اردوغان

أردوغان والارتباك التركي: بين عمامة “الباب العالي”، ومعطف الناتو “الأتاتوركي”

 

 

ليس مستغرباً أن يظهر رجب طيب أردوغان – مؤخراً – مرتبكاً أمام منبر المنظمة الدولية المولجة بمهام حفظ السلم والأمن الدوليين. وليس مستغرباً أيضاً أن يبدو وقد خرق أهم مبادئ الميثاق الأممي – مبدأ عدم التدخل في شوؤن الدول الأخرى- لاسيما عندما أظهر أردوغان تدخله السافر في شؤون دول المنطقة العربية ككل، مسترجعاً إلى الذاكرة شريطاً تاريخياً من سيرورة الغباء والتناقض للسياسة الخارجية التركية، منذ الدولة العثمانية التي عزلت المنطقة العربية لأكثر من  400 عاماً، قبل أن تتركها لقمة سائغة، تتقاسم فيها الدول الإستعمارية ” تركة الرجل المريض”، الذي يعود اليوم بأدوار مرتبكة في دول الثورات العربية وغيرها.

 

في تأصيل العلاقة بين تركيا وحركات الإسلام السياسي

أدى الفشل الذريع للأمم المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة إلى عدم قدرة المنظمة الدولية على إيجاد رؤية أمنية جامعة قادرة على إحياء سلطة حقيقية للقانون الدولي؛ تتناسب والتحولات الطارئة على بنية المجتمع الدولي، الأمر الذي أفرز نوعاً من الأدوار التي تتناسب وتطلعات القوى الإقليمية بالاعتماد على العامل الثقافي أو المذهبي أو العرقي.

 شكل ذلك اعترافاً قسرياً من الأمم المتحدة بواقعية العلاقات الدولية، وتجاوزاً واضحاً للتصور الأصلي لميثاق الأمم المتحدة القائم على فرضية مفادها أن حفظ السلم والأمن الدوليين هو الموجه الأساس في استقرار العلاقات الدولية بحيث لا ترجح كفة دولة على أخرى1، وبذلك تتراجع المصالح الذاتية للدول، لتحل محلها القوى المتكافئة لصالح المجتمع الدولي.

برز مفهوم الإقليمية الجديدة تزامناً مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا سنة 2002، حاملاً عقيدة العثمانية الجديدة، ما أدى إلى تداعيات سلبية انعكست على التطلعات التركية في المنطقة العربية، التي أصبحت ساحة لإيديولوجيا الحزب في إحياء فكرة الإسلام السياسي، بالاعتماد على العامل الديني لشعوب المنطقة العربية.

 

تناقضات السياسة التركية: بين “العثمانية الجديدة”، والنزوع الأتاتوركي ضد العرب

تاريخياً، ظلت المواقف التركية من القضايا العربية تأخذ الطابع العدائي بشكل ٍعلني وواضح، فقد كانت تركيا أول دولة ” إسلامية” تعترف بإسرائيل في 29 أذار 1949، كما أنها لم تعارض قرار تقسيم فلسطين، وأيدت العدوان الثلاثي على مصر 1956، والتدخل الأمريكي في لبنان 1958.

التحول الأبرز الذي طرأ على السياسة التركية، كان مع وصول حزب العدالة والتنمية 2002، الذي أظهر تعاطفاً ظاهرياً مع القضايا العربية، في الوقت الذي كانت تتعزز فيه الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، ما أدى إلى ارتباكات وتناقضات بنيوية في تعاطي السياسة التركية مع القضايا العربية، جعل من أدائها أداءاً ميكيافيلياً خادعاً، انطلى على التنظيمات الإسلامية، التي افتقرت للقراءة الاستراتيجية للأحداث، مما حال دون انجاز أي تقدم يذكر في جميع الملفات التي تبنتها تركيا.

لقد أثبتت التجارب السياسية لحزب العدالة والتنمية، عدم قدرته على تجاوز الدور التركي الأتاتوركي – العلماني. انعكس ذلك على هوية السياسة التركية وتناقضاتها التي توزعت بين “إسلاموية” الدولة العثمانية متمثلة بتطلعات حزب العدالة والتنمية، وعلمانيتها المتمثلة بموقعها في حلف الناتو، وعلاقاتها التاريخية مع إسرائيل.

لذلك، لم يخرج حزب العدالة والتنمية في جميع مراحله التاريخية، عن العقيدة التركية الأتاتوركية، سواء بعقد تحالفات سرية وأمنية واستخبارية مع إسرائيل، أو التحالف مع الدول التي تشكل تهديداً للأمن القومي العربي كإيران وأثيوبيا وإسرائيل، التي وجدت في العلاقة مع تركيا، مقدمة لكسر الرؤية العربية، التي لا ترى في إسرائيل إلا بلداً غريباً في محيط تهيمن عليه الثقافة العربية الإسلامية.

منذ اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق  ديفيد بن غوريون مع نظيره التركي عدنان مندريس سراً سنة 1958، تمكنت إسرائيل من عقد العديد من الاتفاقيات السرية للتعاون الاستخباري والعسكري مع تركيا، حيث وقع البلدان اتفاقية التعاون المشترك، الذي طلبت تركيا حينها من إسرائيل أن يكون سرياً، وقد وافقت إسرائيل على ذلك لأنها تدرك مدى العبء الواقع على الحكومة التركية، في مواجهة الشعب التركي الذي يعتز بهويته الإسلامية، بينما اعتبرت الحكومة تركيا هذا التعاون تحالفاً ضد العرب الذين أسهموا في إسقاط الإمبراطورية العثمانية2.

 

العلاقات التركية الإسرائيلية: من السرية إلى التعاون الموسع

أدى تصاعد التنسيق المشترك بيت تركيا وإسرائيل إلى تجاوز مبدأ العلاقات السرية، الذي انتهى بإعلان البلدين رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارة. ففي تشرين الثاني من سنة 1993، زار وزير الخارجية التركي “حكمت سيتين” إسرائيل، ووقع مع نظيره الإسرائيلي ” مذكرة التفاهم الموسع للتعاون بين البلدين” في جميع المجالات.

منذ ذلك التاريخ توالت الزيارات العلنية التي كان من بينها زيارة رئيسة الوزراء التركية ” تانسو تشيللر” سنة 1994، الإسرائيلي عزرا وايزمان إلى تركيا مع وزير خارجيته شمعون بيريز في العام ذاته 3.

 

أردوغان: عرّاب مرحلة التمكين الاستراتيجي مع إسرائيل

بالرغم من دعم تركيا لحركات الإسلام السياسي في محيطها، إلا أن الإسلام ومنذ تأسيس الجمهورية، ظل بالنسبة للساسة الأتراك مجرد منظومة عقائدية على المستوى الفردي فقط، وليس مرجعية لرؤية أو مبادئ، تظهر أو تُطبق على مستوى الداخل التركي.

أما على الصعيد الخارجي، فقد اشتغل رجب طيب أردوغان على جاذبية الخطاب الديني في التعامل مع التنظيمات الإسلامية العربية، في الوقت الذي كان ممنوعاً عليه داخلياً النيل من قدسية النظام الجمهوري العلماني.

لذلك ظلت فكرة إقامة الدولة على أسس إسلامية، فكرة معزولة عن بنية الخطاب السياسي، الذي لم يجد له ترجمة على أرض الواقع 4 لدى جميع المكونات السياسية التركية.

ظلّ أردوغان يخاطب الجماهير بنفس المسلم، دون أن يزعزع علاقته مع العلمانيين، الذين طالما أفصح لهم، أنه لا يطمح إلى دولة إسلامية، ولإثبات ذلك ألغى أردوغان التقويم الهجري الإسلامي، ما يعني أن دعم أردوغان لحركات الإسلام السياسي وفكرة الخلافة الإسلامية، ماهي إلا وسيلة مكيافيلية لغاية سياسية، مؤداها المصالح الذاتية لحزب العدالة والتنمية.

ولعل ما يؤكد ذلك، الدور النوعي الذي لعبه حزب العدالة والتنمية في العلاقة مع إسرائيل. فمنذ وصول الحزب إلى السلطة سنة 2002، انتقلت العلاقات الإسرائيلية – التركية من فكرة التعاون إلى الشراكة الاستراتيجية. فقد شهد العام 2002 تطوراً غير مسبوق في العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل وتركيا، فارتفعت قيمة التبادل التجاري من 300 مليون دولار في 1997 إلى 3.1 مليار دولار سنة 2010، كما بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية لأنقرة 2 مليار دولار وربع المليار في العام ذاته5.

