب الأقصى، وإنّ استثمار المقدّس قد خلّف سيطرة المخزن على “المخيال الجماعيّ” والبِنَى الذهنيّة، كما عطّل كلّ إمكانيّةٍ للثورة الفكريّة، وقلّص حتّى الحضور الفعليّ للحركة الدينيّة المنتشرة في بقيّة أرجاء المغرب العربيّ. هذه الملاحظة الأخيرة تسمح بالقول إنّ إمارة المؤمنين تُعتّبر أهمّ آليّةٍ تُمكِّن المؤسَّسة الملكيّة من الهيمنة على الحقل الدينيّ (1).

وربّما يسعى الملك إلى هيمنته على المجال الدينيّ، في مواجهةٍ للإسلام السياسيّ، من خلال: “تأسيس المجلس الأعلى للعلماء برئاسة الملك بوصفة أميراً للمؤمنين، والمجالس العلميّة والإقليميّة التي كانت موضوعةً تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة. ومن بين مهامّها: العمل على تنفيذ توجيهات المجلس الأعلى، وإحياء كراسي الوعظ والإرشاد، والتثقيف الشعبيّ في المساجد، والسهر على سيرها. وفي ظلّ هذا التوجّه، اتُّخِذ المسجد أداةً للحدّ من تنامي الإسلام السياسيّ، وذلك بإغلاق المساجد، حيث لا تُفتَح إلّا لأداء الصلوات الخمس، والتزام خطبائها باتّباع توجيهات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة (2)“.

ووفقاً لمحمد أفاية، فإن البعض يعتبر أنّ أصالة الملكيّة المغربيّة تكمن في ذلك “التفاعل” الذي تأسَّس على نمطين من المشروعيّة، الأوّل تاريخيٌّ (دينيّ) مرتبطٌ بمفهوم الخلافة، والثاني تعاقديٌّ (دستوريّ) مستَمَدٌّ من الديمقراطيّة الليبراليّة. وبذلك يستند النظام السياسيّ المغربيّ على ركيزتين متكاملتين: التقليد والحداثة. من هذه العلاقة ينصبّ التباسٌ هائلٌ وتداخلٌ يصعب القبض على بعض تعبيراته. إذ قد يواجه المرء تصوّراً تقليديّاً داخل مجالٍ من التداخل الحديث، أو على العكس من ذلك، قد يعثر على نظرةٍ تحديثيّةٍ تواجه مجالاً تقليديّاً. ومن بين الخصائص البارزة للنظام السياسيّ المغربيّ، كونه يستند إلى ثقافةٍ سياسيّةٍ جمعيّةٍ ومتعدِّدة، مع استقراره اللافت، بالقياس إلى الانقلابات العسكريّة التي شهدتها غالبيّة الأنظمة العربيّة. وتحقَّق للنظام المغربيّ استقراره بفضل القدرة التي يمتلكها في إدماج الثقافات السياسيّة المتعدِّدة، واحتواء عناصر مقاومتها، وخلق شروط التوازن الضروريّ لضمان استمراريّته (3).

إلّا أّن هذه الثنائيّة من التضادّ الدينيّ/السياسيّ، أو التقليديّ/المعاصر، تضع المواطن المغربيّ نفسه في حالة تضادّ، فتارةً يكون مؤمناً/أو غير مؤمن، وفي الحالة الثانية (غير مؤمن) يكون خارج ولاية “أمير المؤمنين”، ومستبعَداً من الهُوِيّة الدينيّة/السياسيّة، بل وحتى عنصراً دخيلاً على الإمارة، ستتمّ معالجة أموره وفق منطقٍ مخالفٍ لنظريه المؤمن، وهنا يعود الجميع رعيّةً في ولاية “الملك” لتصحيح هذ الخلل. ليتحوّل بعد ذلك إلى مواطنٍ في ولاية “رئيس الدولة”، حين تُطرَح مواضيع الحداثة السياسيّة من أحزابٍ وانتخاباتٍ وإدارةٍ سياسيّة. هذه التناقضات لا يمكن الفصل بينها، إلّا وفقاً لما تتطلّبه مصلحة المؤسَّسة الملكيّة ذاتها، وهي في كلِّ مرةٍ تقصي شريحةً من “السكّان”، وتدفع بهم إلى البحث عن مخرجٍ هُوِيّاتيٍّ لأزمة موقعهم من النظام والدولة، وإن لم تتمظهر سوى على مستوى الأقليّة الأمازيغيّة والأقليّة الصحراويّة بعد.

وعليه فإنّ الفصل الحاصل في المرسوم الملكي الأخير، يتطلّب وفق الحتمية التحديثية المغربية، فصلاً آخر على مستوى المؤسّسة الملكية، بشكل مترابط ومتكامل مع الفصل على مستوى الخطاب والأداء المجتمعي، بل ويُخرِج الديني من سطوة السياسي بشكل نهائي، وهو تحديث تجاوزه دستور عام 2011، محافظاً على السطوة الملكية على الشأن الديني.

عبد القادر نعناع

باحث وأكاديمي سوري

مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث

 

هوامش:

(1) زين العابدين حمزاوي، “أسس هيمنة المؤسسة الملكية: نموذج إمارة المؤمنين في المغرب”، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 20، خريف 2008، ص 152

(2) المرجع السابق، ص 155.

(3) محمد نور الدين أفاية، “توترات التقليد والتحديث: الديمقراطية ومتغيرات السياسة في المغرب”، سلسلة تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، آب/أغسطس 2011، ص 3.

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق