sudan-embasy

أبعاد طرد الملحق الثقافي الإيراني من السودان

شكل طرد الملحق الثقافي الإيراني من السودان، وإغلاق المكاتب الفرعية التابعة له، ملامح نقلة نوعية في ترتيبات العلاقات الإقليمية شرق الأوسطية، إذ بنى كثيرون على هذه الخطوة أبعاداً استراتيجية في تحول السودان من منطقة نفوذ وتغلغل إيراني، إلى العودة إلى البيئة العربية الخليجية والمصرية تحديداً، ما يشكل خسارة لإيران ضمن المعادلة الصفرية بينها وبين الأطراف العربية.

غير أنّ القرار يبقى ذو خلفيات أكثر مما أُعلن عنه، ويحمل في طياته عدة احتمالات يمكن البناء عليها منفردة أو مجتمعة. دون الاكتفاء بما أورده الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية يوسف الكردفاني من أنّه “تأكد للسودان بأنّ المراكز الثقافية الإيرانية تجاوزت التصديق الممنوح لها وأصبحت تهدد الأمن الفكري والاجتماعي في السوداني”.

أولاً- حماية التركيبة المجتمعية السودانية:

ينساق هذا الاحتمال مع التصريحات الرسمية التي أبداها المسؤولون السودانيون في تفسيرهم لهذه الخطوة. وخاصة أنّ المجتمع السوداني مجتمع إسلامي تقليدي ما زال محافظاً على شكل البنى الإسلامية-السنية في علاقاته العامة والشخصية. ويعتبر النظام السوداني منبثقاً من الهوية المجتمعية الإسلامية، وبالتالي فهو من أقدم الأنظمة العربية التي تحكم بلادها وفق الشريعة الإسلامية، وإن كان قد وظّف الأدوات الإسلامية في عملية هيمنة منفردة على السلطة.

وتتشدد البيئة المجتمعية السودانية حول الخروقات التي تطال البيئة الإسلامية، سواء تجاه محاولات التنصير أو المخالفات الواضحة للنصوص الإسلامية، أو التجاوزات الأخلاقية التي تعتبر في المحصلة تجاوزات دينية. وأضيف عليها لاحقاً السلوكية الشيعية المناهضة لهذه البيئة المحافظة، لناحية التطاول على العقائد والممارسات والمقدسات السنية، ومحاولة الترويج لممارسات اجتماعية تحت ستار المذهب الشيعي تتناقض والقيم الأخلاقية السودانية خاصة، والسنية بشكل عام.

وإن كانت محاولات التشيع غير حديثة العهد في السودان، بل تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنها تسير وفق استراتيجية بعيد المدى، كما حصل في سورية على سبيل المثال، إذ تستهدف استراتيجية تغير الهوية المجتمعية عبر تشييعه، دولاً هي في الأساس دول هشة أو رخوة، تعاني من أزمات داخلية اقتصادية ومجتمعية تخلخل البنى الهوياتية فيها من جهة، وأزمات علاقات دولية كالحصار والحروب والتداخلات المصلحية الدولية. وقد وجدت إيران في السودان طيلة العقود الثلاثة الماضية بيئة مواتية من كافة الأطراف الداخلية والدولية.

وفيما تعتبر الملاحق الثقافية الإيرانية مراكز قيادة عمليات التشييع في الدول العربية، إلا أنها أثرها يبقى تنظيمياً أكثر منه عملياً، حيث توكل عمليات التشييع إلى شبكة واسعة من العلاقات العامة، تمتد داخل كافة مؤسسات الدول والمجتمع الأهلي، حتى تغدو عملية التشييع باتجاهين اثنين معاً، من الأعلى عبر التمثيل الرسمي الإيراني والتمويل المباشر، ومن الأسفل عبر شبكة من الحسينيات والشخصيات العامة والدينية والفكرية، وعبر تمويل ظاهره خاص بتلك المؤسسات الفرعية.

وعليه، فإنّ ثمار عملية التشييع تستغرق مرحلة زمنية حتى تبدو ظاهرة للعيان، وربما لم يدرك المسؤولون السودانيون والجهات المعنية بالقيم المجتمعية آثار عمليات التشييع إلاّ متأخراً، وعليه تمّ اتخاذ هذا القرار، بعد محاولات دبلوماسية لمنعها. وخاصة مع دخول المجتمع السوداني، وإن على استحياء، إلى دائرة الاحتجاجات المناهضة للسلطة، على غرار دول ثورات الربيع العربي، ما يشكل تحدياً إضافياً، ربما دفع السلطة إلى استئصاله بغية الحفاظ على حد أدنى من التوافق المجتمعي-السلطوي.

إلا أنّ ذلك لا يشرح بشكل وافٍ المسألة برمتها، فمناهضة التعدي على الهوية المجتمعية واستبدالها تعتبر من صميم الأمن القومي للدولة، ونرى مثلاً كيف منعت ماليزيا التبشير بالمذهب الشيعي في لحظاته الأولى، بل وعمدت إلى أكثر من ذلك حين منعت التعبّد بهذا المذهب على أراضيها، ورحلت كثيراً من المتورطين الإيرانيين في تلك العمليات.

ثانياً- التوازنات الداخلية:

تتم عملية التغلغل الإيراني في بيئة مستهدفة، تحت إغراءات عدة منها المساعدات المالية والعينية للأفراد، والبعثات العلمية والمنح الطبية. في عملية تجييش هادئة طويلة المدى للفئات المستهدفة، عبر ما يمكن اعتباره تغيير مجموع القيم لدى الفرد، قبل تحويله إلى أداة له دوره المناط به ضمن المشروع الإيراني ككل.

على ذات النهج، تسير المساعدات المقدمة من نظام الملالي للدول ككيانات، بعيداً عن شعارات التضامن الإسلامي المرفوعة، إذ تعمد إيران من خلال الاستثمارات الاقتصادية والخدمية، إلى تحويلها إلى أجهزة استخباراتية تكمن وظيفتها في جمع كافة البيانات المطلوبة عن الدولة المستهدفة. وذات النهج ينطبق على التعاون العسكري، عبر اختراق البنى المؤسساتية العسكرية بأفراد مواليين تماماً بعد إعادة تأهيلهم لتولي أدوارهم، ومن ثم الدفع بهم إلى مراكز القيادة العسكرية والسياسية.

إذ استطاعت إيران التغلغل في الداخل السوداني، عبر بوابات ثلاث:

-      توظيف الخطاب البعثي في “المقاومة والممانعة”، عبر تقارب أيديولوجي مع الهوية العربية للشعب السوداني، وطموحات النظام السياسي.

-      إعادة تشكيل الهويات الدينية عبر منهج التشييع.

-      اختراق القوات المسلحة السودانية من خلال إنشاء سلسلة من المواقع التابعة مباشرة للحرس الثوري الإيراني، وتدريب عناصر مختارة بعناية، تشكل قوة ميليشياوية قادرة على العمل لحظة الإيعاز لها، بل ومدربة على السلاح الإيراني بالذات، وتم تنميطها أيديولوجياً (تقدر بعدة آلاف).

وعليه يمكن البناء، بأنّ ما قامت به إيران من خلال مجموعة أجهزة تابعة لها، بخلق كيانات تنافس الرئيس السوداني على السلطة، وبات خطرها واقعاً، ومن ثم فإنّ صراع المؤسسات أطاح بالكتلة الإيرانية داخل الجيش السوداني، لصالح الكتلة العربية داخل وزارتي الخارجية والداخلية، إضافة إلى العناصر المحسوبة على النظام السوداني ذاته داخل الجيش والتي تناهض عملية الأدلجة تلك.

بل وحتى من الممكن أن تكون عناصر عسكرية مأدلجة في الجيش السوداني، كانت تدفع باتجاه خلق نمط أزمة داخل السودان (على غرار سورية والبحرين واليمن)، تمهيداً لحراك عسكري (انقلابي) برعاية إيرانية، تهمين فيه تلك العناصر على مفاصل السلطة في الخرطوم.

غير أنّ هذا الاحتمال ينقصه إجراءات تنفيذية تبقى غير معلومة للرأي العام، تمس القيادات العسكرية والسياسية داخل النظام السياسي السوداني، ربما تتأخر ملامحها في الظهور. من خلال تطهير المؤسسة العسكرية أولاً، وتقييد نشاط أزلام إيران في المؤسسات الحكومية والمجتمع الأهلي.

ثالثاً- دور العوامل الاقتصادية:

رغم شدة التقارب بين إيران والسودان سابقاً، فإنّ السودان لم يحظ سوى بسبعة استثمارات فقط من إيران، خمسة منها في القطاع الصناعي بقيمة 34 مليون دولار، واستثمارين في القطاع الخدمي بقيمة تقل عن 200 ألف دولار. وظل الميزان التجاري يميل لصالح إيران بفروقات كبيرة طيلة تلك الفترة، وبلغت المديونية الإيرانية على السودان قرابة 435 مليون دولار حتى مطلع عام 2009، عدا عن الفوائد الجزائية المترتبة عليها (1).

ووفق منطق مقاربة المصالح، فإن السودان فعلياً لم يستطع استقطاب المال الإيراني إليه، نتيجة عدة عوامل، يأتي منها: الإنهاك الاقتصادي الذي يعيشه نظام الملالي منذ سنوات نتيجة العقوبات، وعدم جدية طهران في دعم عملية إنهاض الدولة في السودان، إذ يتنافى ذلك مع نهج المشروع الفارسي في العالم العربي. وعليه فقدت العلاقات بين الطرفين القيمة المضافة المنشودة منها، ولم يعد بالإمكان التعويل عليها في ظلّ تنافسات اقتصادية إقليمية ودولية، تتيح للسودان شروطاً أفضل في التعاملات البينية.

في المقابل، يبلغ حجم التدفق الاستثماري لدول الخليج العربي قرابة 100 مليار دولار منذ عام 2002 وفق بيانات صندوق النقد الدولي، وحصة السودان منفردة منها بلغت 25 مليار دولار (2). رغم الإشكاليات البنيوية في البيئة الاستثمارية السودانية، لناحية تخلف الهياكل التشريعية والخدمية، إلا أنها التدفقات المالية الخليجية استمرت في لاستثمار لتشمل القطاعات الزراعية بشكل رئيس، إلى جانب الاستثمارات النفطية والعقارية والصناعية والحيوانية والمصارف والخدمات.