فشل في الغرب وفشل في الشرق: تركيا هوية سياسية متناقضة وغير واضحة المعالم

أدت التناقضات البنيوية في السياسة الخارجية التركية إلى عدم قدرة حزب العدالة والتنمية على تحديد هوية واضحة للسياسة التركية سواء مع الغرب الذي فشلت معه في طي صفحة ملف الإبادات الجماعية للأرمن؛ الذي تصنفه أوروبا من أبشع صفحات التاريخ الإنساني، مما حال دون قدرة تركيا في الانخراط في الثقافة الأطلسية – الأوروبية أو الانفتاح عليها، مما حال دون تحقيق حلمها التاريخي في الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، بالرغم من كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي NATO)).

‏‏الفشل ذاته، حال دون قدرة تركيا في الاستفادة من فكرة الإقليمية الجديدة، بالتركيز على العامل العرقي للشعوب التركية في دول الاتحاد السوفياتي السابق، حيث تميز الدور التركي بعد تفكك الإتحاد السوفياتي بمحاولات تثبيت الهوية التركية والتغلغل لإحياء العثمانية في تلك الدول بالاستفادة من العاملين الديني و العرقي، إلا أنها اصطدمت بنوع من الثقافة المدنية -الإسلامية لتلك الشعوب، التي لا ترى في علمانية الدولة مفهوماً يتعارض والدين الإسلامي، مما حال دون الترويج لفكرة الإسلام السياسي لدى الشعوب المسلمة في دول أوروبا الشرقية، بما فيها الشعوب ذات الأصول العرقية التركية، وهو ما يفسر توجه أردوغان إلى المنطقة العربية، بالاستفادة من عوامل تاريخية وسياسية ومجتمعية، سهلت في تنامي ظاهرة الإسلام السياسي المتطرف وتوجيهه.

 

 

الإسلام السياسي التركي: إيديولوجيا ملء الفراغ في المنطقة العربية

على خلاف ما اصطدمت به سياسات أردوغان في دول الاتحاد السوفياتي السابق، فقد وجدت في حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، حالة دينامية جاهزة داخل المجتمعات العربية. فمن الناحية السياسية تعود حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي إلى بدايات القرن العشرين، إذا ما استثنينا الحراك الديني العابر، الذي ظهر في مصر أبان ثورة عرابي وبتشجيع بريطاني لشق صف المعارضة المصرية حينذاك.

وجدت تركيا في صبغة الاحتجاج الديني في الوطن العربي؛ النموذج الأفضل الذي سيعوضها انسداد بوابة الغرب عليها، بسبب ما عانته المجتمعات العربية من استبداد وتهميش حال دون قدرة الطبقة المتوسطة – التي تتشكل منها غالبية المثقفين – في القيام بدورها التثقيفي من جهة، كما دورها كضامن لاستقرار المجتمع، مما أدى في نهاية المطاف إلى تهميش هذه الطبقة، وترك السواد الأعظم من الطبقات الفقيرة ضحايا الآفات الاجتماعية، التي أسست في مراحل لاحقة لمجتمعات من المخاطر، تهدد البلدان العربية بالانفجار في أية لحظة.

وعلى هذا الأساس، وجدت تركيا في المجتمعات العربية، مقاربة قادرة على تحقيق استراتيجياتها الاقتصادية والسياسية، بالاستفادة من الحركات الإسلامية، التي كانت تخسر في كل مرة رهان الوصول إلى السلطة 6. بعد أن نصّبتْ نفسها مدافعة عن قيم المجتمع. ومن هنا نشأت إشكالية الاختلاف وعدم القدرة على التوافق والتعايش، و” الخلاف حول شرعية السلطة، وبالتالي أصبح الصدام حتمياً، لا مفر منه”7.