وتعتبر الاستثمارات السعودية الأكبر بين نظيراتها الخليجيات في السودان، ومن المتوقع ارتفاع حصة الاستثمارات السعودية إلى 13 مليار دولار نهاية العام الجاري. فيما استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تكون المستثمر الزراعي الأول في السودان، إذ تستحوذ على ما نسبته 58% من الاستثمارات الخليجية الزراعية فيه. فيما توسع كل من البحرين والكويت أفقها الاستثمارية بشكل مضطرد.

ونتيجة طبيعة العلاقات السابقة بين إيران والسودان، والانخراط السوداني في المشروع الفارسي، توجهت دول الخليج العربي إلى إحداث ضغوطات اقتصادية على النظام السوداني لتغيير سلوكه تجاه إيران، فكان منها اتخاذ الرياض جملة إجراءات عقابية في القطاع المصرفي، والتضييق على عمليات الاستيراد.

وبالتالي، فإن المقاربة المنفعية الاقتصادية بين دول الخليج العربي وإيران، وتأثير الضغوط الاقتصادية الخليجية على الخرطوم، تؤدي في هذا التصور دوراً بارزاً في عملية إعادة هيكلة العلاقات الخارجية بما يصب في مصلحة السودان أولاً وأخيراً.

وهنا تظهر عملية تقييد الامتداد الفارسي في السودان، من خلال تقيد النشاط الأيديولوجي لها، والمقاد من خلال الملاحق الثقافية، فيما حافظت على حد أدنى من العلاقات الدولية، عبر أطرها الدبلوماسية (السفارات)، وهو لا يعني بقاء العلاقات على ما كانت عليه، إذ إنّ دول الخليج العربي تتبادل ذات الإطار الدبلوماسي مع طهران. وخاصة أنّ الملاحق الثقافية تقع تحت إشراف الجهاز التنظيمي الأعلى في المرشد والدائرة الضيقة حوله.

إذ تدعي منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية أن الهدف من أنشطتها الثقافية في السودان هو نشر الثقافة الإسلامية، ولكنها تقصد بالثقافة الإسلامية مذهبها الشيعي القائم على تعاليم العرق الفارسي، ويبين محمد حسن أختري مستشار الشؤون الدولية لمكتب المرشد الأعلى، والأمين العام للجمعية العالمية لأهل البيت، أهداف هذه المنظمة على النحو التالي: “إن مهمة الملحقيات الثقافية والعاملين فيها هي تحقيق رسائل وتوجيهات المرشد الأعلى، فهي زبدة الإسلام وتبيين التشيع، وكذلك الربط بين قائد الثورة والشخصيات المهمة في تلك الدول المتواجدة فيها هذه الملحقيات” (3).

خاتمة:

يمكن البناء على إحدى هذه الاحتماليات، أو جمعيها معاً، لفهم الأبعاد التي أدت إلى طرد الملحق الثقافي الإيراني ومكاتبه من السودان. لكن ذلك يبقى رهناً بتطورات الموقف في الفترة القادمة، سواء لناحية التغيرات التي ستتم داخل البنى المؤسساتية السودانية، أو نتيجة ضغوط خارجية خليجية أو إيرانية، وخاصة أن لإيران قواعد عسكرية واسعة في السودان، وعناصر سودانية وإيرانية على ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني.

وتبقى خطوة طرد الملاحق الثقافية منقوصة، في حال لم تترافق بإعادة هيكلة شاملة للبنية العسكرية للجيش السوداني، وتطهيرها من العناصر التي قد تشكل دافعاً تأزيم للوضع الداخلي، ومصدر تهديد حقيقي للنظام والمجتمع معاً، وللعلاقات السودانية-العربية بشكل أعم. إضافة إلى مراقبة نشاط المستوى الثاني (التحتي) للجماعات التبشيرية الشيعية، لما قد تشكله من خطر فعلي على الاستقرار المجتمعي.

عبد القادر نعناع

كاتب وباحث سوري

نقلاً عن مركز المزماة للدراسات والبحوث

 

مراجع:

(1) نازك شمام، “هل يرضى الخليج؟ طهران لم تمنح الخرطوم أي قرض أو منحة تساعدها في دعم اقتصادها المترنح والاستثمارات الإيرانية في السودان لا تكاد تذكر: تقاطعات الاقتصاد والثقافة”، 3/9/2014:http://www.alyoumaltali.com/.

(2) محمد العسومي، “السودان والاستثمارات الخليجية”، صحيفة الاتحاد، 2/5/2013: http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=72245.

(3) للمزيد، انظر: “السودان في خيارها الأفضل: الابتعاد عن إيران والتقرب إلى الخليج”، مركز المزماة للدارسات والبحوث، 7/9/2014: http://www.almezmaah.com/ar/news-view-6692.html.

شارك هذا المقال

لا توجد تعليقات

أضف تعليق