 

 

تركيا والثورات العربية: أجيال جديدة من العنف

مع اندلاع الثورات العربية، وجدت تركيا الفرصة سانحة لترتيب أوضاعها بالاستفادة من الفراغ السياسي الذي عصف بدول الثورات العربية، التي أصبحت حبلى بالاضطهاد والاستبداد والفقر والبطالة، مما أفرز أجيالاً من المهمشين والمسحوقين، الذين يحلمون بلحظة الانقضاض والنيل من جميع مكونات المجتمع، الذي سلب منهم الكرامة والرغيف والحرية، في غياب واضح للدولة المؤسساتية، مما أفرز ولادات مشوهة من الجهل، والأمية، والمرض، والعزلة، والسكن العشوائي، الذي أفرز طبقة من “الرعاع” المطرودين من النظام الاجتماعي والسياسي، حيث لا يتورع هؤلاء في اقتناص اللحظة التاريخية التي تمكّنهم من استعمال العنف، كأداة وحيدة للتعبير عن مكنوناتها، حيث اشتغلت السياسة التركية على الاستفادة من هذه الطبقة ودعمها وتبنيها، من خلال تغليف الظاهرة السياسية العنفية بالدين، فكان ما كان من أوضاع راهنة للثورات العربية، أفرزت أجيالاً جديدة من حركات الإسلام السياسي المتطرف، حال دون استمرار هذه الثورات في سياقها القادر على التخلص من الاستبداد، وإحداث عملية التغيير الفعلي، الذي انقلب إلى دماراً وفوضى.

اليوم، ومن على منبر الأمم المتحدة يُصر أردغان على المعادلة التركية القائمة على استغلال وتوجيه الحصاد المر للثورات العربية، مقدماً للعالم مشهدية مأساوية مرتبكة تعيدنا إلى تاريخ من الغباء السياسي التركي، منذ صراع القوى الغربية على مناطق النفوذ العثمانية الرخوة إلى يومنا هذا.

أردوغان اليوم لم يكتف بالاستخفاف في عقول البسطاء من العوام والرعاع، ليتعدى ذلك إلى المجتمع الدولي، الذي يريد إقناعه بفكرة طوباوية – ماضوية تقوم نبش قبور السلاطين وإلباس عماماتهم لشعوب المنطقة العربية.

المنطقة العربية ذاتها، التي شهدت جميع مراحل الغباء السياسي التركي، منذ المشروع العثماني الشهير المسمى بـ «مشروع رجب باشا» والي ليبيا سنة 1711 المتضمن إسكان اليهود في منطقة الجبل الأخضر، كسباً لودهم ضد الدول الأوروبية، إلا أن اليهود خذلوا الوالي العثماني «رجب باشا» وتحالفوا مع الأوروبيين الطليان داعمين الاحتلال الإيطالي لليبيا، فارتكبت أبشع المجاوز التي عرفها التاريخ الحديث.

سياسات أردوغان، تعكس الفشل التركي الذريع في كل ملفاتها المعاصرة، ولعل أولاها محاولاته الدؤوبة في أسلمة وتطييف الثورات العربية، وما جرته هذه السياسة من تداعيات أفرزت حصاداً “ثوّروياً” مقيتاً، انعكس على هوية السياسة الخارجية التركية، التي تتنقل اليوم من فشل إلى فشل في المنطقة العربية.

فشلٌ يعيد إلى الذاكرة سياسات ” الرجل المريض” التي يختصرها ” رجب طيب أردوغان” التائه بين عمامة الباب العالي، ومعطف الناتو الأتاتوركي.

د. محمد خالد الشاكر 

نقلا عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

الهوامش_____________________________

  1. ‏‏ د. محمد خالد الشاكر، صناعة القرار الدولي: جدلية العلاقة بين واقعية العلاقات الدولية ومبادئ القانون الدولي العام، دراسة تأصيلية مقارنة، (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة 2010)، ص 310 وما بعدها.
  2. - للاستفاضة انظر: سعيد عكاشة، محمد عبد القادر، ” العلاقات التركية – الإسرائيلية من التحالف إلى الصدام ؟”، كراسات استراتيجية، العدد 212، ( القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2010)، ص 6، 7.
  3. - سعيد عكاشة، محمد عبد القادر، العلاقات التركية الإسرائيلية – مرجع سابق، ص 9.
  4. - ميتين هيبر، ” المصالحة بين الإسلام والديمقراطية: حالة حزب العدالة والتنمية التركية”، مجلة محاور استراتيجية، عدد نيسان – ايار، بيروت : 2005.
  5. المرجع ذاته.
  6. د. عادل سمارة، “تركيا.. عدو تاريخي ووكيل للمركز ضد الأمة العربية”، تحولات مشرقية، العدد 1، (بيروت: مؤسسة سعادة للثقافة، 2013)، ص 122،123.
  7. -Kurtcam Bell, Globalization,s First War ? The Washington Quartely, Winter 2002, Washington,pp 16,18
الوسم : تركيا

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق